هيمنة القهر والظلم والفساد والاستبداد على فضاء الحياة.. قراءة في رواية الغرانيق

0

الكاتب: مازن عرفة.

قراءة: أحمد العربي.

الناشر: هاشيت أنطوان، نوفل/ ط١، ٢٠١٧م.

الغرانيق؛ رواية تتحدث بصيغة المتكلم على لسان بطلها الأساسي لنسمه “الشاهد”، كما يتناوب على منصة السرد أبطال آخرون: الجنرال الزعيم وشخصيات أخرى من عامة الناس ومن الثوار المشاركين بالانتفاضة السورية على ظلم النظام المتمثل ب”الجنرال”. كما أن الرواية تعتمد طريقة المونولوج الداخلي النفسي لبطلها أحيانا، أو هلوساته أو سرده حيثيات حياته، في خلط عجيب بين الواقعي والمتخيل، الوهمي والمعاش، المعبر عن عقد دفينة والعادي… الخ.

تبدأ الرواية من الشاهد متحدثا عن بلدة ما في سوريا، بلدة نموذجية، وكأنه يريد أن يقول؛ إنها “سوريا المصغرة”، بلدة تقبع في حضن جبل من جهة، وتمتد الصحراء في الجهة المقابلة، بعد أن جف النهر الكبير وأصبحت البلاد في حالة أقرب للتصحر، وناسها يسكنهم الفقر والخنوع والاستسلام لأقدارهم، في حضرة الزعيم الجنرال، الحاضر في كل شيء، الصور المغطية البيوت بما فيها غرف النوم، والمراكز الحكومية، الساحات تتوسطها تماثيله الحجرية السوداء، مذكرة بحضوره الطاغي المهيمن كإله جبار.

الشاهد مواطن نموذجي كما يسمي نفسه، يعمل في بلدية البلدة موظفا في النفوس، مع موظفتين اثنتين ذوات مظاهر أنثوية مترحلة لنساء أنجبن الكثير من الأولاد، حياته مقتصرة على ذهابه للعمل والجلوس تحت صورة الجنرال الزعيم يتفيأ ظله، أو في بيته حيث زوجته وأولاده، زوجته المترهلة السمينة ذات المؤخرة الكبيرة، يقضي جل وقته معها في ممارسات جنسية مرهقة، هو يحلم بفتاة من بنات أحلامه، وهي تحلم برجل ما، يحصل جنس مُعاش بينهما، ومتخيل مع آخرين، في غرفة نوم تحضر بها صورة الزعيم الجنرال، وفي كثير من الأوقات، يمارس الزعيم الجنرال الجنس مع الزوجة بدلا عنه أو بالتوازي معه، تعاش كل هذه الاستيهامات والهلوسات وقائع في حياة الشاهد، يذهب كل يوم مساء إلى مقهى البلدة، يلعب الورق مع أصدقائه في الحي، تحت صورة الجنرال الزعيم وبحضوره، قدرا مسلطا كالهواء، إنجازات اللاعبين هي انتصارات تنسب للجنرال الزعيم.

في البلدة “دار المتعة” وهي عبارة عن مركز دعارة فتح بتوصية من الجنرال الزعيم لحل مشكلة الجنود المحقونين بذكوريتهم التي لم تجد لها فرصة لتصريفها عبر حروب لم تخض مع “العدو” لعقود. بيت المتعة تتصدره صورة الزعيم، يحييها الجنود قبل الدخول لممارسة الجنس مع فتيات وجدن بيع أجسادهن وسيلتهم الوحيدة لعيش ممكن.

للرواية أسلوب مميز مختلف بحضور الصور الجنسية بكثرة، والهلوسات، والانتقال من زمان لآخر ومن شخصية إلى أخرى، لعلها تحاول الإحاطة بالكارثة السورية، التي يستحيل إحاطتها بنص واحد.

البلدة فيها أيضا مقبرة تتكاثر فيها القبور ليلا، صديق الشاهد حفّار القبور يقول: إن المقبرة تشهد إقبالا منقطع النظير هذه الأيام، ففي أغلب الليالي تأتي سيارات الجنود محملة بجثث ترمى في حفر على عجل وتمضي، تحضر الكلاب الشاردة، تنبش القبور وتنهش الجثث، الجثث لكبار وصغار ونساء ورجال، وبعضها مهشم وبعضها مقطّع، سمع حكايا حافر القبور وذهب للتأكد، أصبح يلتقي بأطفال يحدثونه عن حياة كانوا يعيشونها، حدثوه عن عربات كبيرة أحضروا بها أمواتاً، وعن معتقلين بين الحياة والموت يرمون بالجثث والأشلاء في حفرة أعدّتها آلة حفر كبيرة لهذا الهدف في طرف المقبرة، ثم يرمى المعتقلين مع الجثث في الحفرة، ويطمر الجميع أحياء وأموات، حدثوه عن موت قاسٍ وقعوا ضحيته، زادت هلوسته وكوابيسه، وأصبح أقرب إلى رجل مهووس بحضور الجنرال، وتفريغ الاحتقان النفسي والقمع عبر جنس يمارسه مع زوجته السمينة المترهلة، ويعيشه مع محبوبته الشابة المتخيلة.

ينتقل الشاهد في فصل آخر ليتحدث عن نفسه مستذكراً طفولته، ولادته في البلدة المتواضعة، والده المتزوج من اثنتين، أمه التي توبخه دوما، جدته التي تنبأت له بحياة يكون فيها زعيما جنرالا كالزعيم الجنرال، كبر في طفولة كان للقراءة والتخيلات فيها دور كبير في صناعة شخصيته، من بيئة فلاحية هو، عاش طفولته تحت الأشجار ومع أنداده الصغار، كبر في الحقول، عايش مراهقة عادية، تعرف على الجنس من خلال علاقة بجارة تكبره استخدمته لمتعتها. كان موظفا في البلدية ومتزوج وعنده أولاد، كان ككل الناس يعيش حياته بحدود المتاح، تحت ظل الزعيم الجنرال، وحضوره الطاغي حاصيا أنفاس الناس وحاصدا حياة معارضيه.

المتغير الجديد على حياته وحياة كل أبناء بلدته، هو خروج مجموعات من الشباب في مواجهة الجنرال الزعيم، داعية لإسقاطه، مطالبة” بالخبز والكرامة والحرية” كانوا مجموعة من المجانين الذين يغامرون بحياتهم وحياة أهاليهم، لكنهم خرجوا بصدورهم العارية لمواجهة الجنرال الزعيم وجيشه وقوته العسكرية الطاغية.

يطل الشاهد على الحدث من شرفته حيث يتابع الحدث اليومي والحياتي للبلدة في ساحتها الرئيسية، الشاهد ابن البلد يعرف ما يغلي في صدور الشباب، وكيف تسرق البلدة من أهلها، لم يكن كافيا، ما أصاب البلاد من جفاف ينابيع، ونقص أمطار، ويباس أشجار، وقلة أعمال، وفقر مستديم. تحالف أزلام الجنرال مع مستثمري الخراب والفقر وبدؤوا في تحويل ذلك لمكتسبات لهم، اشتروا الأراضي بأرخص الأثمان، أقرب للسرقة، توسعت ظاهرة المخبرين الذين يحصون أنفاس الناس، التحاق الشباب في الحزب الحاكم بحثا عن مكتسبات مهما كانت تافهة، التزاوج بين الفاسدين ورجال الجنرال الزعيم، في سرقة الأراضي، وتجارة المخدرات وترويج الدعارة، وتعميم القهر والظلم والفقر على الناس، كل ذلك دفع الشباب لخروجه في انتفاضته، قرروا الخروج للمطالبة بالخبز والكرامة والحرية، في الشوارع والأحياء الفقيرة خاصة، لكن جيش الجنرال وشبيحته لم يسكتوا عن ذلك، واجهوا حركة الشباب بالسلاح والقتل العلني المباشر.

في الرواية؛ تفاصيل عن كيفية مواجهة الجنرال وجيشه وشبيحته لجموع المتظاهرين السلميين. الجنرال الزعيم يقرر أن يتعامل مع كل من خرج ضده بصفته عدو، وقرر قتله، وبدأ من الدائرة المحيطة به، وقتل بعض المقربين منه، ليؤكد هيمنته على مقاليد السلطة وإنّه الإله الواحد لسوريا، المعبود الأوحد، أخرج المسيرات المليونية لقطيع الناس الخانعين، ثم باشر بقتل الناس في كل البلاد.

قرر المنتفضون أن يعتمدوا السلمية في مطالبتهم الجنرال بالرحيل وتحقيق أهدافهم، لكن الجنرال استخدم شبيحته وجنده لقتل الناس. في البلدة حاول أن يستدعي مؤيديه ليخرجوا في مسيرات تأييد له ردا على تظاهر شباب البلدة ضده، اصطدم الشباب بمسيرة المؤيدين، وحصل صراع أدى لكثير من الإصابات والجرحى، وانسحب مؤيدو الجنرال وشبيحته مهزومين. يومئ الكاتب إلى استخدام الجنرال للشبيحة الذين يستحضرهم من طائفة النظام أو من طوائف أخرى، في محاولة لزرع فتنة بين مكونات الشعب السوري، التواصل مستمر بين مسؤول الأمن والخوري في الكنيسة، يزرع في ذهن المسيحيين أن هؤلاء الشباب يريدون إمارة إسلامية ومن ثم سيظلموا المسيحيين وغيرهم من الطوائف الأخرى، لكن الناس كانوا أوعى من أن يقعوا ضحية هذه المكيدة، هناك خوري مع الثوار، فالبعض كان مع الجنرال من كل الطوائف والبعض كان من المنتفضين المتظاهرين من كل الطوائف، بما فيهم المناضل المعتقل السابق، والمخبر المعتقل السابق، تفاصيل كثيرة تكتب تعني بلدة “ما” في سوريا، نموذجا عنها كلها، ينجح الجنرال بشق صف الشعب بتنوعه، رغم كونه كله ضحية.

قصة بلدة نموذج من سوريا بواقع حياة ناسها وحياته هو ومحيطه، ودرجة الفساد والخراب واستغلال البلاد لصالح النظام وعصبته، استغلال النفوذ سرقة أراضي الدولة والناس، تجارة المخدرات، التزاوج بين النظام والفاسدين في البلاد.

من كل المكونات يخرج الثوار، وتنقسم حتى العائلات حول ما يحدث، لكن الغلبة تكون أخيرا للمتظاهرين حيث سيطروا على البلدة، وأخرجوا أنصار الجنرال منها بعد صراع مرير مع شبيحته، سقط على إثرها بعض الشهداء وأصبح الشباب أقرب لفكرة حماية أنفسهم وأهلهم بالسلاح المتاح، رغم إصرار الأغلب على سلمية الانتفاضة، جهز الشباب أنفسهم لمواجهة الجنرال والدفاع عن أهلهم.

الجنرال لن يقبل الهزيمة، يرسل جنوده من المعسكر المجاور للبلدة مع الدبابات من أجل اجتياحها واعتقال الثوار المهيمنين عليها، حضرت الدبابات والجنود، اعتقلوا أغلب شباب ورجال البلدة، وساقوهم إلى معسكرهم ليحقق معهم ويذيقهم تعذيبه، وقد يقتل البعض. يتجول المخبرون معهم بوجوههم المقنّعة، يخبروهم عن المتظاهرين والمنتفضين. تلاحق الدبابات والجنود الشباب المنتفض في الأحياء القديمة وفي المزارع المجاورة وتقضي عليهم، يهرب البعض، وتصبح البلدة خاوية على عروشها، تحولت ساحات البلدة ومداخل شوارعها إلى حواجز ومتاريس، مع جنود مدججين بالسلاح، يتجول حولهم ما تبقى من المؤيدين للجنرال الذين يحتفلون على جثث الناس وخراب البلدة.

الشاهد من شرفته يدون كل ذلك، تارة ضحية لهلوسات تصيبه، وتارة نادما أنه كان جبانا ولم يشارك الشباب ثورتهم، وأنه بقي حيا ليشاهد كيف قتل حلم الحرية في بلدته الصغيرة، رمز لسوريا كلها.

تنتهي الرواية عندما يصوب الشاهد مسدسه إلى رأسه، ويطلق النار “لا أموت أنا تموت البلاد”.

في تحليل الرواية نقول: إننا أمام نموذج مختلف من الرواية المتحدثة عن الثورة السورية والمنتمية لها. فعندما يستفتح روايته عن هيمنة الزعيم الجنرال على كل مناحي الحياة في البلدة “البلاد” يريد القول؛ إنّ القهر والظلم والفساد والاستبداد هيمن على فضاء الحياة كلها، حتى غرف نوم الناس، وشاركهم الجنس مع زوجاتهم، كأسوأ مستوى للذل والتدخلية الظالمة في حياة الناس.

وعندما يسرد قصة بلدة نموذج من سوريا بواقع حياة ناسها وحياته هو ومحيطه، ودرجة الفساد والخراب واستغلال البلاد لصالح النظام وعصبته، استغلال النفوذ سرقة أراضي الدولة والناس، تجارة المخدرات، التزاوج بين النظام والفاسدين في البلاد، كل ذلك جعل حياة الناس جحيما، وبالتالي؛ أصبحت الثورة عليه ضرورة عاشها الشباب وفكرة تحولت لواقع مارسها الشباب كضرب من الجنون في مواجهة نظام قاتل. وبالفعل؛ يرصد الكاتب كيف قامت الثورة، وكيف تمت مواجهتها بأعتى درجات القتل والتنكيل. رغم أن الرواية ينتهي زمان سردها إلى الأشهر الأولى للثورة، لكنها تومئ ضمنا لما بعد ذلك، حيث انحسار التظاهر السلمي، والانتقال للعمل العسكري من قبل الثوار، وحصول تدخلات دولية وإقليمية، جعلت سوريا لعبة بيد اللاعبين الدوليين، وإطلاق يد النظام مدعوما من إيران وروسيا ومرتزقتهم، لقتل الشعب السوري، قصف بالطيران والصواريخ، تدمير مدن وتهجير جماعي إلى كل بلاد العالم، ملايين من المشردين ونصف سوريا مدمر، ما يزيد عن مليون شهيد ومثلهم مصابين ومعاقين.

للرواية أسلوب مميز مختلف بحضور الصور الجنسية بكثرة، والهلوسات، والانتقال من زمان لآخر ومن شخصية إلى أخرى، لعلها تحاول الإحاطة بالكارثة السورية، التي يستحيل إحاطتها بنص واحد.


مازن عرفة؛ روائي سوري متميز، قرأت له سابقا رواية “وصايا الغبار”، منشغل بالهم السوري بعمق.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!