بنيّ، ماذا فعلت!.. أمريكا النموذج الاجتماعي الأسوأ في العالم الغربي

الأيام السورية؛ علي الأعرج

رغم ما تُحاط به أمريكا (الولايات المتحدة) اليوم من صورة حديثة حول فشلها وكذبها بشأن مسائل الحريات في العالم، لكن ما تزال صورة أمريكا لدى أشد الناقدين لها سياسياً، تتمثل بأقصى طاقة في الحلم الأمريكي. الحياة الجيدة، المستوى المتطور، والحريات الفردية.

وبالطبع هذا الترويج المثالي، تلعبه القوة الاقتصادية، والعسكرية، والسياسية، والإعلامية بطبيعة الحال، لكن هل رأى أحد من جميع من يمارس النقد اتجاه السياسة الأمريكية، حقيقة أمريكا كمجتمع!.

في عالم هوليوود السينمائي، يصرخ الناس من عمقهم لقدرة هذه المؤسسات في توجه ضربات نقدية لطبيعة المجتمع الاستهلاكي وصورته العنفيّة، ويجعلهم مقتنعين بأن لا حدود لحريات التعبير في تلك البقعة الجغرافية، لكن في جانب خفي، يتمثّل ذلك النقد كصورة أعلى من الواقع لفرض فهم مختلف أن المبالغة الشديدة في النقد، يُفقد النقد مصداقيته، ويتحول إلى عمل فني لا يؤثر في تغيير الواقع.

وهذا تماماً ما تفعله السينما الهوليودية، عندما تستعرض الواقع الأمريكي، بأفلام الويسترن العنفيّة أو حتى الخيال العلمي والرعب والدراما الواقعية. وبطبيعة الحال مهما حاولت القوة المتحكمة بتفاصيل المؤسسات أن تسيطر على كل شيء، تبقى هناك بعض الأصوات الخارجة عن السيطرة، لتقدّم مواد فنيّة نقدية بأسوأ صورة ممكنة لطبيعة المجتمعات.

في عام 2010، أصدر المخرج ويرنر هيرتسوغ، مع إنتاج من قبل المخرج ديفيد لانش، فيلماً بعنوان My son, my son, what have ye done. يتحدث عن جريمة قتل يقوم بها شاب عشريني عندما يطعن والدته بالسيف، ثم يجلس في منزله يشرب القهوة ويطعم حيواناته الغريبة رغم أنها مألوفة، ويبدأ حواره مع الشرطة التي تطوق المنزل.

قد يبدو الحكم على المجتمع الأمريكي من فيلم واحد، ضرباً من تهوّر ثقافي، لكن الحكم ينطلق من آلية التنفيذ البصرية في الدرجة الأولى وليست الحوارية، على الرغم أن الحوارات لا تقل أهمية في توضيح الأزمة النفسية التي يعيشها هذا المجتمع.

خلال ساعة ونصف من الفيلم، لا أحداث كبرى تجري كما يمكن أن نعتادها في باقي الأفلام، لا رصاص كثيف، لا محاولات هجوم فاشلة، لا أضواء مبهرة، لا طبيعة خلابة، ولا حبيبة مؤثرة على سياق المشاعر، ولا فتيان الحي (الكوول) في نيويورك، ولا فتيات مثيرات في شيكاغو. فيلم بإيقاع هادئ، حرارة مرتفعة في شوارع أمريكا توحي للمشاهد بإحساس التعرق في أثناء المشاهدة، طبيعة جافة لا حركة فيها رغم تنوعها. أشجار ميتة رغم خضرتها، سكان مجتمعين حول مكان الجريمة بوجوه بليدة وبائسة، بشر عاديين مترّهليّ الأجساد أو نحفاء لدرجة الضجر، بوليس بيروقراطي يريد أن يُنهي حل الجريمة، ليعود رجال الشرطة إلى منازلهم كي يستريحوا.

كل شيء في صورة الفيلم تقدّم أمريكا الرائعة على حقيقتها الاجتماعية الميتّة. صورة الفيلم تنطق على فشل هذا المجتمع وسلطته وأمراضه المكبوتة، برموز استخدمها هيرتسوغ بحرفية عالية.

قصة الفيلم ببساطة، جريمة قتل كلاسيكية بتصاعد نفسي هادئ، حول شاب يعيش مع والدته المتعجرفة المتحكمة بكل تفاصيل حياته، بترميز واضح للنظام. هذا الشاب يجد مستوى تحرره بالفن من خلال تقديمه لشخصية على المسرح، بعمل إغريقي، حيث يتدرب عليها. حالة التمرد في داخله للخلاص من سيطرة الأم (النظام) وبين هوسه الفني والإبداعي في التحرر الكلي داخل العمل المسرحي، والذي يحققه لكنه غير كافٍ، تجعله عقلياً يخلط الأمور بين التحرر الإبداعي الفني الواهم وبين رغبته العميقة بالتحرر من السيطرة الاجتماعية (النظام)، ليرتكب جريمته بكل هدوء ووهم عقلي أنه قد نفّذ صورة الحرية والعدالة.

قد يبدو الحكم على المجتمع الأمريكي من فيلم واحد، ضرباً من تهوّر ثقافي، لكن الحكم ينطلق من آلية التنفيذ البصرية في الدرجة الأولى وليست الحوارية، على الرغم أن الحوارات لا تقل أهمية في توضيح الأزمة النفسية التي يعيشها هذا المجتمع.

فيلم ممتلئ بالطروحات الفنية، والفكرية، والبصرية المختلفة عما عهدناه في دور السينما واستعراضاتها، وفي الدرجة الأولى تشريح لمجتمع ما زال يفرض نفسه كحالة اجتماعية وثقافية على أنه الحلم الوردي بالخلاص والحياة الفردوسية

فشخصية الشاب (مايكل شانون) تتصاعد بطريقة درامية تجعل المشاهد يفهم تماماً، ما يعانيه الفرد الأمريكي في سلطة جبارة وبيروقراطية من الروتين والتكرار غير المنتهي لمسائل لا تقيّم جوهر الوجود الإنساني سوى بما يمكن أن تكون عليه فرداً مُروّضاً وطيّعاً للسلطات التي تتحكم بك. حالة انتزاع النفس من كل هذا الموت اليومي في دائرة الحريات التي لا معنى لها، وظهور جوهر الارتباط بالفعل الغريزي للخلاص من عالم الحضارة والتقدّم.

فيلم يخرج حتى من أمريكا ليتحدث بلسان شانون عن أزمة الإنسان ككل في عالم اليوم، أهميتنا وأفكارنا وبؤسنا المتكرر تحت القوى التي تسيطر علينا؛ وحتى أنه يستعرض مسألة أكبر من حيث علاقة الفن والهوس البشري بالتأثير على العالم. الحرية التي تجسدت في الشخصية الإغريقية، لم تكفِ شانون ليعيش بطريقة صحيحة، وهذه نقطة فصل عن عدم أهمية كل الفنون في علاقتها مع السلطة.

فيلم ممتلئ بالطروحات الفنية، والفكرية، والبصرية المختلفة عما عهدناه في دور السينما واستعراضاتها، وفي الدرجة الأولى تشريح لمجتمع ما زال يفرض نفسه كحالة اجتماعية وثقافية على أنه الحلم الوردي بالخلاص والحياة الفردوسية.

هذا الفيلم بطريقة ما؛ يوضّح فشل المجتمع الأمريكي وأزماته النفسية المكبوتة تحت اسم الحريات والثقافة. أمريكا ليست حلماً اجتماعياً واقتصادياً وفنياً، أمريكا بنية متآكلة بالجذام، بأشنع صورة يمكن لإنسان عاقل تخيلها.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.