الذاكرة والضجر.. أخلاقية المفهوم الإنساني في الخلود

0
الأيام السورية؛ علي الأعرج

لو طرحنا سؤالاً قد يبدو بديهياً للبعض، وهو: لم تحب البشر الجنة؟، قد تتعدد الإجابات بحسب البيئة الثقافية التي نشأ عليها كل عقل، وآلية تناول الفكرة النقدية لهذا الموضوع الأكثر إشكالية في عقل الإنسان منذ وجوده حتى اليوم، لا لارتباطه فقط بالمنحى الفلسفي كصورة مضادة للموت على أنه خلود، بل أيضاً لبديهية واضحة في طبيعة الجنة نفسها، على أنها مكان يمكن أن يُقام فيها الفعل اللا منتهي دون قيد أو مُساءلة.

على الأرض، تتعدد الرؤى النقدية الشعبية المضادة لبعضها، وتحمل نمطاً اتهامياً، كأنّ الباحث عن الجنة يجب أن يخضع للتجريم، وهنا تتعدى المسألة النمط الذهني التعبدي، لخلط الأوراق بين ما يرغبه الإنسان وبين آلية الفعل التدميرية.

الغيبيون بأنواعهم، كالأكثر تشدداً برؤاهم؛ يمكن أن يمارسوا كل قتل ممكن تحت اسم أنه الحقيقية من أجل الحصول على الجنة، والأكثر اعتدالاً يرى منطق الله بأن الحصول على الخلود والنعيم لا يتم إلا بالمعاملة الحسنة، وحتى الماديون، الأكثر رفضاً لفكرة الله لا يملكون مشكلة مع الجنة إذا ما أثبت خطأ وجهة نظرهم، فهم يسعون لتنفيذها على الأرض. الجميع يحب الجنة بطريقة ما.

يختزل البشر هذه المحبة بحسب إيديولوجيا كل فئة، لكن صورة الجنة لاختزال نفسها بالرؤى الجنسية كتضمين غريزي للمعرفة الإنسانية، وضعتها في المقام الأول كفعل متنوع للجنس. هذا الاختزال هو ما وصفت فيه الجنة نفسها، إضافة للطعام الوفير المتاح، وتحقيق الأهداف التي لم تتحقق على الأرض. لكن هل يمكن فعلياً حصر الخلود في الجنة بفكرة الجنس أو غريزية الاحتياج!.

إن أحد أهم إشكاليات الاستمرار في وعي البشر، هو روتينية الفعل اليومي إلى درجة الضجر، ومع ذلك الناس تحب الخلود في الجنة. إنّ الممارسة المطلقة لأي نوع شبقي (جنس، معرفة، تسكع، طعام.. الخ) جميعها تصل إلى مرحلة السأم والروتين؛ هذه طبيعة جوهرية لمفهوم الاستمرار، والخلود ليس خارج هذا السياق المفهوماتي حتى لو كان متعدداً، بمعنى، لنفترض أنّ س في الجنة، مارس كل إمكانية متاحة للجنس والقراءة والتسكع والتمتع بالطبيعة والطعام وتحقيق الأهداف التي لم يحققها على الأرض، ومارس حتى الأفعال الأكثر شذوذاً في المفهوم الاجتماعي داخل الخلود، لمئات وملايين ومليارات السنين، ثم ماذا بعد؟.

على الأرض، تتعدد الرؤى النقدية الشعبية المضادة لبعضها، وتحمل نمطاً اتهامياً، كأنّ الباحث عن الجنة يجب أن يخضع للتجريم، وهنا تتعدى المسألة النمط الذهني التعبدي، لخلط الأوراق بين ما يرغبه الإنسان وبين آلية الفعل التدميرية.

إن واحدة من أهم آليات عدم الشعور بالضجر من مفهوم الاستمرار وسلوكياته المادية التنفيذية، يمكن أن تتحقق بشرط وحيد، وهو الفقدان السريع للذاكرة. عدم اختزان أي فكرة ماضية؛ بمعنى لن نشعر بضجر الاستمرار كصورة روتين دائم للفعل عندما لا نملك ذاكرة، وهذه واحدة من خواص الجنة. في الجنة لا وجود للذاكرة وإلا دخلنا في روتينية الإحساس بالأفعال.

لنسقط الفكرة تقريبياً على الواقع، لنفترض وجود شخص وسيم في الحياة، مارس الجنس طوال ربع قرن مع ألف من النساء، ومئات الآلاف من المرات، هل يمكن لأحد أن يتوقع إمكانية ممارسته للجنس مرة أخرى في السنة السادسة والعشرين؟ بالتأكيد؛ لن يمارس، ليس فقط لإشباعه الجنسي والمتنوع، بل لتخزينه في الذاكرة كل متعة متاحة.

قد يخرج أحد الآن ليقول؛ بأن سياق الجنة الزمني والجسدي لا يمكن تطبيقه على الأرض، وهذا صحيح، لكن المقاربة لنفهم طبيعة المخيال البشري اتجاه الجنة والخلود. الأفعال بتكرارها عندما توصم بالأبد هي جحيم مضاعف.

إذاً؛ ما هو المغري حقيقة في الجنة وفكرة الخلود اللا منتهي!

المسألة ببساطة؛ هي العبثية المطلقة للفعل دون معنى ودون جدوى. عدم المسؤولية، لا قانون، لا قواعد ثابتة للأفعال بالمستوى الأخلاقي أو التخيلي، كل شيء مباح إلى درجة عدم التصديق. إمكانية ابتكار أسوأ التخيلات البشرية وتنفيذها تحت اسم المتعة الخالدة.

في أحد الأيام قال أحد الأشخاص: “أحلم بالجنة لأنّ لديّ رغبة بطعن فتاة جميلة وأنا أمارس معها الجنس، ألا يمكن أن أفعل ذلك في الجنة؟”.

قد يخرج أحد الآن ليقول؛ بأن سياق الجنة الزمني والجسدي لا يمكن تطبيقه على الأرض، وهذا صحيح، لكن المقاربة لنفهم طبيعة المخيال البشري اتجاه الجنة والخلود. الأفعال بتكرارها عندما توصم بالأبد هي جحيم مضاعف.

لم يكن الجدل مع ذلك الشخص ممكناً بإخباره شيئاً لا نعرفه، فإن كان الجواب لا، فما معنى أن يدخل الجنة وهو لا يستطيع فعل رغبة خيالية عميقة في ذاته. وإن كان الجواب نعم، فلا نملك قدرة على تبرير أخلاقية الخلود.

المسألة برمتها تناقضية إلى درجة لا معنى فيها، وليس الهدف هو إظهار هذا التناقضية التساؤلية، رغم بداهتها، لكن محاولة فهم أن طبيعة الجنة والخلود وتعلّق الناس بها، هو فقط لعدم قواعديتها، بسؤال شائك ويفتح مجالات من التصورات التخيلية المريضة: “هل يمكن أن نفعل الانحراف البشري المطلق في الجنة؟.

إن كان لا وجود لقانون، فنعم نستطيع، وبالتالي؛ ينبثق سؤال عن أخلاقية المفهوم الإنساني في الخلود. وإن كان هناك قانون يحدد السلوك البشري، سينبثق أيضاً سؤال عن الأبدية المحدودة في الفعل، التي لا تختلف عن قواعدية الأرض!.

لكن بعيداً عن الجواب، تبقى مسألة البحث عن الجنة والخلود فيها بحاجة لفهم أننا في الأبد لا نملك ذاكرة كي لا نشعر بالضجر.

لكن ما قيمتنا كبشر دون ذاكرة!

قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!