الحنين والتجربة في الأوديسة السورية

الأيام السورية؛ علي الأعرج

يخبرنا هوميروس في الأوديسة، عن أوليس، الملك الذي كان له الفضل في اختراق حصون طروادة بسبب حنكته السياسية، عن طريق صناعة الحصان الخشبي وعبور الأسوار وحرق المدينة. وعندما يقرر العودة على متن سفينته لبلده إيثاكا، يغضب عليه إله البحر بوسيدون، ويجعله يتيه عشرين عاماً في المحيط.

طوال تلك المدة الزمنية بأسرها، كان شيء وحيد يعتمل في روح أوليس، وهو الرغبة العميقة بالعودة إلى بلاده، لكن لمجرد عودته ووطئه أرض إيثاكا، يشعر أوليس بالاندهاش من حياته، ويدرك بأن حياته بكل ما فيها، جوهرها، وذاتيتها الأصيلة، ليست في العودة إلى إيثاكا، بل كانت في لحظة تيهه ومغامراته خلال العشرين عاماً.

إن إحدى أهم مميزات المأساة، التي تتجسد في الذهنية الإنسانية دائماً، هي عدم قدرة الإنسان على فهم التجربة في لحظة حصولها، وهذا هو السبب الرئيسي لخلق المقدس في الوعي البشري. عدم فصل التجربة القائمة عن المفاهيم المترسخة في الوعي.

أوليس في العشرين عام كان يبحث عن إيثاكا (الحلم والمقدس والعاطفة والاستقرار)، لكن لمجرد حصوله عليها، أدرك بأن مغامراته هي الجوهر البشري وأهميته وتجربته الفريدة في النجاح.

حالة من التشوه البنيوي بين ما نعيشه الآن كتجربة دون الاستفادة منها إلى أقصى حد، وبين المقدس التاريخي كتضمين للتفوق والعودة إلى سوريا بنظامها الاجتماعي الذي عشناه ومارسنا فيه كل إمكانية للحرية الوهمية الفاسدة.

قد يبدو مثال أوليس مغرق في أسطورته، لكنه بطريقة ما معبّر عن أحد أهم خصائص التفكير البشري عبر الزمن، والمعنى الأساسي للتطور العاطفي، وهو التباين بين الرغبة والفعل، بين المفاهيم المترسخة في الوعي والتجربة.

هل يمكن أن نطلق على هذا التباين لفظ النوستالجيا!. بجزء منه هو نوستالجيا قطعاً، لكن بالجزء الأكبر هو صورة التفوق البشري لمعنى التحدي.

أوليس وصل إيثاكا، لكن السبب هو الرغبة كمحفّز لتحدي رغبة بوسيدون في جعله تائهاً. النتيجة لم تكن مرضية لأوليس، مع ذلك استطاع فهم أنه حالة لم تدرك لحظة المغامرة في خضم إحساسه بالوطن.

تجربة أوليس الأسطورية، هي أشبه بالتجربة السورية من حيث التباين، بطرح السؤال الذي قد يبدو للبعض انهزامياً؛ هل ما يجري الآن في سوريا هو إحساس بالوطن في تضمين التجربة كمغامرة، أم رغبة بالتفوق مع مفاهيم مترسخة في الوعي؟.

هل التجربة ستجعلنا حقاً نرى سوريا كما عايشناها في مستوى انغلاقها وانغلاقنا فيها بلحظة تاريخية!؟ هل يمكن لمن خبر احترام الحياة أن يعايش تجربة الوعي التقليدية داخل سوريا حتى وإن انتقلت إلى مستواها الدستوري الذي يحفظ حق الجميع بالحياة؟. !.

لدى البعض قد تكون المسألة سياسية، دستورية؛ لكن لدى الناس الموضوع متسع أكثر من ذلك. لم تعد المشكلة هي نظام يُبنى بطريقة جديدة، بل بالآلية الاجتماعية التي ما زالت خاضعة (حتى في دول أوروبا لدى البعض) للمفاهيم المترسخة في الوعي الجمعي.

حالة من التشوه البنيوي بين ما نعيشه الآن كتجربة دون الاستفادة منها إلى أقصى حد، وبين المقدس التاريخي كتضمين للتفوق والعودة إلى سوريا بنظامها الاجتماعي الذي عشناه ومارسنا فيه كل إمكانية للحرية الوهمية الفاسدة.

حالة من النزوع العاطفي بين الرفض للخضوع إلى أي شيء سوى سوريا، وبين رفض سوريا كنظام سياسي قائم وقبولها كنظام اجتماعي تاريخي يحدد معيارنا الأخلاقي الذي لا يناسب المعيار الاغترابي الحالي.

بمثال اجتماعي بسيط، تم قوله على لسان إحدى الأمهات الشابات المغتربات حول ابنها ذي العشرة أعوام: “سأزوجه صغيراً كي لا يفكر بالانتقاء عندما يكبر، وإذا كانت القوانين هنا لا تسمح بتزويجه صغيراً، نعود إلى سوريا، بلادنا جيدة لكن عندما يرحل النظام. حقي الطبيعي كأم أن أراه صاحب أسرة”.

سوريا ما زالت حاضرة بطريقة ما، لأن فعل التجربة لم ينضج بمقارنة مع الرغبة التاريخية لذلك الوعي، ما زال خاضعاً لكل آليات الإحساس بالوطن من منحى ترسيخ المفاهيم التي نشأ عليه السوري.

الوطن هنا، هو أسوأ من أي مفهوم فاشي يمكن أن يوصف فيه وطن إيديولوجي. عدم فهم التجربة والانطلاق فيها إلى أقصى حد والتعلّم منها، يخلق في وعي تلك الأم حالة أكثر تشدداً وتقديساً لمفاهيمها. لا معنى للحرية الفردية، لا يوجد حق في التفكير والاختيار؛ سوريا تحقق نمطاً اجتماعياً كإثيكا في وعي أوليس. نمطاً يحقق شرط الحرية السياسية، لكنه يحقق بالمقابل نمط الانغلاق الاجتماعي.

بالطبع؛ لا يمكن الجزم على إحساس الاغتراب لدى الناس من خلال نموذج واحد كالذي طرحته تلك الأم، لكن هذا النموذج يدلل على عقلية سير الفعل الثوري في سوريا؛ الشرخ بين ما هو سلطوي وما هو اجتماعي.

سوريا ما زالت حاضرة بطريقة ما، لأن فعل التجربة لم ينضج بمقارنة مع الرغبة التاريخية لذلك الوعي، ما زال خاضعاً لكل آليات الإحساس بالوطن من منحى ترسيخ المفاهيم التي نشأ عليه السوري. بالتأكيد؛ ليس المقصد هو الانسلاخ، إنما فهم حقيقي، بأن ترتيّبة الوعي الاجتماعي هي بنية مسيّسة لسيطرة الأنظمة القمعيّة لإبقاء الناس في حيز الخضوع.

إن أحد أخطر ممارسات أي نظام قمعي لا تتجسد في قتل الفعل السياسي أو الانفتاح الاقتصادي للبلد، بل بترسيخ مفاهيم مجتمعية تجعل الإنسان يدور في فلك من الروتين وإعادة إنتاج تلك المفاهيم بدائرة لا تنتهي.

أوليس أُصيب بالحنين لإيثاكا، لكن بلحظة عودته شعر بعمق الكارثة التي لم يفهمها عند وقوع التجربة، بأن التيه هو عمق فكرة الوجود البشري. لنحاول ألا نقع في خطأ أوليس، وأن ندخل التجربة بكامل حضورها الذهني، لأنها الوحيدة التي ستصنع سوريا مختلفة.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.