التضحية.. نموذج للانتشار لا يخرج عن نطاقه البدائي في الوجود.

الأيام السورية؛ علي الأعرج

إن أحد أهم السياسات التكاثرية للطبيعة ما قبل التاريخ، تكمن في مفهوم التضحية بالذات من أجل الانتشار والسيادة، فمثلاً النباتات تمارس عملية جذب للحشرات من أجل التهامها، فالثمار كلما كانت أكثر حلاوة كلما كانت نسبة التهامها وانتشارها أكبر وأسرع. وهذا يدلل على عملية تطور النباتات بالعام، فالفاكهة أكثر انتشاراً من الخضراوات، قبل أن يتم التعديل الجيني عليها في العصر الحالي.

قد يتساءل البعض ما هي الفكرة من أن تنمو الثمرة وتنضج بطعمها المميز، ثم تستقطب الحشرات لتأكلها!

الموضوع مرتبط بهذه السياسة التكاثرية الطبيعية؛ فالحشرات عندما تلتهم ثمرة ما، تهضُم جميع أجزاءها ما عدا البذور، وبالتالي؛ عملية إفراغ الأحشاء من الحشرات في أماكن متفرقة تؤدي إلى انتشار تلك البذور في مساحات أكبر وأسرع، وعليه تصبح سيطرة تلك النباتات على مساحات شاسعة وأوسع.

وما زالت هذه العملية البدائية مستمرة في عالم الطبيعة إلى اليوم، في الأماكن التي لم تصل إليها يد الإنسان بعد؛ الانتشار العشوائي للنباتات في الغابات الاستوائية مثلاً.

هذه السياسة الطبيعية يمكن القول عنها؛ بأنها أقرب لنموذج التضحية بالذات من أجل السيادة. لكن مع تطور الكائنات والاختلافات الجينية، بدأت تفقد هذه الآلية في الانتشار حضورها مع كائنات أكثر تطوراً كالحيوانات، ففعل التضحية أخذ منحى آخر كلياً، لقد تحوّل إلى فعل افتراسي من أجل البقاء وتطور النوع. في عالم الحيوان لا يوجد مبدأ التضحية بالذات من أجل الانتشار، بل الانتشار يقوم على مبدأ تطور الأجسام المادية وميكانيك الحركة، السرعة والقوة.

حالة الإدراك للمحيط عند الحيوان، جعلته أكثر قابلية لفهم طبيعته المادية والجسمانية، وأضحت عوالم الحيوانات تقوم على أسس الصراع المضاد وليست التكاملية والانتهاء من أجل الاستمرار كما عالم النبات.

مفهوم التضحية بالذات يدلل على بدائية التفكير، رغم جمع ما يُغلّف به من مفاهيم حداثوية، كالحرية والولاء والإيمان. بالتأكيد ليس الموضوع رفض السعي للحرية وتحسين المستوى البشري، لكن آلية التنفيذ لتحقيق هذه المفاهيم هي المشكلة الأكبر.

مع تطور الحياة وتشكيل الإنسان البدائي، بقيت هذه الصيغة للصراع تعتمل في بناء العالم المادي، وبناء الحضارات، لكن حالة التضحية بالذات عادت للظهور داخل عالم الإنسان في اللحظة التي ازدادت فيها آليات التفكير الفلسفي والديني، وأصبحت التضحية قانون اجتماعي (بموافقة الإنسان العادي أو عدم موافقته)، صورة القربان للإله؛ لكن في العصر الحديث، ورغم كل التطور الذي شكّل حياة البشر، والذي من المفترض أن ينطلق لمفاهيم أكثر حداثة، تحوّلت مفاهيم التضحية من قوانين سائدة إلى نزعات فردية وخارجة عن نطاق المجتمع، بتجمعات إيديولوجية؛ لقد عادت إلى لحظة البدائية القربانية لقناعة راسخة في الانتشار والإرضاء.

مفهوم التضحية بالذات يدلل على بدائية التفكير، رغم جمع ما يُغلّف به من مفاهيم حداثوية، كالحرية والولاء والإيمان. بالتأكيد ليس الموضوع رفض السعي للحرية وتحسين المستوى البشري، لكن آلية التنفيذ لتحقيق هذه المفاهيم هي المشكلة الأكبر. فعندما يتم ربط تحقيق العدالة والحرية بالتضحية، فنحن هنا نتعامل مع كيانات وعيها ميتافيزيقي، وهذه مشكلة بحد ذاتها لأنها لا تبني حياة صحيحة.

يمكن تعريف التضحية؛ بأنها إثبات ولاء لنمط معين بالتفكير، من أجل سيادته وبقائه وانتشاره أحياناً، ويمكن أن نأخذ المثال الأقرب لحالة الصراع السوري. ما يجري في سوريا بطريقة ما هو تضحية بالذات، بعيداً عن الأهداف الخلفية لهذه التضحية؛ فمثلاً الولاء للنظام يقوم بالأصل على مرجعية التضحية من أجل السيادة، بعيداً عن الاستفادة المادية التي تتحقق من هذه التضحية؛ وبالمقابل؛ المعارضة على الأرض بكافة أشكالها (المدنية والدينية) تقوم على ذات المبدأ في التضحية، ولو أن الهدف مرتبط أكثر بالعدالة والحرية، وهي بذاتها تنقسم إلى حالتين، ديني من أجل الانتشار المؤدلج، ومدني من أجل تحقيق حياة أفضل.

لكن لدى الجميع هناك مفهوم غيبي مرتبط بعقلية التراث العنفي، ألا وهو؛ التضحية بالذات من أجل الأفضل والسيادة على الجميع.

المشكلة هي في ثقافة المجتمع من خلال ارتباطه التاريخي مع المفهوم نفسه، فانتصار المعارضة أو النظام وسيادة أي أحد منهما مستقبلاً، لم، ولن يلغي هذه الرؤية الجذرية لمفهوم التضحية.

المسألة ليست عبثية، فواقع اليوم وآلياته ليس سوى امتداد من تاريخ ثقافي أسّس لهذه الرؤى النضالية بمنظور بدائي قديم، منظور ما زال يخضع لنمط جاهلي في تحقيق الأفضل. والمسألة ليست فقط في حالة طارئة من صراع سياسي أو عسكري، بل إنها ترتبط جذرياً حتى بالمستوى الاجتماعي، حالة صهر الذات من أجل الجماعة، فقدان المشروع الفردي مقابل المشروع الجمعي، التضحية من أجل الآخر، وكأن الحياة لا تكتمل إلا بمستواها العلاقاتي مع الآخرين.

طبيعة المجتمعات التي تكون فيها العلاقات انصهارية إلى أقصى حد، لا يمكن أن تُنتج إلا ما أُنتج اليوم في سوريا، وفي هذه المسألة (وكي لا تبدو أنها محاولة تبرئة النظام السياسي) لكن هذه العلاقات ترتبط بتاريخ أعمق من سياسة أربعين عام فقط. بالتأكيد النظام رسّخ أكثر لهذه الثقافة الانغلاقية، لكنها في الأصل تمتد لتاريخ نشأ عليه مجتمع شرقي بأكمله بمستواه الاقتصادي والديني الثقافي.

هذه الآلية لا تخرج من نطاقها البدائي في الوجود.

إن واحدة من أهم المشكلات التي تعترضنا في هذا المفهوم، لا ترتبط بالحل السياسي أو العسكري في سوريا مثلاً، من خلال انتصار جهة على حساب جهة، المشكلة هي في ثقافة المجتمع من خلال ارتباطه التاريخي مع المفهوم نفسه، فانتصار المعارضة أو النظام وسيادة أي أحد منهما مستقبلاً، لم، ولن يلغي هذه الرؤية الجذرية لمفهوم التضحية.

الثورة بطريقة ما، هي تجاوز كل ما جاء في التاريخ، فعل قطيعة مع كل الأشكال البدائية في التفكير، الموضوع ليس سياسي أو عدالة أو حق، بل كسر كل التاريخ الثقافي الذي ما زال حاضراً ومُمَارساً إلى اليوم.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.