النفاق الاجتماعي.. آفة العصر

المجاملة.. التملق.. الكذب.. الكولكة.. تمسيح الجوخ.. نفاق من أجل البقاء.. كلها ألقاب ومسميات في عصرنا الحاضر تندرج جميعها تحت مسمى واحد "النفاق الاجتماعي".

0
الأيام السورية؛ بقلم: نهى شعبان

النفاق؛ آفة مرضية مستعصية؛  تنتشر اليوم في عصرنا كانتشار النار في الهشيم، تهدم البيوت وتفرق الأحبة وتقطع الأرحام. تزور الحقائق. تقلب الباطل حقا والحق باطلاً.

حتى إنك بت تجد النفاق يحيط بك من كل جانب، تتنفسه أينما حللت؛ في المنزل، في الشارع، في العمل، حتى الهواء.

يوميا تطالعك هذه المسميات خلف وجوه مقنعة تدعي البراءة والصدق والمحبة، ومن خلفك سكين جاهز للطعن بك حال سقوطك.

النفاق ونفسية المنافق:

كلمة نفاق مأخوذة من النفق؛ وهو حفرة تحفرها بعض الحيوانات وتجعل لها فتحتين أو أكثر، فإن هوجمت من ناحية خرجت من الناحية الأخرى، ويقولون عنه؛ مثل الحرباية بألف لون حسب مصلحته وحاجته الشخصية يتلون.

يقول علم النفس الحديث؛ إن شخصية المنافق مريضة، منقسمة على نفسها، فكأنها أي المنافق، شخصيتان متصارعتان تعيشان في جسد واحد إحداها تعبر عن نفسها من خلال المظاهر الخارجية التي يراها ويسمعها للناس؛ كالملابس والابتسامات والكلمات… والأخرى تعبر عن أعماقها الداخلية التي لا يطلع عليها أحد من الناس.

كلمة نفاق مأخوذة من النفق؛ وهو حفرة تحفرها بعض الحيوانات وتجعل لها فتحتين أو أكثر، فإن هوجمت من ناحية خرجت من الناحية الأخرى، ويقولون عنه؛ مثل الحرباية بألف لون حسب مصلحته وحاجته الشخصية يتلون.

وهذا الصراع النفسي ينبع من أن المنافق ليس أمينا ًمع نفسه، ولا مع الناس، فهو يكذب على نفسه ِ ليرضي الناس، ويكذب على الناس ليخدعهم عن حقيقته.. والواقع أنه لا يخدعهم لأن أعماله لا تصدق أقواله، وهذا التعارض بين ما يقول وما يفعل هو الذي يكشف للناس حقيقته مهما حاول إخفاءها. فهو إذن؛ يخدع نفسه ولا يخدع الناس.

يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في المنافقين:

(تَجِدُونَ شَرَّ النَّاسِ ذَا الْوَجْهَيْنِ؛ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ، وَيَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ) وقال: (مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة، لا تدري أيهما تتبع)
إن مشكلة المنافق أنه يعيش حسب قناعات سيده، ولكن سرعان ما ينقلب عليه حين يسقط  ليتملق  سيدا آخر،  يأكل على مائدة اليوم ويجلس على غيرها غدا، لدية قدرة فائقة على قلب الحقائق لمصلحته، يقلب الباطل حقا والحق باطلاً دون أي شعور بالخجل أو تأنيب الضمير، وقد حفلت كتب التاريخ بقصص أولئك المنافقين.

ويقول أيضاً: (أربعٌ من كنّ فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خلّةٌ منهنّ كانت فيه خلّةٌ من نفاقٍ حتى يدعَها: إذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر).

الجميع يطلب رضا مريم!

صورة تعبيرية- المصدر: رصد الوطن

مريم شابة تبلغ من العمر حوالي العشرين على قدر بسيط جدا من الجمال، تعمل في صالون تجميل للسيدات، لديها عقدة نقص من شكلها وشعرها، استغلت صاحبة الصالون فيها هذا الجانب وأطلقت يدها في الصالون، ومريم رحبت بذلك،  وكان لي فرصة التحدث معها  بودية بعد زيارتي المتكررة للصالون ومراقبة تصرفاتها وتعاملها مع زميلاتها تارة تضحك في فلانه  وتارة اخرى نظرات الغضب والوعيد في عينيها  تقول مريم: “مضطرة (كولك) لصاحبة المحل لأنها تعطيني زيادات فوق راتبي كي أنقل لها كل شاردة وواردة، ما يحدث  أثناء غيابها، وكم عدد الزبائن؟ وكم دفعت كل زبونة؟ ومن استلمت النقود؟ وإن تركت بقشيش للعاملة أم لا؟…إلخ،  يعني هي تعتبرني عينها الثانية في الصالون.

وتتابع: “لذلك الجميع يطلب رضاي، ويحسبون لي ألف حساب وهم يطلقون عليّ اسم (فسفوسة)”

مريم تنقل لمديرة الصالون كل ما يحدث وبأدق التفاصيل، ولكنها إذا ضايقتها أي عامله في الصالون، وعلى وجهها مسحة من الجمال؛ تكون جاهزة لتلفيق ولصق أي تهمة بها وتكون السبب في طردها من العمل من دون مراجعة من صاحبة الصالون لأنها تثق بها ثقة عمياء على حد قول مريم.

كسب احترامه لنفسه فخسر عمله

على النقيض من مريم، عبد الرحمن ترك عمله في محل ألبسة رجالي؛ لأنه رفض أن يكون منافقا، وحين شعر أنه سيفقد احترامه لنفسه؛ عندما طلب منه موظف في المحل التقرب من زميله حمزة واستفزازه ضد مديره، وتسجيل الحوار على الموبايل ليكون مستمسك عليه، ومن ثم يتم طرده من العمل، وكل ذلك لمجرد اختلاف بالرأي إثر نقاش حاد حصل بينهما حول قضية ما.

يقول عبد الرحمن: “لم يطاوعني ضميري”، وحين رفضت التنفيذ وحذرت زميلي منه، لفق لي تهمة اختلاس نقود من الكاشير، وتسبب بطردي من العمل من دون أن يزعج المدير نفسه ويتحرى الحقيقة رغم شعوري بانه صدقني، ولكني لا انافق له ،ومن سوء حظي لا يوجد كاميرات في المحل  تثبت براءتي ،وكما ترين حالي الآن “عاطل، وأبحث عن عمل”.

أسماء، “فهلوية وبتلقطها عالطاير”

أسماء؛ عاملة تنظيف في الإذاعة إضافة للتنظيف، لديها مهمة إعداد  الشاي والقهوة للموظفين والضيوف، ومعروف عنها كثرة الكلام “لسانها ما بفوت حلقها” تتجول بين مكاتب الموظفين وكأنها مفتشة، لسانها سليط  تارة، وناعم تارة أخرى،لديها الجرأة للتكلم مع الجميع بصوت عالٍ وبوقاحة، والكل يأتمر بأمرها، كنت  اراقب تصرفاتها  مع الجميع واراقب ردودهم  عليها وكثيرا ما أندهش لأمرها، ولماذا يحاول الجميع الابتعاد عن التعامل معها قدر الإمكان؟ وفي يوم كنا لوحدنا في المكتب، حاولت التقرب منها واستدراجها في الكلام بطريقتي الخاصة كي أفهم منها سبب هذه الثقة العالية بنفسها، ومن أين تستمدها؟

التملق؛ هو تقرب الشخص إلى الناس ولاسيـــــما ذوي السلــــــــــطة والثروة، كمدحهم بما ليس فيهم والتذلل لهم للحصول على هدف نفعي، والدافع النفسي لنفاق التملق هو؛ الخوف والطمع.

“من يوم يومي أهلي بقولوا عني فهلوية وبلقطها عالطاير” تتابع؛ “الله وكيلك كنت آخذ من أمي وأبوي كل شي بدي ياه بلساني الحلس الملس عكس أخواتي”.

وأضافت “صحيح أنا بشتغل هون بالتنظيف والشاي والقهوة وما كملت تعليمي!  بس بفهم أكثر من الكل، وبعرف كل شي عم يصير حوالي” وبصوت خافت تتابع؛ “عندي نفوذ على الموظفين أكثر من المدير ذاته، وفي بعض البرامج أنا عطيتهم فكرتها “هالكلام بيني وبينك رجاء ما تحكيه لحدا”؟

حتى زوجي لما بحكي معه كلام حلو يقول لي؛ “يخرب بيتك شو منافقة أكيد بدك شي هاتي من الآخر”.

الاستعداد للنفاق!

يلقى النفاق قبولا اجتماعيا لأن الذي يشعر بالراحة والنشوة من النفاق مستعد أن يمارسه مع الآخرين وفي أحيان كثيرة؛ يعرف الناس أن الذي يواجهونه هو نفاق، ولكنهم يتقبلونه ويتجاوبون معه. كحال مدير صاحبنا عبد الرحمن.

غالباً؛ ما يكون المنافق أكثر ميلاً لمبدأ العمل بأقل جهد ممكن، وهو ما يعني أنه مستعد للقيام بأي خيار يتطلب أداء عمل أقل، لذلك يلجأ للنفاق لأنه يسمح له بالظهور بأفضل شكل ممكن من بدون أن يكون عليه القيام بأي مجهود، وليس مضطرا للتمسك بالمبادئ والقيم ولا الوقوع تحت رحمة نوبات الضمير.

النفاق بين التملق والمجاملة:

التملق؛ هو تقرب الشخص إلى الناس ولاسيـــــما ذوي السلـطة والثروة، كمدحهم بما ليس فيهم والتذلل لهم للحصول على هدف نفعي، والدافع النفسي لنفاق التملق كما يذكر علماء النفس هو؛ الخوف والطمع، فالتملق النفسي والاجتماعي ينتشر بين الناس كالوباء في عصور الانحطاط.

وتملق أهل السلطان أخطر أنواع النفاق الاجتماعي؛ لأن بأيديهم السلطة والقوة، وتجعلهم أقرب للبطش والتجبر، كما أنهم أسهل وأسرع الناس زلقا في فخاخ الكبر والبطر، لذلك كان احتياجهم لعاقل ناصح أمين أشد من احتياجهم للهواء والماء، لكن للأسف.

قال العلامة حسن البصري: “تولّى الحجاج العراق وهو عاقل كيّس، فما زال الناس يمدحونه حتى صار أحمق طائشاً سفيهاً”.

العلاقة بين المجاملة المفرطة والنفاق الاجتماعي

صورة تعبيرية- المصدر: فلسطين أون لاين

أيضا؛ هناك علاقة عضوية بين المجاملة المفرطة والنفاق الاجتماعي. وكما يقال؛ لا تبالغ في المجاملة حتى لا تسقط في بئر النفاق.

ما يميز النفاق عن المجاملة هو النية ومبدأ السلوك، فعندما نمتدح شخصا، نحن لا نثمن عملا جيدا قام به، بل نريد إيصال رسالة ما إلى الممدوح لغاية في نفس يعقوب.

نحن نضطر أحيانا أن نجامل أشخاص عابرين في حياتنا، لا نحتك بهم بشكل يومي مثلا؛ نجامل مريضاً كي نرفع من معنوياته، نجامل زبوناً يزور محلنا للمرة الأولى كي يعيد الزيارة، نجامل شخصاً اجتمعنا به في جلسة عشاء لأنه شخص عابر وقد لا نلتقي به مرة أخرى، نجامل رجلا عجوزاً يناقشنا لأنه ربما يكون فقد ذاكرة بعض الأحداث، ولكن أن تتحول المجاملة إلى فعل يومي مع أشخاص نعمل معهم وجهاً لوجه على مدار الساعة، هنا يتعدى الأمر المجاملة، ويتحول لنفاق.

يقول د. صلاح جرار أستاذ اللغة العربية، ووزير الثقافة الأردني السابق في مقال له في جريدة الرأي الأردنية؛ الفرق بین المجامل والمنافق هو، أن الأول يظهر صدقه ولو بعد حين، وأما المنافق فيظهر كذبه ونفاقه بعد أن تتحقق أهدافه، ولا تعود له مصلحة عند من نافق له.

والمجامل يظل صديقا مخلصا لمن جامله، أما المنافق فيخلع من ادعى صداقته له بعد أن يخرج من وظيفته، ويبتعد عن كرسيه.

لذلك الإفراط في المجاملة قد يدخل صاحبه في شبهة النفاق.

سعاد “إن لم تكن منافقا أكلك المنافقون”

سعاد؛ تعمل موظفة استقبال في فندق، تعرفت عليها عن طريق عملي، وصرنا نتحادث عن طريق الهاتف لفترات متباعدة، سألتها يوما؛ هل سمعت بكلمة نفاق اجتماعي؟

طموح المرء أكبر مما لديه من قدرات شخصية، الأمر الذي يدفعه إلى محاولة تحقيق مكاسب من خلال تلميع صور قادته، ومن هم أكبر منه على أمل أن ينظروا إليه بعين الإحسان ووضعه في مواضع عليا.

تجيب؛ نعم بالتأكيد، صلب عملنا  مع الزبائن  يعتمد على المجاملة ولكن فيما بيننا كموظفين صدقيني كله نفاق بنفاق.

تغيرت إدارة الفندق منذ حوالي عام تقريبا، وأنت تعرفين في كل عمل أي إدارة جديدة تأتي، تحاول التخلص من موظفي الإدارة القديمة رغم خبرتهم في العمل، مدير القسم السابق المسؤول عنا كان محترماً جدا وصاحب ضمير، ويعاملنا معاملة جيدة لكن لظروف شخصية اضطر للاستقالة والسفر خارج البلاد.

وللأسف المدير الذي أتى بعده بدا يطبق سياسة “فرق تسد” مع كل الموظفين، أغلب زملائي القدامى تم فصلهم من العمل بحجج واهية، وتهم باطلة لفقت لهم، وتم استقدام موظفين جدد يكون ولاءهم للإدارة الجديدة.

وبما أنني محسوبة على الإدارة القديمة مضطرة رغم أنني لا أطيق أن أجامله، وامتدح إدارته طوال الوقت حتى لو أخطأ، وحتى لو طلب مني شتم رئيسي السابق، وعلى مبدأ “انفشه وشوف ما أجحشه”

أجيبها: ولكن  ألا ترين أن هذا  تعدى المجاملة وأصبح نفاق لأنك تتسترين على خطأه، ولا تواجهينه بالحقيقة وتمنحيه صفات جيدة ليست موجودة فيه!.

تتابع وهي تضحك بصوت عال؛ “إن لم تكن منافقا أكلك المنافقون” ثم قالت؛ نعم وللأسف أنا اليوم أعتبر نفسي أكبر منافقة، ولكني مضطرة يا صديقتي يمكن أن تعتبريه “نفاق من أجل البقاء للحفاظ على لقمة عيشي”.

شخصية المنافق والتحليل النفسي

يكشف التحليل النفسي عن شخصية المنافق؛ فيراها شخصية متآمرة بطبيعتها، تظهر غير ما تبطن. تعمل في الظلام، وتثير الفتن والدسائس، وتستعين على ذلك بأساليب الاستخفاء والتبييت والتربص والتثبيط والفرقة، وشخصية المنافق هي؛ شخصية انتهازية لأن المنافق يلعب على حبلين، ويحاول أن يرضي فريقين متصارعين محاولا ً خداعهما معاً، والاستفادة منهما معا… وهذا الموقف المذبذب هو الذي اتخذه المنافقون في كل زمان.

الأسباب النفسية للنفاق الاجتماعي

الدكتور  الأردني زهير شاكر؛ أستاذ علم النفس والموارد البشرية الحائز على وسام السفير العربي للثقافة والعلوم، يحدد لنا في موسوعته (العلم والمعرفة والإبداع) الأساس النفسي للنفاق.

صورة تعبيرية- المصدر: مدونات الجزيرة

البنية النفسية للإنسان؛ هي الحامل لأنواع السلوك منها النفاق الذي هو حالة مرضية وعقدة نفسية، فإذا نظرنا إلى دوافع النفاق وجدنا أن صورة الأسباب هي الخوف أو الطمع أو الوصولية، ولكن هذه الأسباب هي الصورة الظاهرة لأسباب نفسية داخلية منها:

– انعدام الثقة في النفس أو ضعفها، ما يضطر المرء أولا؛ القيام بالنفاق إما على أنه مجاملة أو على أنه ضرورة اجتماعية لمماشاة الحال.

– الشعور بالنقص؛ وهذا من أخطر أنواع النفاق لأنه يقود المرء إلى استشعار العظمة في الآخرين، والإيمان؛ بأن النفاق لهم واجب اجتماعي، ولذلك غالباً ما يكون هذا السلوك نفاقي.

– طموح المرء أكبر مما لديه من قدرات شخصية، الأمر الذي يدفعه إلى محاولة تحقيق مكاسب من خلال تلميع صور قادته، ومن هم أكبر منه على أمل أن ينظروا إليه بعين الإحسان ووضعه في مواضع عليا.

– عدم اقتناع المرء، بما فيه من وضع وحال ومكانة اجتماعية أو مهنية.. مع ضحالة أو انحسار أو انعدام إمكانات تحسين هذا الوضع في الأفق القريب.

– الحقد أو الحسد أو حتى الغيرة، وهم من أكثر الناس نفاقاً أمام كل من يستشعرون القوة فيه والسطوة والهيبة.

وهنا؛ فإن البنية الاجتماعية تمارس تأثيراً أيضاً في النفاق، فالعادات والتقاليد والأعراف والمستوى الحضاري للمجتمع عوامل تحدد مدى انتشار النفاق في كل مرحلة من مراحل المجتمع التاريخية.

مصدر  اسلام ويب موسوعة الدكتور زهير شاك الأيام السورية
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!