التأويل في التفكير الغيبي.. أسر للامتحان الإلهي، وتعاظم للاستبداد

الأيام السورية؛ علي الأعرج

تمارس الذهنية الغيبية دائماً، بخُدّامها الأوفياء، حالة إظهار المنطق الإلهي على أنه منطق متكامل، لا يمكن أن يشوبه أي اعتراض نقدي أو خطأ تاريخي؛ والناس بطبيعة الحال الأكثر تعلّقاً بهذا الغيب، لا يهتمون كثيراً في البحث عن أهمية ذلك المنطق وصحته من خطأه.

في كتابه “تاريخ الإلحاد في الإسلام” يرى الفيلسوف عبد الرحمن بدوي، أن حالة الإلحاد في الإسلام ضمن سياقه العربي الأسبق، لم يتجه في نقده للذات الإلهية، بقدر ما اتجه لنقد النبوءة، فجاء الإلحاد محاولاً خلق قطيعة مع الإله من خلال تفنيد الأنبياء. إذ يقدّم بدوي رؤية مفادها أن نمط التفكير العربي (وهو ما جعل الديانات السماوية أن توجد من جذر جغرافي وثقافي واحد أيضاً) حتى قبل وجود الصيغة النهائية لمعنى الله بصورته التي نعرفها اليوم؛ أنّ هذا النمط بالتفكير كان يرى تفرقة عميقة بين ما هو نفس وما هو روح، والتي أثرت فيما بعد ليس فقط في مفهوم الإله، بل حتى بالفن والعلم والسياسة والقانون؛ فالروح مصدرها الله، النور. بينما النفس مختلطة بالجسد والتراب، الظلمة.

الأولى مصدر الخير والثانية مصدر الشر. وبما أن الروح صادرة عن الله فهي واحدة لكن النفوس فردية ومتنوعة. وهذه الروح تعبّر عن نفسها للناس من خلال الكلمة، فالكلمة هي رسول هذه الروح.

لذا كان الإلحاد يتجه بشكل عام لنقد الأنبياء وتاريخهم الشخصي وفقههم، ولم يكترث كثيراً لله. لأن تذليل النبوة يعني تلقائياً إذابة المفهوم الإلهي. باعتبار أن الصلة مع الإله بحاجة لوسيط في نقل كلمة الله إلى الأرض.

بالطبع هذه الرؤية تنطبق على الديانات السماوية الثلاث في المنطقة العربية، أو حالياً ما يمكن تسميته المنطقة الأوسطية.

هذه المعادلة المسيسة للتأويل في التفكير الغيبي، بدرجة كبيرة وضعت العقل العربي بأكمله أسير الامتحان الإلهي، وتعاظم الاستبداد السلطوي، لأن الله يحب عباده ويريد إثبات محبتهم إليه من خلال تحملهم المشاق.

فمثلاً المسيحية الغربية (بمزيجها بين النص الشرقي والعقل الإغريقي) يتم نقدها بالتعامل المباشر مع الإله دون الوسيط الذي هو النبوة، لأن نمط التفكير الغربي له أساسيات إغريقية كان مفهومها للآلهة متنوع وتصارعي، فجميع الآلهة في الجغرافيا الغربية تمتلك عنصريِّ الخير والشر في الروح الواحدة. إنه صراع مع الذات ومع الآخر أيضاً.

لذا لا نجد في نمط التفكير الغربي ما يُسمى بالاختبار الإلهي للإنسان، حتى في العصور الوسطى وسيطرة الكنيسة، لم يكن يُستخدم منطق تهدئة الناس من خلال إقناعهم باختبار الإله للألم الإنساني، لأنه صادر عن ثقافة الخير والشر بصورته الراديكالية، المنقولة عن ثقافة اليونان بالصراع الذاتي في الآلهة. بمعنى الإله لا يختبر، إما أن تُطيع الله وأوليائه، وإما أن تُحرق.

الثقافة العربية مغايرة كلياً، يمكن أن نقول إنها أكثر سياسة، ولو أنها تتجلى للوهلة الأولى باعتبارها فعلاً نصياً قاسياً، لكن مرونتها تظهر فعلياً في إمكانية التأويل المطلق والاجتهاد، والمشكلة أن هذه المرونة هي ما سببت لاحقاً أزمة المفهوم في التعامل مع الأنبياء والإله، من خلال فتح تأويلات واجتهادات نصيّة خلقت أكثر، حالة جماعية، أصبحت تفهم النص والفعل النبوي بحسب تاريخها الزمني الذي وجدت فيه، وبالتالي أصبحت قادرة على تشكيل بنيات تراكمت فوق بعضها بسرعة كبيرة. ومع حالة القمع السياسي السلطوي في التاريخ الإسلامي بدأت تسود حالة الاجتهادات والفرق الأقرب للفعل السياسي.

إمكانية التأويل واتساعه في العقل العربي بتحالفه مع السلطة السياسية، وطبيعة اللغة نفسها، أباحت للتفكير الغيبي أن يحمّل المعنى الإلهي صورته المورفينية. لقد انفصل الإنسان كلياً عن الإله وأصبح تابعاً لحركة الاجتهاد وفي أحسن الأحوال الاعتدالية تابعاً للنبوة.

فأصبح كل شيء صادر عن الحركة الاجتهادية، وهي التي طبعت الألوهة بمنطق الاختبار؛ فكلما تعاظم الكرب البشري، تعاظم الشأن الإنساني في الخلود، وعدم تحمل الكرب يعني سقوط الإنسان من الرغبة الإلهية في الاختبار، وهذه ذات عواقب أبدية وخيمة، لأنها تنطلق من رفض فكرة الفعل الإلهي وأساسيات وجوده وسبب خلقه للإنسان.

تبقى فكرة الاختبار الإلهي وتأويلاتها، فكرة مورفينية للبشر لتعاظم الاستبداد تحت حجة الولاء للإله الخيّر الذي أراد إثبات محبة الإنسان له وقدرته على التحمّل.

هذه المعادلة المسيسة للتأويل في التفكير الغيبي، بدرجة كبيرة وضعت العقل العربي بأكمله أسير الامتحان الإلهي، وتعاظم الاستبداد السلطوي، لأن الله يحب عباده ويريد إثبات محبتهم إليه من خلال تحملهم المشاق.

لكن بالمنحى الفلسفي، هناك فكرة تقول: بما أن الله خلق الإنسان كحالة اختبار وإثبات للولاء إليه، كيف كان يمكن أن يختبر الإنسان لو لم يأكل آدم من الشجرة! (مع التركيز بأن اختبار الله لآدم بعدم الأكل، لا يتعدى كونه اختباراً معرفياً وليس اختباراً بتبرير تعذيب الإنسان واكتشاف المحبة للإله كما جرت على الأرض) بمعنى، أنّ الاختبار الإلهي هو فكرة طارئة ولاحقة على الفعل البشري، بمعنى متقدم، الاختبار هو رد فعل على الفعل البشري، والله لا يقوم بردود الأفعال لأنه المطلق وأفعاله سابقة على الكون بأسره، وبالتالي، من المفترض إعادة النظر في مفهوم الاختبار الإلهي للإنسان!. إما أنه رد فعل على فعل آدم، وبالتالي سقط في المعنى الانتقامي من الفعل البشري الأول، وهذا لا يجوز لأنه سيُخضع الإله لمنطق السلوك البشري بالفعل وردّ الفعل؛ وإما أن فكرة الاختبار سابقة على الفعل الآدمي بالعصيان وبالتالي لا معنى لوجود آدم في الجنة، أو بمعنى أدق، آدم لم يكن في الجنة أصلاً.

لكن بكلا الحالتين تبقى فكرة الاختبار الإلهي وتأويلاتها، فكرة مورفينية للبشر لتعاظم الاستبداد تحت حجة الولاء للإله الخيّر الذي أراد إثبات محبة الإنسان له وقدرته على التحمّل.

الاختبار الإلهي في التحمّل ليس سوى نزعة انسحاقية للناس تحت وطأة التفكير الغيبي التي ما زالت هي نفسها، حتى وإن انعكست صورتها في التمرد. مورفين الصمود ضد الاستبداد ومقاومته هي نفسها نابعة لذات الرؤية في العقل، أنه اختبار إلهي، فإن تحقق النصر فرّج الله عن الكرب وانتصر الإنسان في الاختبار، وإن مات الإنسان، سيتعاظم شأنه في الخلود.

إن أعظم كارثة يمكن أن تحصل للإنسان، عندما يكون دافع الصمت والكلام هو واحد.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.