هُو نونو هُو… طلاسم اللغة الماتعة

0
علي الأعرج

في حديث مع أحدهم، كنا نتناقش حول لفظ “نونو” الذي كنا نستخدمه أطفالاً للتعبير عن رغبة في إخراج الأحشاء (البراز والبول). وبعد الانتهاء من الحديث لم نصل لنتيجة سوى أنه تعبير مجازي ورمزي لسهولة لفظه عند الأطفال، لكن الموضوع أثار فضولي للبحث فيه.
المذهل الذي صدمني بعد القراءة في الموضوع، هو وصولي لفكرتين: الأولى مرتبطة بالتاريخ اللغوي الذي وصلنا من هذه الألفاظ بعد اندثار اللغة، والثاني هو العلاقة النفسية\ الجنسية، الإنتاجية للطفل.
إن جميع الألفاظ التي نستخدمها اتجاه أطفالنا ويستخدمها أطفالنا أيضاً، هي بالأصل من اللغة الهيروغليفية (5000 ق.م) وامتدادها بالقبطيّة القديمة (القرن 16 ق.م).
فألفاظ من قبيل، مم بمعنى يأكل، هم ابتلع. امبو “بو” اشرب. بعبع (بوبو بالقبطية القديمة) عفريت. بح انتهاء الشيء. بخ الشيطان. تاتا امشي. آأو نم. كخ قذارة. واوا (أوأوأ بالقبطية القديمة) الألم والبكاء. رخ نزل أو نظّف. وحتى الجملة الأشهر التي ما زالت الأمهات تستخدمها عند نوم الأطفال “هو نونو هو” بمعنى كفى يا طفلي الصغير كفى. أساسها هيروغليفي، حتى نونو تعني بالهيروغليفية الطفل الصغير.
ما لفت نظري في هذه المسألة، هو وصول كم محدد من اللغة الهيروغليفية مختصة بألفاظ الأطفال، دون وصول إلى جزء آخر منها، باستثناء بعض الكلمات الأخرى.

ما الذي يجعل اندثار لغة قديمة وأصبحت مختصة بالدراسة الأكاديمية، أن ينجو فيها ويصل إلينا فقط، الجانب الطفولي منها، واستمراره حتى اليوم!.

لا وجود لإجابة دقيقة، لكن ربما تكون المسألة مرتبطة بسهولة الألفاظ السابقة، وبدائية اللفظ المرتبط بتكرار الحرف وهو ما يسهل استيعاب أكبر لعقل الطفل. وهذا سبب يمكن أن يكون منطقياً لجعلنا كأشخاص بالغين ومفكرين أن نستمر في توارث هذه البدائية اللغوية، لنجد صيغة للتعامل مع أطفالنا الرضع.
لكن بطريقة ما، شعرت أن هذا التبرير غير كافي كثيراً، إن المسألة مرتبطة بسحريّة النطق، عالم كامل من الطلاسم الحرفيّة التي تدخل إلى عقل رضيع لا يفهم شيء حوله. عقل الطفل يستقبل رموز بدائية من الأحرف لا تعني شيئاً بالنسبة لعالمه القائم المليء بالألوان والضجيج والصخب، لكنها تشكّل بالنسبة لعقله مستوى من التخيّل السحري، يستطيع من خلال هذه الطلاسم غير المفهومة أن يشكّل عالمه الخاص في الفهم، وربما الجانب الأكثر إثارة في هذه الناحية، هو استخدام لفظ نونو بالنسبة لطفل أصبح كبيراً نوعاً ما، ويفهم العالم حوله، ويستطيع أن يقول بأنه يريد الذهاب إلى الحمّام، لكنه يبقى مصرّاً على استخدام لفظ نونو، إلى أن تبدأ ممارسة القمع الاجتماعي من قِبل الأهل، بأنه أصبح كبيراً على استخدام هذا اللفظ “نونو” ويجب أن يقول بأنه يريد الحمّام.

حالة القمع الاجتماعي لمستوى تخيّله الطفولي وعالمه الطلاسمي وسحريته، سيستبدل متعة تلك اللغة بألفاظ أكثر حداثية. وبتصوري استمرار هذه الهيروغليفية المرتبطة بالنطق الطفولي حتى اليوم سببها سحريتها البدائية.

الفكرة الثانية وهي أن نونو التي تعني الطفل الصغير، والتي يستخدمها الطفل في ناحيتين، الأولى في التدليل على الأخ، بقوله عنه “نونو”، والثانية للتعبير عن رغبته بالتبرّز أو التبوّل، كتدليل ثقافي بدائي مناسب لصيغته العقلية، في إخراج الطفل الصغير منه.
قد يبدو بالنسبة للبعض أن هذه الرغبة واستخدامها اللغوي، هي فقط كنوع من تعبير للشعور عن إفراغ حاجة دون معنى، لكن لو كان هذا الأمر جائزاً لكان استخدام التعبير عن الإفراغ بأي كلمة أخرى، لكن استخدام نونو، هي الشعور العاطفي العميق بالإنتاج.
يتحدث فرويد حول التبرّز البشري كنوع من أنواع اللذة الجنسية، وبعيداً عن قبولنا أو رفضنا لهذه الرؤية، لكن هناك شعور عظيم في إخراج شيء من الطفل اتجاه ذاته، إنها الرغبة العميقة بالإنتاج والانجاز. إنها إحدى صيغ الممارسة الثقافية والذهنية والاقتصادية أيضاً.
ربما بالنسبة للطفل لا تكون مفهومة بهذا المعنى العميق، لكن أن يعبّر عنه كـ نونو بتعبير بدائي “الأخ الصغير” فهذه مسألة ليست عبثية أبداً.
إن عملية إفراغ الأحشاء بالنسبة للطفل هي عملية ممتعة وعاطفية، وتدليلها المعنى البسيط في عقل الطفل “”نونو، الأخ الصغير”، ممارسة هادئة وإنتاجية وعاطفية لإخراج البراز. وهذا يحيلنا إلى رؤيا فرويد نفسها، حول المتعة الجنسية الأولى في إنتاج اللذة من الذات إلى الذات. وبطريقة ما يمكن تدليلها بالتعبير الشائع، أن الإنسان يمكن أن يكره جميع روائح البراز، لكن لا يشعر بأي سوء مع رائحة برازه، لأنها فعل إنتاجي ذاتي تاريخي ومستمر في الدرجة الأولى، وجنسي بدائي قبل أن تسيطر معاني الجنس الحداثوي على عقله في الدرجة الثانية.
وبعيداً عن هذا الجانب الجنسي، يبقى البراز الطفولي بالنسبة للطفل حالة من الإثارة الإنتاجية والحسيّة المطلقة في صناعة هذا العالم، ومرتبطة ببدائية اللغة الطلسمية وجماليتها السحرية.
هذا الوعي يمتد إلى تاريخ سحيق من الحضارات الأولى دون أن نعيه، ودون أن نفكّر فيه وبأهمية استمراره وتنوعه وتجانسه مع عالم اليوم.
فكلنا أخرجنا النونو الهيروغليفي وصنعنا هذا العالم.

قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!