جدار بلفاست: حائط السلام للفصل بين الطائفتيْن الكاثوليكية والبروتستانتية

0
الأيام السورية؛ سلام محمد

دخلت المسيحية إلى إيرلندا مع مطلع القرن الخامس الميلادي، حين جاءها القديس الروماني البريطاني باتريك (ولد في 17 مارس/ آذار 461) الذي ينتمي للكنيسة الكاثوليكية، متخذاً منها مركزاً لنشر الديانة المسيحية في بريطانيا وأوروبا. وقد أعقبه، بعد نحو قرن من الزمان، مجيء الإنجليز (1167م)، حيث قاموا بضم إيرلندا إلى التاج البريطاني، كواحدة من المستعمرات. كانت وقتذاك، قد ترعرعت الكنيسة الكاثوليكية، ومدّت نفوذها الكاسح متغلغلة في مختلف مناحي حياة الإيرلنديين.

يمكن التأريخ من هنا إلى نقطة الصدام بين الإيرلنديين، خصوصاً مع قيام بريطانيا العظمى بتعيين هنري الثامن (28 يونيو/ حزيران 1491 – 28 يناير/ كانون الثاني 1547)، ملك إنجلترا منذ 21 أبريل/ نيسان 1509 وحتى وفاته، والذي يتحدر من خلفية بروتستانتية، لوردا على إيرلندا الكاثوليكية ثم ملكها بعد ذلك.

تضييق على الكاثوليك

جدار بلفاست -المصدر: نون بوست

باستمرار ظلّ حكم الأقليات للأكثريات موضوعاً للنبذ. لكن ذلك لم يكن المشكل الرئيس في الحالة الإيرلندية. إننا أمام شكل من الحكم يأتي من تناقض رئيس داخل رحم المسيحية. كما يأتي من رحم المؤسسة الاستعمارية التي مثلتها بريطانيا العظمى، وتطلعاتها إلى التواجد فيما وراء البحار. إنه في النهاية، حكم أقلّي بروتستاني استعماريّ لشعب مستقلّ ذي هوية كاثوليكية.

كان هذا وجه التناقض الأبرز الذي يمكن أن يشكل أرضية لفهم الخلاف. فاقمه قيام هنري الثامن بإعلان الكنيسة البروتستانية، الكنيسة الوحيدة المعترف بها. ما تسبب ذلك، في اندلاع الثورة الإيرلندية التي بدأت بأجندة سلمية إلا أنها سرعان ما شابها العنف.

كان لمقتل عدد من المستوطنين ردة فعل من التاج البريطاني، فقد قام الجنود البريطانيون بإحراق العديد من المدن وحظر الممارسة العلنية للكاثوليكية وقتل القساوسة الكاثوليك. لم تكد تمضي سنوات حتى انخفضت نسبة ملكية الكاثوليك للأراضي من 60 في المئة من العدد الإجمالي إلى 8 في المئة فقط. تلت هذه الحملة البريطانية القاسية، تطبيق العقوبات الجزائية التي منعت الكاثوليك من حمل السلاح ومسك مناصب في الدولة وممارسة العمل القانوني والتصويت، كما حدّت من فرصهم في مجالي التعليم والتوظيف.

جذور الصراع في إيرلندا

جدار بلفاست -المصدر: سابلوغ

كانت فاتورة الحساب يجري دفعها على الهوية. ثمة حادثة طريفة تروى هنا، لامرأة عجوز، كانت عندما تُسأَل في نقاط التفتيش ما إذا كانت كاثوليكية أم بروتستانتية؟ لا تتوانى عن الرد بأنها «يهودية» لتنجو بحياتها المقابر القديمة.

إحدى الحكايات التي تروى عن جذور الصراع في إيرلندا والتي تبين عمق الانقسام؛ أنه كان قد جرى الاتفاق على دفن الموتى من طائفتي الكاثوليك والبروتستانت في المقبرة التي تقع على سفح جبل منحدر، على أن الجزء العلوي خصص لموتى الكاثوليك، والآخر السفلي للموتى من الطائفة البروتستانتية. ارتفعت دعاوى من طرف بعض رجال الدين، مخافة أن يتسبب الانحدار الشديد للمقبرة من انزلاق جثامين البروتستانت واختلاطهم، تبعاً لتعاقب الأزمنة، مع إخوتهم الكاثوليك. بالإلحاح، تفاقمت هذه المخاوف، ما أدى إلى رفعها إلى المجلس البلدي للمنطقة كي يبت فيها. وقد جاءت رؤية المجلس مطابقة: “إن ذلك أمر مهم فعلاً، وتنبغي معالجته». وقام بجمع التمويل اللازم لبناء جدار تحت الأرض لمنع هذا الانزلاق!  “، لم يكن كافياً أن يعيش أبناء وبنات الطائفتين، بمعزل عن بعضهم البعض في حياتهم الدنيوية. كان يجب – هكذا رأت الكنيسة معززة ببصمة الدولة – تمديد هذا العزل، لكي يلحق بهم، كوصمة أبدية، حتى إلى ما بعد الممات… إلى القبر.!

لكن كل هذه الإجراءات، لم تكن كافية لكبح تطلعات الأكثرية الكاثوليكية. ففي العام 1916 عادت الاضطرابات بقوة، التي قادها من عرفوا بـ «الراديكاليين»، وتنامت الدعوات لاستعادة استقلال إيرلندا. ولكنها فشلت وتم إعدام معظم قادتها.

دق ذلك ناقوس الخطر، لدى السلطات البريطانية، وقامت ببعض الإصلاحات الشكلية التي لم تمنع من استمرار الشد والجذب. في ضوء التفكير بإيجاد حل للأزمة، برز في العام 1920 قرار تقسيم إيرلندا إلى جنوبية وشمالية. هكذا، فقد أسندت المقاطعات ذات الأغلبية البروتستانتية، وهي 6 مقاطعات إلى حكم بريطانيا العظمى، وبذلك ولدت ما يعرف اليوم بـ «إيرلندا الشمالية». فيما ظلت بقية المقاطعات، نحو 26 مقاطعة، تحت حكم جمهورية إيرلندا.

جدار بلفاست -المصدر: المصري اليوم

وجد الكاثوليك أنفسهم عالقين في بلد منقسم، منبوذين وغير معترف بهم، كانوا معزولين سياسياً وبلا صوت. أما البروتستانت، فعلى رغم كل الامتيازات السياسية والاقتصادية والسكنية التي ظلوا يتمتعون بها فقد ظلوا تحت سطوة هاجس دائم، من أن يتخلى عنهم الحكم البريطاني. استمرّ هذا الهاجس في التفاقم، وسط انقسام اجتماعي وسياسي.

الفصل بالحواجز

وتجلى الانقسام ماديّا على الأرض في سبتمبر 1969 بوضع حواجز من الأسلاك الشائكة وأكياس من الرمل للفصل بين حيين في مدينة بلفاست بأيرلندا الشمالية هما حي فالس حيث يوجد الكاثوليك وحي الشانكيل حيث يوجد البروتستانت. ليتشكل جدار يبلغ طوله نحو 5.5 كيلومترات، فيما يتفاوت ارتفاعه بين 18 و24 قدماً. لم يكن جداراً واحداً، بل مجموعة جدران من الحديد والطوب الصلب، سميت مجازاً «جدران السلام». تتناثر على جانبيها، أحياء الإيرلنديين القوميين «كاثوليك»، وأولئك الإيرلنديين من الأصول البريطانية «بروتستانت». لا يخرق هذه الجدران المصمتة الباهرة، سوى بعض البوّابات التي تمنع من أن تكون العزلة كاملة، والتي عادة ما يتمّ إبقاؤها مغلقة طيلة فترات الليل.

وعلى الرغم من التصريحات الرسمية البريطانية إبان تشييد هذا الجدار، وأنه مجرد “خط للسلام “، ودُعي هذا الجدار بـ «جدار السلام»، إلا أن الصراع لم يتوقّف بين الطائفتيْن رغم توقّف الحرب بين الجيش الأيرلندي والقوّات البريطانية، وعادا إلى عملية بناء الجدران لتبلغ حوالي 80 جدارًا عازلاً يفصل بين الطائفتيْن الكاثوليكية والبروتستانتية.

ورغم كل هذه الجدران واتفاقيات السلام لم تتوقف الأزمة بين الطائفتين المسيحيتين في أيرلندا الشمالية، بل تذكر التقارير أن الأحياء المحيطة بهذه الجدران هي أكثر الأحياء خطورة من حيث السلب والنهب وانتشار الجرائم والعنف.

مصدر ليس جدار ترامب وحده، موقع ن بوست جدران المخاوف في المدينة المقسومة، موقع الوسط
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!