الشّدّيات

أشكال الأغنية الشعبية في سوريا (8)

0
الأيام السورية؛ سلام محمد

تعد الأغنية الشعبية قصيدة غنائية، يتداولها الناس في الوسط الشعبي، ويتوارثونها في مناسباتهم الاجتماعية.
وتأخذ الأغنية الشعبية لونها الخاص، بحسب المنطقة التي تظهر فيها، لكنها تنتقل، كما كل التراث الشفوي، من مكان إلى آخر، فيضيف الموقع الجديد نكهته الخاصة عليها، ولكن البنية الأساسية تبقى هي المسيطرة، وذلك على مرّ الأزمان.

والأغاني الشعبية وثائق اجتماعية على قدر كبير من الأهمية، لأنها تصور عادات الناس وتقاليدهم في المناسبات، فرحاً أو حزناً، كما تقوم بدورها الفني والجمالي في حياة المجتمع.
ويعكس الإرث الموسيقي لسوريا تاريخا حيا، وثقافات متنوعة تتجاوز السياسات والحروب الراهنة، فهذا البلد العريق ربما أعطى العالم أولى أغنياته، ويزخر التراث الشعبي السوري بأشكال كثيرة ومتعددة من القول الغنائي الشفاهي، والتي ما زالت مستمرة في حناجر الناس، مغنين وسامعين.

سوف نقوم في سلسلة مقالات بالتعريف بهذه الأشكال، من حيث التاريخية، ومكان الانتشار، وكذلك من حيث بنيتها الفنية، وذكر الأمثلة والنماذج عن هذه الأشكال الغنائية.

8/ الشّدّيات

تعدّ “الشدية” من أقدم ألوان الشعر الإيقاعي الغنائي لكونها ملازمة لحالة الحرب ومناخ المعركة، وغالباً ما تُؤدّى في أجواء تظاهرية أو استعراضية راقصة، وكلماتها البسيطة تثير السحر في النفوس.

مصدر التسمية

“الشدية” تلفظ بكسر الشين، والشدة اسم من الاشتداد، والشدة بفتح الشين الحملة في الحرب، والشد: الجري والتقوية والإيثاق، فهي من الشدة، وقديماً كانت رقصات الحرب في المعركة تؤدى بمصاحبة غناء إيقاع سريع هو “الشدية”، حيث تلتهب النفوس حماسة فهي بذلك تقوم بوظيفة تعبوية وتساهم في الإعداد النفسي للمقاتل، وتخلق جواً حماسياً يسيطر فيه عقل الجماعة على عقل الفرد فيدفع المتردد إلى التطوع للقتال،أو كما يرى “يونغ” بأنّ رقصات الحرب وما يرافقها من غناء تقوم بتوجيه الطاقة من المحيط إلى المركز.

بنية الشدّية

تحمل “الشدية” خطّاً درامياً في بنائها سواء أكان طابعها القصّ أم الوصف أم الحوار، وتتألف “الشدية” من لازمة وعدد من المقاطع قابل للزيادة بالارتجال، وكل مقطع مؤلف من أربعة أشطر، الثلاثة الأولى بقافية موحدة تتبدل في كل مقطع، والرابع بقافية مغايرة، وتستعمل فيها أوزان موسيقية سريعة وخفيفة، وغالباً ما تكون على بحر المتدارك: فاعلن فاعلن فاعلن فاعلن.

مثال من التراث

قديماً كان يؤدي المقاتلون أثناء المبارزة أو الاندفاع نحو العدو والالتحام به “الشدياتِ”، ويقوم كورس النساء خلف المقاتلين بأداء “الشديات” التي تفعل بإيقاعاتها السريعة وكلماتها البسيطة كالسحر في النفوس، فيثبت المقاتلون ويندفعون نحو الموت في نفس راضية، وكان المبارز في أثناء تقدمه نحو خصمه ودورانه حوله والتحامه معه يرتجل الأبيات يحدو بها شاداً، ليزيل من نفسه عوامل الخوف، ويضعف من معنويات خصمه، فللإيقاع والكلمة تأثير نفسي كبير. ومن أمثلتها الشهيرة “شديّة ” هند بنت عتبة في معركة أُحد:
ويها بني عبد الدار ويها حماة الأدبار
ضرب بكلّ بتار
إن تقبلوا نعانق ونفرش النمارق
أو تدبروا نفارق فراق غير وامق

في العصر الحديث

“الشديات”، في العصور الحديثة، تُؤدّى مع الدبكة بشكلها العنفوافي بما يوحي بشدة الغضب سلبا وشدة الفرح ايجابا، كما في واقع الهزيمة أو النصر، وتقوم بمهمّة التحميس للقتال، وتمجيد الجندي، والتغني بالانتصارات حيث تقام الاحتفالات الشعبية في ساحات الأحياء والشوارع، وكانت أكثرها شهرة إلى عهد قريب:
وإن هللت هللنالك… طقينا البارود قبالك
وإن هللت يا صبية الواحد منا يقابل مية

وحين دخلت قوات الجنرال “ديغول” “حلب” كان من المشاهد الاحتفالية المألوفة أن ترى الرجال في الأعراس المعقودة، والصبيان في الأزقة يشدّون مطالبين بالاستقلال، وهم يهددون الغازي بمرابطة القوات العربية في ضواحي باريس:
هيّه لنا هيّه لنا… باريس مربط خيلنا
ديغول خبر دولتك… النصر لثوارنا

وحين نالت “سورية” استقلالها ماجت الشوارع باحتفالات النصر وانعقدت حلقات الدبكة، وردد الناس هذه الشدية:
أول قولي واعتادي… صلوا على النبي الهادي
سورية تحيا بلادي… بلاد الهنا والأفراح
سورية تحيا رجالك… تهني بعز استقلالك

أغراضها المتعددة

لم تقتصر “الشديات” على الحروب والمعارك (مناسبات الحماسة)، بل نظمت “الشديات” في أغراض عديدة، منها: الغزل، والهجاء، والفخر، ومديح الشخصيات، والمناسبات الشخصيّة الخاصة.
فللأعراس والأفراح، أيضا، شدّياتها التي يرددها أصدقاء العريس أثناء نقل جهاز العروس إلى دار العريس وهي:
غنى البلبل مع الطير… الله يمسيكن بالخير
الله يتمم الأفراح… وياكم آضا المصباح
الله يمسيكن بالخير… يا عمار العمارة
جينا نخطب بنتكن… من حارة لحارة

وفي زفاف العريس، حيث يلبس الكورس الراقص لباس الشديّة المعروف: شروال عريض، قميص، عرقية، وصرماية حمراء.
حيث يمسك الشبان بأيدي بعضهم البعض، وفي أول المجموعة إلى اليمين يمسك قائد المجموعة بمنديل مفتول ويلوحه في الهواء والمجموع يشدّ وراءه:

شن كليلة شن كليلة
الله يعينو على ها لليلة
ومن هالليلة
صرلو عيلة

كما تقدم بعض “الشديات” وصفاً لأشياء عديدة، كأن يكون لها موضوع في النقد الاجتماعي لظاهرة أو حدث له وقع سيّء على حياة الفرد، من مثل شدية تصف غلاء الأسعار:
الله يساعد الله يعين… الغلا طعمانا كتير
الله يهد الفرانة… شبعونا إهانة
كل العالم حيرانة… ما بقا عنا تدبير

طرق أداء متنوعة

وأغلب “الشديات” تأخذ شكل المونولوج، حيث يؤديها “الشاد” ويردد وراءه الكورس اللازمة بعد كل مقطع، لكن بعض الشديات خاصة في الأعراس الحلبية تأخذ شكل الديالوج، حيث يتبارى ممثلان شادان في العدّ، ويردد الكورس وراءهما اللازمة على إيقاعات الطبل والزمر وحركة راقصي الدبكة، ويغدو المشهد مسرحاً حقيقياً غنياً بالدراما من مثل:

الكورس: “اسمعوا قول المعنى… عالسمر والبيض غنى
الأول: إن كنت بتمدح الأسمر… رتب ألفاظك واتفكر
أنا لفضلك بتشكر… إن رضيت عن المعنى
الثاني: وإن كنت بتمدح الأبيض… رتب ألفاظك وتريض
أنا بعمري ما بتعرض… وبجوابي ما بستنا
الأول: السمرا شفتا بالحارة… تشبه لشجرة الغارة
والبيضا شبه الحوارة… بالبراري كثير منا
إلى آخر الشدية التي تطول طالما كان هنالك متسع للارتجال.
وتكمن القيمة الأساسية للشدية في كونها وثيقة سياسية واجتماعية ونفسية تعطي التاريخ بعده الفولكوري.

شدّيات الأطفال

للأطفال شدّياتهم، نظموها بأنفسهم لا بلسان الكبار، لذلك نلمح فيها انعدام المنطق والخيال الغرائبي دون رقابة أو تثاقف، ومنها مثلا ما يشدون به على أراجيح العيد:

بكرة العيد ومنعيّد
ومندبح بقرة السيّد
والسيد ما لو بقرة
مندبح مرتو هالشقرا

أو:
يا ولاد العيد أبوكم سعيد
لفتو حمرة طربوشة حديد

أو:
يا ولاد محارب يويو
شدوا القوارب يويو
قوارب مين يويو
حج اسماعيل يويو
اسماعيل ما مات يويو
خلف بنات يويو
بناته سود يويو
مثل القرود يويو
بناته بيض يويو
مثل العفاريت يويو
ركب وروح يويو
على اسطنبول يويو
جيب وزة يويو
تنقر الرزة (حبة الأرز) يويو
والرز غالي يويو
حقوا مصاري يويو

ومنها تلك التي يرددها الأطفال في سوريا ويهزجونها مع التلوين والتحريك والتقطيع والبطء والسرعة، تبني عالم اللعب في شكل قطار يكوّنون نسقه بالترابط بعضهم خلف بعض، أو بشكل دائرة يدورون فيها وهم يشدون بأعلى أصواتهم:

يا شميسة طلعي لي
لأنشر غسيلي

أو:
أمّ الغيث يا ريّه
عبّي جبابنا ميّة

وعلى الرغم من أن الكبار كتبوا للأطفال أغاني كثيرة، إلا أن واحدة منها لم تخلد وتؤكد حضورها الدائم، مثل الشدّيات التي ورثها الأطفال عن أطفال سابقين، في بنية طفولية أخّاذة ومدهشة.

مصدر عبد الفتاح قلعجي دراسات ونصوص في الشعر الشعبي الغنائي الهيئة السورية للكتاب
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!