القطيعة مع الأنظمة

الأيام السورية؛ علي الأعرج

ربما كانت تجارب الربيع العربي خلال العشر سنوات الماضية، قد أوصلت رسالة واضحة جداً لجميع الشعوب، بأن هذه المنطقة لا يجب أن تتحرر من قبضة مستبديها مهما كلّف ذلك من ثمن.

في 30 آذار من عام 1949 قام حسني الزعيم بدعم تاريخي واضح من الولايات المتحدة بأول انقلاب عسكري على الرئيس شكري القوتلي، وهو الانقلاب الذي رسّخ ثقافة العسكرة وسيطرتها على السياسة والتحكم بجميع مفاصل الحياة، ليس في سوريا فقط، بل في الوطن العربي ومنطقة الشرق الأوسط. حيث يُعتبر تاريخياً انقلاب الزعيم هو أول انقلاب في المنطقة الشرق أوسطية.

وبعد ذلك استمرت سلسلة من الإطاحة بأي حكم في المنطقة بقيادة العسكريين، لقد أصبحت موضة بالمعنى الحرفي، العراق، سوريا، مصر، الجزائر، اليمن، السودان.. الخ. وفي سوريا بالذات، تأرجحت البلاد في صيغ الحكم بعد انقلاب الزعيم، فمنها ما حُكم بعسكرة مباشرة، ومنها ما حُكم بنصف عسكرة ونصف جمهورية، واستمر ذلك الوضع بالقبضة العسكرية والأمنية إلى عام 2011.

خلال هذا التاريخ، كان شيء وحيد رغم المتغيرات ما يزال ثابتاً، وهو آلية الأنظمة التي تحكم شعوبها، التكرار نفسه لذات العقلية. يرى البعض بأن هذه الأنظمة هي مستخدمة عند القوى الأكبر، ولن نجادل هنا إن كان هذا الكلام على صواب أم لا، رغم صوابيته المطلقة، لكن ما يهمنا هو استمراريتها وعدم جدوى إسقاطها.

ربما كان السلاح في سوريا ضد النظام هو حتمية تاريخية، لكن بالخروج قليلاً من هذه الفكرة، والنظر إلى الدول التي سقطت فيها الرموز السلطوية، نرى بوضوح الاضطرابات التي اعتملت فيها بدعم خارجي. لا أحد يريد أن تُبنى ديمقراطيات ومجتمعات مدنية تتجاوز الواقع، يجب أن نبقى بالنسبة لهم في صراعات مستمرة. فتجاوز الشعوب للواقع والصراع يعني عدم السيطرة مجدداً من تلك الدول على المنطقة. سيفعلون كل شيء لتبقى تحت سيطرتهم، أن يضعوا عسكرياً في مصر، أو أن يحشروا جبهات دينية متشددة في ليبيا، أو إبقاء النظام كما في سوريا بعد فشل خلق الجهادية لأسباب سياسية دولية.

لا يمكن لنظام استبدادي أن يقوم دون تفرقة وعنصرية وتسليح ودين سياسي واقتصاد متحالف معه. عندما نمارس كشعوب الفعل المدني دون حتى عمل سياسي مباشر، فنحن نقوض دعائم النظام.

بالتأكيد لا نحلل سياسياً، لكن في كل هذه الأحداث، كيف يمكن للشعوب أن تفكر مرة أخرى بإسقاط الأنظمة دون أن تأخذها إلى جانبها الإبادي! فالسلاح هو عنصر وحيد لاستمرار ومشروعية الأنظمة والدول جميعها بالقتل.

ببساطة هو بخلق القطيعة مع أي نظام دون عمل عسكري.

إن أي نظام يملك القوة لاستمرار ممارساته الاستعبادية، في السياسة والاقتصاد والمجتمع، بالإضافة للدين، فتجاوز النظام وتهديد وجوده فعلياً، يكمن بفعل قطيعة مع أفرعه التي يسيطر فيها على الشعوب، قطيعة مع الدين والاقتصاد والمجتمع.

القطيعة مع الدين وتحريره من آليته السياسية وإبقاءه في حيزه الأخلاقي، فإسقاط الدين لا يعني أن يصبح المجتمع عاهر أو كافر، بل يعني أن نمارس إسقاط للتفقه الديني وموروثاته، أن تصبح العلاقة مع الله دون مرجعية مشيخية. هكذا يمكن للمجتمع أن يتحرر من سلطة الدين السياسي دون أن يفقد علاقته مع الرب، وهكذا يمكن أن تساهم بتقويض أحد دعائم أي نظام استبدادي يمارس الدين ورجاله كحالة تخدير للحرية الإنسانية وأحقيتها في الحياة.

والقطيعة مع الاقتصاد تأتي من خلال عمل نقابات ومهنيات وحتى أناس عاديين، هذا العمل الذي يركز على صدام مباشر مع مؤسسات الاقتصاد الحرة دون الصدام مع النظام، لكنه بالمقابل يزعزع واحدة من أهم آلياته الاستبدادية. تماماً كما هي حالة فعل القطيعة مع المجتمع التي تنبع من تجاوز ما يمكن وصفه بعادات المجتمع وآلياته القمعية في مفاهيم جاهزة. تجاوزها بالنقاش والتفنيد والنقد وليس بالسخرية والتعصب والنظرة الفوقية للتنوع الاجتماعي، ممارسة الفعل المدني من الذات دون مؤسسات تدفع الناس لفعل السلوك المدني.

إن أي نظام يملك القوة لاستمرار ممارساته الاستعبادية، في السياسة والاقتصاد والمجتمع، بالإضافة للدين، فتجاوز النظام وتهديد وجوده فعلياً، يكمن بفعل قطيعة مع أفرعه التي يسيطر فيها على الشعوب

لا يمكن لنظام استبدادي أن يقوم دون تفرقة وعنصرية وتسليح ودين سياسي واقتصاد متحالف معه. عندما نمارس كشعوب الفعل المدني دون حتى عمل سياسي مباشر، فنحن نقوض دعائم النظام.

هذا الكلام قد لا يكون مجدياً في وضع كسوريا وصراعها الآن، لكن إن أتى يوم ليصبح هناك قليل من استقرار، وبقي النظام في سلطة سوريا، فإعادة إسقاطه لن تكون بالثورة المسلحة مرة جديدة، لأن الدول الكبرى لا تريد أن يكون هناك مدنيّة في المنطقة، والسلاح لعبتهم الاقتصادية بطبيعة الحال. الثورة هي تحصيل حاصل عن تاريخ طويل من التقويض لدعائم النظام، للسياسيين لعبتهم، لكن للبشر العاديين لعبتهم التي تهيئ إسقاط أي نظام وبدعم أي دولة معه، من خلال تجاوز آلياته التي يقنع بها البشر. ممارسة الحرية الفردية والتعليم والثقافة ورفض الرضوخ للعمل بحجة الحاجة للحياة، تجاوز حمقى الدين التابعين لأي نظام، تجاوزنا لتقاليد المجتمع دون أن نتحول إلى كافرين وعاهرين كما تصف الأنظمة المستبدة شعوبها عندما يحاولون تغيير خارطة المجتمع، وليس التغيير السياسي حتى.

النظام الاستبدادي ليس سلطة سياسة فقط، هو سلطة أبدية عندما أنت لا ترى الله إلا بعين شيخ مؤسساتي، ولا تفهم الاقتصاد إلا من خلال شخص تعتبره مصدر رزقك، ولا تفهم المجتمع إلا بما نشأ عليه آباؤك وتستمر فيه دون تفكير. عدم تجاوزك الذاتي بحجة الأخلاق الاجتماعية والخوف من الآخرة كرؤية دينية أو إيمانك الشديد بها لتصبح ضحية فردية دون تحقيق شيء في الواقع الحي، يعني بقاء الاستبداد.

إن أحد أسباب فشل الثورة هو عدم معرفتنا بالتفكير المتطور للنظام وحلفائه، لكننا اليوم أصبحنا مدركين تماماً بأن جميع الممارسات التي تمت من تسليح، وضعتنا في موقع الانصياع للآخر. الثورة هُزمت وهذه حقيقة، لكن لم تنتهي بالمعنى التاريخي. سيأتي يوم وسيكون هناك ثورة أخرى على نظام مستبد، لكن بكل تأكيد سيبدأ من نقطة التقويض للدعائم وفعل القطيعة مع كل مؤسساته، وربما في ذلك الوقت لن يحتاج السوريون لثورة، فتفتيت دعائمه بممارسة الحياة بشكل عفوي ومتجاوز لقوانين المجتمع يعني سقوطه بطبيعة الحال.

المنحوتة للفنان معتصم الكبيسي- المصدر: موقع الفنان
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.