الرئيس شكري القوتلي في حديث مع مجلة “المصور” المصرية

يكشف أسرار مباحثات الجلاء مع تشرشل

0

قابل الصحفي سعيد التلاوي، صاحب جريدة الفيحاء الدمشقية، الرئيس شكري القوتلي ليتحدث معه عن أسرار ملحمة جلاء المستعمر الفرنسي عن سوريا.

يقول الرئيس القوتلي: اعترفت دول العالم باستقلال سوريا عدا دولة واحدة لم تعترف بالاستقلال، هذه الدولة هي فرنسا؛ التي احتلت البلاد بقوة السلاح في 24 يوليو 1920، ظناً منها أن سوريا هي امتداد لفرنسا عسكرياً، وسياسياً، واقتصادياً.

لم تكن فرنسا لتعترف باستقلال سوريا ببساطة، لولا جهود رجالات سوريا على اختلاف مللهم وأطيافهم في السعي لاستقلال بلادهم، وقد خاضت العديد من المفاوضات مع البريطانيين أصدقاء الفرنسيين وشركائهم في الحرب على دول المحور في الحرب العالمية الثانية؛ متعلقة باستقلال سوريا التام عن فرنسا ودون أي قيد أو شرط.

ذات يوم من أيام صيف عام 1944 زارني “السير إدوارد سبيرس” الوزير المفوض والمندوب فوق العادة لبريطانيا العظمى في سوريا، ولبنان، في قصر الزبداني  ليقول لي: إنّ المستر تشرشل بعث ببرقية إليه يطلب فيها من رئيس الجمهورية السورية أن يعمل للتفاهم مع فرنسا، مؤكداً لي أن بريطانيا شديدة الحرص على دوام علاقاتها الحسنة من فرنسا، تلك العلاقات التي تحتمها ضرورات الحرب المشتركة. وقد فهمت من هذه الرسالة أنها إنذار من الجنرال تشرشل لسوريا شبيه بإنذار غورو الفرنسي الذي احتلت على إثره فرنسا لسوريا، فكظمت غيظي وقلت للجنرال سبيرس: إنكَ يا حضرة الجنرال لا تعرف التاريخ جيداً، كان الأمير فيصل صديقاً حميماً لبريطانيا، وكان يعلق عليها الآمال الكبار للوقوف لجانب العرب في سبيل الوصول لنيل حريتهم واستقلالهم، ولما ذهب رحمه الله إلى لندن  عام 1919 بدعوة من رئيس الوزارة البريطانية المستر لويد جورج لمفاوضة الدولة العظمى في المسألة السورية، سلمه الرئيس البريطاني مذكرة تعني أن بريطانيا قررت جعل سوريا مستعمرة فرنسية، ثم أحاله لوزير الخارجية للبحث معه، وهذا بدوره اتصل بالمسيو كيلمنصو رئيس الوزراء الفرنسي وطلب منه موعداً لمقابلة الأمير فيصل في باريس، وانتهت الوعود والعهود عند هذا الحد، وسافر فيصل إلى باريس، ودخل في مفاوضات مع الحكومة الفرنسية انتهت بوضع مشروع “فيصل ـ كيلمنصو” وحمله إلى دمشق، فقوبل المشروع بالرفض، ثم كان ما كان من أمر الاحتلال الفرنسي، وفرض الاستعمار على هذه البلاد، وغادرها فيصل وفي نفسه لوعة لأنه أراد من صميم قلبه أن تكون بلاداً مستقلة، ولكن بريطانيا لم ترد ذلك. لقد غادر فيصل رحمه الله سوريا، وليس له فيها سوى كرسي بأربع أرجل أما أنا يا حضرة الجنرال فلي في هذه البلاد تراث ستمائة سنة، ولي فيها أهل وإخوان استشهدوا في سبيل الاستقلال الذي أحرص عليه أنا وشعبي، فإذا كان المستر تشرشل يريد أن يفعل بي ما فعله المستر لويد جورج بالمرحوم فيصل فليثق بأن هذه الفعلة لن تتم، وليطمئن إلى أنه لن يكون لفرنسا مقام في هذه البلاد.

غلاف جريدة المصور

وبعد بضعة أيام عاد الجنرال سبيرس إلى قصر الزبداني، وقابلني هناك وقال لي: يا سيدي إنني أحمل إليكم رسالة خاصة من المستر تشرشل… فتناولت الرسالة فإذا هي تنطوي على تأكيد من رئيس الوزارة البريطانية بالعطف على أماني الشعب السوري، وقد صيغت بلهجة ودية غير اللهجة السابقة، فسررت من هذا التأكيد البريطاني لحق الشعب السوري.

بعد اعتزال الجنرال سبيرس، تم تعيين المستر ترنس بدلاً عنه، وقدم أوراق اعتماده إلى الرئيس القوتلي في 23 ديسمبر 1944 ، وألقى خطاباً بمناسبة تقديم أوراق اعتماده؛ أكد فيها على أهمية سوريا لاستقرار الوضع في المنطقة.

ويقول الرئيس القوتلي في متابعة روايته عن استقلال سوريا: بعد أن ألقى المستر ترنس كلماته بمناسبة استلام أوراق اعتماده، وبعيد كلماته بحق سوريا، قلتُ له: يسرني أن أسمع منكم تأكيد التصريحات التي أعلنتها الحكومة البريطانية في سوريا بمناسبات عديدة، ونحنُ نعمل على تسوية المشكلات والمصاعب للوصول إلى تفاهم متبادل يقوم على احترام حقوق الشعوب وأمانيها المقدسة، وهذا ما ستصنعهُ سوريا وتحرض عليه بكل طاقاتها…

يقول الرئيس القوتلي: ذات يوم دعاني الملك عبد العزيز آل سعود لزيارة المملكة العربية السعودية من أجل مناقشة بعض الأمور الهامة المتعلقة بالوضع في المنطقة وفي سوريا بشكل خاص. وقد قبلت الدعوى لما تربطني مع الملك عبد العزيز علاقة صداقة وأخوة متينة، وخلال وجودي في السعودية قابلت المستر جوردن وزير بريطانيا المفوض هناك، وطلب مني العمل للتفاهم والتعاقد مع الفرنسيين، إلا أنني قابلت طلبه بالرفض القاطع، فعاد ليخبرني أن حكومته متفقة مع فرنسا على تسوية الوضع في سوريا، وأن من مصلحة بريطانيا تحقيق هذا الاتفاق نظراً لظروف الحرب وحرصها على دوام العلاقات الودية مع فرنسا. وعندما اشتد إلحاح الوزير البريطاني على توقيع اتفاقية بين سوريا وفرنسا، واستمر رفضي القاطع لهذا الموضوع، أمر جلالة الملك عبد العزيز المؤذن أن يؤذن لصلاة المغرب فانتهى الحديث وأنقذ الموقف.

وعند زيارتي للقاهرة بزيارة عمل استمرت لثلاثة أيام، جاءني اللورد كيلرن السفير البريطاني المفوض في القاهرة، ليخبرني أن المستر تشرشل أبلغه أنه قادم من يالطة إلى مصر وأنه يرغب بالاجتماع بي، فقررت تأجيل سفري لمقابلته. وفي مساء يوم الأحد 18 شباط 1945 قابلت المستر تشرشل في القاهرة، وكانت مقابلة طويلة، دار الحديث فيها حول ضرورة التفاهم بين سوريا وفرنسا… فأعلنت أمامهم أن بلادي عازمة على الخلاص من فرنسا، ونيل استقلالها وحريتها، ولا يمكن أن تتحول عزيمتها بأي شكل من الأشكال، وأن السلم لن يستتب في الشرق إلا بجلاء فرنسا عنه، وأن سوريا مستعدة لبذل آخر قطرة دم من دماء أبنائها في سبيل الحرية والاستقلال.

وهنا التفت إلي المستر تشرشل وأجابني بلهجته القوية: لا تهددني يا فخامة الرئيس فإنني الآن قادم من يالطة حيث كنا نقرر مصير العالم، فالتفت إليه وأجبته بكل ثقة: ونحنُ أبناء سوريا والعرب من هذا العالم أيضاً، ونريد أن نعيش في أمان وسلام، وأن نساهم في سعادة البشرية وتأمين الاستقرار في هذه البقعة، ولا يمكن أن يتحقق شيء من هذا مادامت فرنسا موجودة في الشرق.

مصدر المصور  24 أذار 1950
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!