هزليّة الآخر تؤدي إلى هزليّة الذات

0
الأيام السورية؛ علي الأعرج

إن أكثر مهزلة في الثقافة والفكر، يمكن أن تعيشها أمة ما، وتستمر معها للأبد، هي اللحظة التي لا يتم الاعتراف فيها والبحث عن حقيقة التاريخ وأحداثه، على اعتبار أن الحاضر قد أثبت وجودهم واستمرارهم. ويصبح كل ما هو محاولة للتقصي والاستكشاف، ضرب من الخروج عن قاعدة الانتماء بالنسبة للآخرين، وعبارة عن نموذج للسخرية والغباء.

وربما أحد أكثر الأمثلة الصريحة لهذا الشكل الساخر من البحث، هو ما نعيشه في عقلية تراثنا وشخصياته، إلى الدرجة التي لا تنتبه فيها تلك الأمة، بأن سخريتها من بعض التاريخ هو إدانة لأنفسهم. إن عدم الاعتراف بقوة الخصم وذهنيته المتقدة وشخصيته المؤثرة في التاريخ، تؤدي بالفكر إلى مراحل من الغباء والجهل.

في إحدى المقالات التي تتحدث عن عظمة الإسلام وروعته، تم ذِكر شخصية مسيلمة الكذاب، وكيف أهلكه الله لأنه ادعى النبوءة، والسخرية منه كشخص أبله وهزلي، وتم الاستشهاد ببعض ما وصلنا من التراث حول آياته التي ألفها.

طبعاً لم، ولن أتوقف عند تلك الآيات التي لم يصل إلينا منها سوى القليل، لذا لن نستطيع الحكم عليها، وغير مهم أساساً الحديث بها. لكن ما أريد التحدث عنه، هو فكرة بديهية تقول الآتي:

“إن كان مسيلمة، وهو بحسب متحذلقي الدين، شخصية هزليّة وبلهاء، فكيف استطاع ببلاهته والسخرية من هزليته أن يجمع في معركة اليمامة أربعين ألف شخص، منهم عشرات الآلاف من المسلمين المرتدين؟!”.

إن البحث العميق والتاريخي، والاعتراف بقوة الخصم أي خصم لا يضعف موقف الإنسان الفكري والتراثي، بل على العكس، السخرية منه وتحويله إلى قزم وتهميشه، يحول أصحاب الفكر إلى أقزام وتافهين وأغبياء.

إن كان أبله الجزيرة قد ألّف جيشاً من أربعين ألف، فهذا يعني أحد أمرين: إما أنه فعلاً شخصية مؤثرة في التاريخ، وهو أكثر ذكاء وحنكة عسكرية وعبقرية سياسية مما يُقال عنه، وإما أنه فعلاً أبله وبالتالي هذا يؤدي بنا قطعاً إلى السؤال الصريح والمشروع، ما هو هذا الدين وهذه الأمة الهشّة التي تجعل أبلهاً يقنع عشرات الآلاف بالعدول عن الله ودولته؟.

إن كان أبلهاً وشخصية هزلية واستطاع إقناع هذا العدد بذاته، فما هو الحال لو كان يمتلك قليلاً من الذكاء!، إذاً كان قد قضى على جذر الأمة. أي سخرية مضحكة في تبرير إدعائه بالنبوءة والتهكم عليه والسخرية منه بذلك الشكل!.

وبكلا الاحتمالين، نفهم كيف أن بعض باحثي الأديان والتراث أصحاب التوجهات الدينية الواضحة، هم عبارة عن مرددين حمقى ليسوا أكثر.

إن البحث العميق والتاريخي، والاعتراف بقوة الخصم (أي خصم) لا يضعف موقف الإنسان الفكري والتراثي، بل على العكس، السخرية منه وتحويله إلى قزم وتهميشه، يحول أصحاب الفكر إلى أقزام وتافهين وأغبياء. والمشكلة الأكبر أنهم يدينون أنفسهم بأسخف طريقة ممكنة وبديهية. إنها تطبيق واضح لمقولة “من فمك أدينك”.

مثال مسيلمة هو واحد من ملايين الأمثلة التي نخضع لها في بلادنا وطريقة رؤيتنا لها. إن الدفاع عما نؤمن به لا يتم بالرفض والسخرية والإقصاء، بل بالانفتاح الكلي على جميع الأفكار والغوص فيها إلى درجة الهذيان.

أمام هذه البديهية السابقة، يحق لنا الآن أن نطرح سؤال لجميع مفكري الدين، هل مسيلمة عبقري أم أبله!.

بالطبع سيكتفي المتدينون بالقول، أن البحث لن يغيّر شيئاً، لأننا اليوم مسلمون ومنتشرون (خوفاً من فتح التأويل الذي قد يؤدي إلى اكتشافات هم بغنى عنها)، وهذا صحيح على مستوى الكم، لكن يجب أن تنتبهوا أن النوع عندما لا يُنفض الغبار عنه، يسحق مع الزمن كل ما هو تحته.

لا وجود لحقيقة ثابتة، ولا يمكن التمسك بأي شيء فقط لأننا نريد ألا نخسر. عملية فتح ومناقشة أي فكرة مهما كانت بسيطة هي الطريق الوحيد لبناء بلاد وشخصيات وأفكار تستطيع أن يكون لها حضور كامل في الحياة.

دفاعكم الأحمق والبليد عن التراث بتلك الطريقة، كاكتفاء حالي لما تعيشونه، لن يزيدكم إلا انحدار نحو كهوف لا ترى النور، ويخلق من واقعنا أنماط أكثر تشدداً.

المسألة ليست فقط بمسيلمة أو بعض الشخصيات في التاريخ، بل بكل تراث وفكر جامد لا يخضع للتأويل. إنّ جاهزية القول والأفكار لدى البعض، تجعلنا عرضة للانتهاك وعدم القدرة على الدفاع عن أي شيء، إن كان تراث، أم فكر حر وليبرالي، أم حتى أنماط معلمنة.

لا وجود لحقيقة ثابتة، ولا يمكن التمسك بأي شيء فقط لأننا نريد ألا نخسر. عملية فتح ومناقشة أي فكرة مهما كانت بسيطة هي الطريق الوحيد لبناء بلاد وشخصيات وأفكار تستطيع أن يكون لها حضور كامل في الحياة.

والمعضلة الأساسية دائماً وأبداً في عقليتنا، هي رفض الآخر دون البحث فيه بعمق، والذي لا يؤدي إلا إلى رفض الذات وإدانتها بأسوأ طريقة ممكنة. نحتاج قليلاً من العقلانية للتحرر والانطلاق، الحرية لا تأتي إلا عن طريق العقل والتفكير والتحليل، وإن كان البعض يعتقد أن الحرية تتحقق بالشرط السياسي فقط، فهذا أحد أكبر الكوارث التي من الممكن أن تحصل لأمة ما.

السياسة قد تهيكل السلطة، لكن العقل هو من يهيكل المجتمع والفكر والدين والثقافة والأخلاق، وفي الدرجة الأولى الإنسان.

قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!