ما بعد فشل الاستراتيجية الروسية في إدلب

د. محمد عادل شوك

بدأت الأمور تتكشَّف في إدلب، معلنةً فشل الاستراتيجية الروسية، بعد تصعيد عسكري غير مسبوق فيها، قادته روسيا مع حلفائها في الملف السوريّ، دام لنحو شهرين، أسفر عن تشريد نصف مليون تحت أشجار الزيتون وعلى الحدود التركية، وهدم مئات المنازل، وتدمير البنى التحتية الخدمية، وخسائر زراعية تقدّر بملايين الدولارات.
تلك الاستراتيجية التي بنت عليها روسيا أحلامها في قضم مناطق المعارضة اعتمادًا على خارطة دبيب النمل، والإطاحة بالحلّ السياسي بعد فرض الحل العسكري، وجعله الخيار الوحيد على طاولة الحلول المرتقبة في الملف السوريّ.
غير عابئة بتعهداتها إلى الضامن والشريك التركي في اتفاقات سوتشي المنبثقة عن مسار أستانا، وضاربة عرض الحائط بتفاهمات جنيف أو القرار 2254، الذي كانت شريكة فيهما مع أمريكا، ودول الاتحاد الأوربي، وحتى مع الصين، شريكتها في مجلس الأمن.
إلاّ أنّ ما قلب الطاولة، وجعل بوتين يتعثّر، ويغوص على نحو غير مسبوق في مستنقع إدلب، هو إعلان تركيا بعد أكثر من اتصال على مستويات عليا، شملت وزارتي الدفاع والاستخبارات، وحتى الرئاسة، هو إحساس تركيا بأن بوتين ماضٍ في الحلّ العسكريّ على حساب الحلّ السياسي، وذلك بعدما عجز عن الانتقال إلى الحلّ السياسي الذي يريده، المتمحور حول إصلاحات دستورية، وعمليات تجميلية، تبقي العمود الفقري للنظام على حاله.
وجاء ذلك عقب اتصالات بين تركيا وأمريكا عبر الأبواب الخلفية، وبعد تراخٍ في التصعيد نحو إيران إثر انشغال إسرائيل بمشاكلها الداخلية عقب حلّ الكنيست نفسه، وعجز نتنياهو عن تشكيل حكومته.
وبعدما ظنّ أنّ انشغال تركيا بموضوع انتخابات الإعادة في بلدية إستنبول، قد يجعلها في وضع لا يعيق مسعاه بجعل ورقة إدلب خالصة له، ليرسم فيها شكل الحلّ الذي يريده دونما منغصات.

ظنّ الروس أنّ انشغال تركيا بموضوع انتخابات الإعادة في بلدية إستنبول، قد يجعلها في وضع لا يعيق مسعاه بجعل ورقة إدلب خالصة له، ليرسم فيها شكل الحلّ الذي يريده دونما منغصات

غير أنّ الأمور قد سارت على غير ما كان يشتهي، حيث ظهر حجم التنسيق بين الجانبين: التركي والأمريكي، في آلية إفشال مخططه، فكانت الإشارة الأمريكية واضحة في تدفق السلاح من غير تقييد، ولاسيما مضادات الدروع: التاو، والكونكورس، اللذين لم تعُد أمريكا تشترط إعادة الفوارغ منهما، لإعطاء دفعة أخرى عوضهما.
وقيام تركيا بحمل هيئة تحرير الشام على السماح لمعارضيها من مقاتلي الجبهة الوطنية، إلى جانب الجيش الوطني بالدخول بآلياتهم وأسلحتهم إلى خطوط الجبهة في ريف حماة الشمالي، وإحداث خرق غير متوقع عبر تنفيذ خطط عسكرية، فاجأت الروس والقوات المهاجمة، وجعلتهم في وضع دفاعي غير مريح، لينتقلوا بعدها إلى الهجوم في خواصر رخوة، واستنزاف الخصم بشكل فاق التوقعات على مستوى الأفراد والمعدات.
وهو الأمر الذي جعل موسكو غير سعيدة، وغير راضية عن النتائج الهزيلة لهذا التصعيد الذي كانت تعوّل عليه كثيرًا، ما جعل مسار أستانا وتفاهمات سوتشي في موت سريري، بانتظار إعلان وفاته رسميًا من خلال اقتناع الأطراف الثلاثة الضامنة لها بنفض يدها منه، والعودة إلى مساري جنيف والقرار 2254، وهو أمر لطالما سعى بوتين إلى الإفلات منه؛ كونه يشكّل خطوة في الشروع في حلّ الأزمة السورية، بناء على الرؤية الأمريكية والأوربية، وليس على رؤية روسيا وإيران.

يبدو مسار أستانا وتفاهمات سوتشي في موت سريري، بانتظار إعلان الوفاة رسميًا من خلال اقتناع الأطراف الثلاثة الضامنة لها بنفض يدها منه، والعودة إلى مساري جنيف والقرار 2254.

إنّ حرص بوتين على جعل تركيا قريبة منه، عبر التعاون الثنائي العسكري، المتمثِّل في صفقة S400، لم يكن ليحمل تركيا على التخلّي عن التنسيق الواضح مع أمريكا في الملف السوريّ، سواء في شرق الفرات أو إدلب، على الرغم من التباينات في الرؤية بينهما؛ وذلك إدراكًا من صانع القرار التركي أن روسيا تريد فرض رؤيتها في الحلّ تلاقيًا مع المسعى الإيراني، وذلك مباينٌ تمامًا للرؤية التركية الأقرب إلى الرؤية الأمريكية والأوربية.
وبناء عليه فإنّه من المتوقّع في وقت غير بعيد، أن تقوم روسيا بالسعي إلى طاولة جديدة، تحمل معها أفكارًا، لم تكن ترغب فيها من قبل، تتمثّل بوقف للقتال “دائم، أو شبه دائم”، يؤسس للسير في خطوات الحلّ السياسي المؤجّل.
وهو أمر بدأ المراقبون يرونه من خلال إلحاحها للذهاب إلى مجلس الأمن، بعد أن كانت هي المعرقل حتى لصدور بيان رئاسيّ عنه، لا يحمل أكثر من عبارات التنديد والشجب لما تفعله هناك.
وظهور الوزير لافروف يوم الإثنين: 03‏/06‏/الجاري، داعيًا إلى حلّ عاجل للأزمة السورية في المؤتمر الصحفي المشترك، عقده مع نظيره الكولومبي كارلوس تروهيليو، في العاصمة موسكو.
وهم يرون أيضًا أنّ الأمور ستتجه إلى اجتراح حلول، ربما تغيّر كثيرًا من شكل الخارطة في الملف السوريّ، وابتداءً من شكلها على المستوى المحليّ في إدلب.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل