الأبوذيّة

أشكال الأغنية الشعبية في سوريا (5)

الأيام السورية؛ سلام محمد

تعد الأغنية الشعبية قصيدة غنائية، يتداولها الناس في الوسط الشعبي، ويتوارثونها في مناسباتهم الاجتماعية.

وتأخذ الأغنية الشعبية لونها الخاص، بحسب المنطقة التي تظهر فيها، لكنها تنتقل، كما كل التراث الشفوي، من مكان إلى آخر، فيضيف الموقع الجديد نكهته الخاصة عليها، ولكن البنية الأساسية تبقى هي المسيطرة، وذلك على مرّ الأزمان.

والأغاني الشعبية وثائق اجتماعية على قدر كبير من الأهمية، لأنها تصور عادات الناس وتقاليدهم في المناسبات، فرحاً أو حزناً، كما تقوم بدورها الفني والجمالي في حياة المجتمع.

ويعكس الإرث الموسيقي لسوريا تاريخا حيا، وثقافات متنوعة تتجاوز السياسات والحروب الراهنة، فهذا البلد العريق ربما أعطى العالم أولى أغنياته، ويزخر التراث الشعبي السوري بأشكال كثيرة ومتعددة من القول الغنائي الشفاهي، والتي ما زالت مستمرة في حناجر الناس، مغنين وسامعين.

سوف نقوم في سلسلة مقالات بالتعريف بهذه الأشكال، من حيث التاريخية، ومكان الانتشار، وكذلك من حيث بنيتها الفنية، وذكر الأمثلة والنماذج عن هذه الأشكال الغنائية.

7- الأبوذيّة

الأبوذية نوع من الشعر العامي يتبارى في نظمه وغنائه الشعراء، وشاع عند بعض أهل البادية في شبه الجزيرة العربية، وفي العراق، وامتدّ على ضفاف الفرات في الجزيرة السورية.

معنى الكلمة

كلمة الأبوذية هي كلمة مركبة من ”أبو” بمعنى ”ذو” أو ”صاحب” وكلمة ”ذيّة”، وهي تخفيف ل ”أذّية”، ومعناها: ”صاحب الأذيّة”، وسبب ذلك أنه ينظم غالبا، عندما تكون العواطف متأثرة متوجّعة، وأكثر ما يستخدم هذا اللون في الغزل، وفيه يعبر الشاعر عن آلام العشق وعذاباته من صدود وهجران وتمنّع.

وقلما يخلو مهرجان من المهرجانات التي يقيمها أهل البادية منه سواء في أفراحهم أو أحزانهم، وأنسهم وطربهم، وأيام بأسهم وسرورهم. فينطلقون بتلك اللهجة التي يصفقون لها، ويطربون على نغمات موقعها، وما تبعثه في النفوس من البهجة والانشراح هذا الفن الشعري هو “الأبوذية”

نظم الأبوذية

الأبوذيّة رباعيات تنظم في الغالب على بحر الوافر: مفاعلتن    مفاعلتن    فعولن، ويتألف الدور أو البيت فيها من أربعة أشطر؛ الثلاثة الأولى لها قافية واحدة ومجنّسة، وقافية الشطر الرابع تنتهي بالمقطع ”يّة”.

من مثل:

أهلا يا نسيم الريح يا الماس

على الي شبهوا خده بالورد بالماس

الورد يذبل يصاحب حين يلماس

وذا مهما تقبله احتمر ميّه

وفي علم البديع العربي للجناس نوعان:

الجناس التام؛ وهو ما اتفق اللفظان فيه بنوع الحروف ووزنها وعددها وترتيبها،

والجناس الناقص؛ وهو ما اختلف فيه اللفظان في واحد من الأمور الثلاثة المذكورة في التام، وهي الوزن والعدد والترتيب.

أما إذا اتحدت الكلمات الأخيرة في اللفظ والمعنى في الأبوذية فتكون القافية مركوبة والبيت مركوب، والشطر الرابع من الأبوذية ينتهي بياء مشددة تليها هاء مهملة وتسمى (القفلة).

العناصر الغنائية

لابد أن تتوفّر في الأبوذية عناصر غنائية ليتحقق التكامل الفني من مثل:

1- المفاجأة والإدهاش مع شيء من الغموض الفني

2- موسيقا لفظية (خارجية)

3- موسيقا المعنى (داخلية) والتي تنشأ من التضاد

أنواع الأبوذية

الأبوذية من حيث الابتكار والتقليد نوعان:

1 ـ مطلقة؛ وهي ما كان معناها مبتكراً؛ أي الكلمة الأخيرة فيها، ابتكرها الشاعر وكتب عليها الأبوذية.

2 ـ مقيدة؛ وهي ما كان معناها مأخوذ من نظم يسبقها كبيت شعر أو آية قرآنية أو حديث.

والأبوذية؛ تستعمل في مختلف الأغراض، في الغزل، والمدح، والهجاء، والرثاء، والفخر، والتوجع، والحكم، والأمثال، والمراسلات، والعتاب، والحماسة، والنصائح، والوصف، والمداعبات، والحب، والشماتة، والمنادمة، والفراق، والترحيب وغير ذلك من الأمور.

من أمثلتها في التوجع:

عمر ما كفّى لهمومي ولاسن

أكاون بالدهر وحدي والاسن

مشت الأيام ما ظلّي ولاسن

ولا عين البقت تبجي عليّه

ومن أمثلتها في العشق وآلام المحبّين:

خل عيني تسيل بهواها ما دم

حزينة واللي يسرها أوياي مادام

مالخنسا بونيني عليك ما دم

ولا حوّا ولا البو عامريّة

هناك أنواع لهذا النمط الشعري منها على سبيل المثال لا الحصر:

“الأبوذية المطرّزة” وفن التطريز في الشعر يقصد به بدء الأشطر بأحرف اسم معين كاسم الحبيبة أو الصديق أو ما شابه، كما في هذا المثال المطرّز باسم “عبير”:

ع: على لون الورد خدك تعالى

ب: بدر فوق النجم كلها تعالى

ي: ينادي خافقي المولى تعالى

ر: رجائي يصونه من شر الأذية

و”الأبوذية المدوّرة” وهي التي يكون المعنى بالشطر الثالث غير واضح ويكمله الشطر الرابع، من مثل:

يهل كلما يمر طيفك أهلى

عزيز وما بقى غيرك أهل لي

بعد كل ذاك المفارق أهل لي؟

ثواني لشوفتك قبل المنيّة

و”المذيلة “، وهي التي تنظم من أربعة أشطر يكون بين الشطرين الأوّلين موقع وبعد ذلك يأتي الشطران الأخيران كما في المثال:

جمن سره بوسط كلبي……… ولك شاف 

وتلف كلمن نظر حسنك …… ولك شاف 

الك صدر صحن مرمر 

الك بطن الخشف مضمر

الك عـز البـدر تزهـر 

الك جسـم لفـــظ ليلـو …. ولك شاف 

حجر ياقوت مخزن للمنية 

وهذا نموذج آخر من الابوذية المذيلة: 

بطارش بشر بجثلوم عدلة 

وهمي ما تشيلة زما العدلة 

سمحته خدود 

بيضته زنود 

روطة بان

يا أخوان جتف وردف عدلة 

سليمة من عذاب الردية

وهناك نوع آخر من الأبوذية يسمى “بالأبوذية المؤرخة” وهي التي تؤرخ لحادث معين، فرحا كان أم حزنا، وهنا مثال لرجل يؤرخ لحريق داره:

كلوب الناس ما طهرن وسبحان 

الليالي امن ضوراي الند وسبحان 

بسنة ألف وثلثماية وسبحان

دهري بصفر وشب ناره عليه

وكثيرا ما نجد في الأبوذية اتكاء على شعر الفصحى في مضمون النص في تناص يشير إلى المخزون المعرفي في وجدان شعرائها من مثل:

أنا لاجلك اعدادي ماشيت

ولا بكلمة لساني عليك ماشيت

فؤادك نقلو بالهوى ماشيت

النفس لأول حبيب تمل هيّه

حيث الاستناد إلى بيت أبي تمام الطائي الشهير

نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى        ما الحبّ إلا للحبيب الأول

الأبوذية تعتبر فولكلور شعبي ريفي

لابدّ من القول؛ إنّ الأبوذية تعتبر من أغاني الفولكلور الشعبي الريفي؛ لأنها نشأت أصلاً في القرى والأرياف والمدن الصغيرة، وكانت تُغنّى في فترات الاستراحة بعد الإنهاك في العمل بقصد التسلية وبعث النشاط في الأجساد، ولا تكاد تنحصر نغماتها في مقام معين، وإن كان أكثر عتمادها على مقامات: الحجاز، البيات، العجم.

كما تعتبر مادة للمواسم الاحتفالية؛ كالأعياد، والمواليد، والمناسبات، والأعمال التي تتطلب جهداً عضلياً كالرعي والأسفار النهرية والسير الطويل، وانتقلت إلى المدينة فاكتسبت إبداعاً ومعانٍ جديدة، نظراً لتأثّره بفنون الثقافة والمجتمع الحضري في المدن الرئيسة.

أمثلة عن الأبوذية

 

مصدر محمد الخالدي، الشعر الشعبي العربي في دراسة مقارنة عبد الفتاح قلعة جي، دراسات ونصوص في الشعر الشعبي الغنائي، الهيئة السورية للكتاب
قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل