تناقضية الحياة والوصول إلى حد الخلاص بالانتحار

0
الأيام السورية؛ علي الأعرج

في عام 1952، أخرج تشارلي شابلن فيلمه أضواء المسرح Limelight، وفيه يتحدث عن شخصية ممثل كوميدي يُدعى كاليفيرو، شبه متسكع ويعمل في المسارح، ومنذ بداية الفيلم، يعود كاليفيرو صباحاً إلى منزله وهو ثمل، فيشعر برائحة غاز تتسرب من البناء الذي يقطنه. في تلك اللحظة يكسر باب جارته الشابة، راقصة الباليه، تيريزا، وينقذها بعد محاولتها الانتحار.

وخلال ساعتين من الفيلم، تدور حوارات عديدة بينهما، وفي أحد تلك الحوارات، يقول كاليفيرو، رداً على تبرير جارته بمحاولة الانتحار: عيشي دون أمل، عيشي من أجل اللحظة.

الفيلم بأكمله خلق في داخلي مجموعة من التساؤلات التي بُنيت على حواراته. كيف يمكن أن نعيش دون أمل، وما هو المعنى من الحياة؟ وآلية ممارسة تلك الحياة!.

حوارات شابلن وطروحاته، جعلتني أعيد النظر في مفهوم التساؤل الفلسفي الذي يمارسه كل إنسان وهو محاولة الإجابة عما يريده من الحياة، وكيف تمت عملية تحويل الفلسفة إلى عنصر فارغ في لعبة السيطرة السياسية، وكيف يتم تحويل تفكيرنا إلى هذيان أكثر منه لتغير الواقع.

يقول شابلن في الفيلم أيضاً رداً على كلام تيريزا بأنها لا تجد أي معنى في الحياة: “الحياة عبارة عن رغبة، وليست معنى”.

رؤيا شابلن، جعلتني أعود قليلاً إلى سؤال بديهي، وهو كيف نمارس حيواتنا؟ ولماذا نستمر في الصراع لإيجاد الذات أو إيجاد الآخرين؟. المسألة ببساطة أننا كبشر، ما زلنا نعتقد بأننا نمارس الرغبة، لكننا لا نمارس سوى المعنى.

كيف نمارس حيواتنا؟ ولماذا نستمر في الصراع لإيجاد الذات أو إيجاد الآخرين؟. المسألة ببساطة أننا كبشر، ما زلنا نعتقد بأننا نمارس الرغبة، لكننا لا نمارس سوى المعنى.

مثلاً نحن نمارس الحريات أو نسعى إليها، ليست كرغبة في انتمائنا العفوي للطبيعة التي منها وجدنا، بل كمعنى لنحدد آليات إنتاجنا على مستوى العالم الاستهلاكي، تحديد قيمتنا، أو بالمعنى الفج “تسعيرتنا الاقتصادية في العالم”. وحتى نحن نؤمن بالميتافيزيقيا (الميتافيزيقيا ليست بالضرورة إله، فحتى الحلم يمكن اعتباره ميتافيزيقيا) لأنه يحدد معيارنا وقيمتنا في الحياة وفي الخلود، عملية تسليع الذهن والتفكير لإعطاء معنى للمستقبل المجهول. وحتى عندما نحب ونعشق، لا لأننا نندفع باتجاه إحساسنا الغريزي بالمتعة، بل بالبحث عما نريده لتشكيل المعنى الإنتاجي للذات مع الآخرين لتفعيل القيمة وتحديد معنى وجودنا واستمراره.

الإنسان بطبيعته غير مدرك لهذا الكم الهائل من التفاصيل في مفهوم الرغبة والمعنى، برغم كل التعريفات العلمية الحديثة للوجود الإنساني، بأننا الكائنات الوحيدة التي تمتلك العملية العقلية التي تعطي معنى للأشياء. إننا نمارس المعاني دون الرغبة، حتى وإن تجلت في ظاهرها كرغبات. الجنس والطعام والحركة، (كصور فطرية للطبيعة)، لا ننفذها كاندفاع بل كبحث عن تحديد القيمة وتسليعها.

تيريزا عندما حاولت الانتحار في الفيلم حيث لم تعد تجد معنى، لأنها لم تمارس الحياة كرغبة.

نستطيع أن نفهم جانب مهم لتطور فكرة الانتحار بوجود المعاني، فكلما أصبحت المعاني أعقد على التحقق كلما اتسعت دائرة الموتى. والمشكلة الأكبر أن تحقيق المعاني لا يكون في فاعليتها كترابط ثنائي مع الرغبات، بل في فعلها المجرد والوحيد فقط، هو أن تحصل من أجل تحديد القيمة.

فعندما نمارس الحريات وتحقيقها السياسي والاجتماعي أو ممارسة الميتافيزيقيا والحب، فنحن نمارس الآلية المادية التي تُنتج وتوسّع الدائرة الاستهلاكية والاستعبادية وليست الرغبة الذاتية، وهذا جوهر فقدان السعادة رغم توفر مكملات الحياة، لا نشعر بالسعادة بسبب عدم ممارستنا للرغبة التي هي جوهر الطبيعة الإنسانية، بل نمارس المعنى المعقد عنها، تأليهه أو تفلسفه، وهو ما يزيد من تشابك التطور وما نسميه الحضارة وصراعها الاختلافي للثقافة والحياة مع الآخر، وبالتالي يصبح البحث عن معنى الوجود والقيمة حاصل طبيعي لينتج عنه موت مضاعف واستغلالي وهاوية كبرى كالتي نعيشها اليوم.

إنّ ممارستنا البشرية لإنتاج المعاني، وربطها مع السلوك، وليس إنتاج المعاني ذهنياً وانسلاخها عن السلوك، يؤدي إلى تعميق أزمة الهوية واكتشاف أهمية وجودنا تحت سماء الحضارة

هل يمكن أن يكون الحل بالتخلي عن إيجاد المعنى والانطلاق العفوي لتحقيق رغبة الحياة!.

هذه نقطة جائزة، لكن النقطة الأكثر إثارة هي محاولة الفصل بين ما هو اكتشافي للمعاني كتفكير مجرد، وممارسة الرغبة المطلقة دون تحديدها بمعنى.

لنأت بمثال بسيط. قد نجد مئة من مليون بروفيسور أصحاب كاريزمات ثقافية وعلمية، يخفون فرحهم العفوي ورغبتهم بالرقص في الشارع. المئة قد يرقصون، لكن الباقي سيحافظون على الكاريزما المطلقة للحالة العلمية. عدم الرقص ببساطة هو تجذير المعنى الذي أوجدته الآلية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المتحكمة بحيوات هؤلاء العلماء، أما العشرة فهم الخاسرون في آليات إنتاجية لا تقبل الأفعال الدراماتيكية، الأكثر علاقة مع الرغبات الفطرية، وتعبيراتها العفوية بالفرح والضحك والهياج، رغم أنهم لم يتوقفوا عن إنتاج المعاني بالمستوى الفكري المجرد.

هذا المثال البسيط نستطيع قياسه على ملايين الأمثلة والأفعال الأخرى.

إنّ ممارستنا البشرية لإنتاج المعاني، وربطها مع السلوك، وليس إنتاج المعاني ذهنياً وانسلاخها عن السلوك، يؤدي إلى تعميق أزمة الهوية واكتشاف أهمية وجودنا تحت سماء الحضارة. ما نحتاجه ممارسة وسلخ المعنى المجرد من الفعل السلوكي. يمكن أن ننتج ملايين من المعاني دون أن نتخذها سلوكاً لحيواتنا، أن نمارس الحياة كرغبات عفوية مرتبطة بعالم الطبيعة دون أن نعطيها عمق المعنى الذي من المفترض أن يكون مسألة تفلسفية، تؤثر في تغيير الواقع دون تقييدنا.

فأن نعيش المعاني وليس الرغبات سينمي في داخلنا تناقضية الحياة وبالتالي وصولنا إلى حد الخلاص بالانتحار.

قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!