جدار زيمبابوي العظمى: الأطلال التي أخافت المستعمرين

جدران الفصل (6)

الأيام السورية؛ سلام محمد

تقديم

لا تهدف هذه السلسلة من المقالات إلى التعريف بجدران الفصل بين البشر في العصور القديمة والمعاصرة بشكل عام؛ بل هدفها استحضار أشهر الجدران التي أقيمت لغايات متعددة، وتتجلّى وظائفها في تحقيق غايات لا عنفية.

بمعنى أنها ليست استراتيجية حربية في النزاعات المسلحة فقط، بل إنها تبنى حيث لم تستطع الحرب وكذلك جهود السلام إيجاد حل للصراع بين طرفين متنازعين، فتغدو بذلك قوة ردع أكثر منها قوة دفاع، وبالتالي فإننا نجد تصنيفها عند الكثير من الخبراء بوصفها قوة ناعمة.

وقد بات معروفاّ أنّ الحرب الحديثة قد خففت من تلك الجدران العنفية كوسائل فاعلة في النزاعات المسلحة، بينما جدران الفصل، رغم أن القانون الدولي والميثاق الدولي لحقوق الإنسان ببنود كثيرة يعدان ذلك خرقا كبيرا، ماتزال تتزايد سواء بإنشائها أو الدعوات المروجة لها، مثل ما يقوم به الآن رئيس الولايات المتحدة “دولاند ترامب” من حيث إصراره على بناء الجدار الفاصل بين الولايات المتحدة والمكسيك لمنع تدفق المهاجرين إلى الولايات المتحدة، ومن حيث دعوته حكومة إسبانيا لبناء جدار عازل في الصحراء الكبرى لمنع أمواج الهجرة الواسعة إلى إسبانيا.

وفي هذه المقالات، سنقوم بتسليط الضوء على أشهر جدران الفصل (العزل) قديما وحديثا، والتي أقيمت بين طرفين يختلفان بالواقع التاريخي اقتصاديّاً، أو اجتماعيّاً، أو سياسيّاً، أو فكريّاً، أو اثنيّا، وذلك من خلال التعريف باسم الجدار وبالأقوام الذين هم على طرفيه، وكذلك التعرف على مكانه وزمانه، والوقوف على أسباب بنائه ومآلات الفصل.

6/ جدار زيمبابوي العظمى: الأطلال التي أخافت المستعمرين
زيمبابوي العظمى، هي مدينة مهجورة كانت في يوم ما عاصمة مملكة زيمبابوي، والتي قامت من عام 1100 حتى 1450 في أثناء العصر الحديدي للبلاد. بدأ بناء المدينة لأول مرة في القرن الحادي عشر، واستمر البناء حتى القرن الرابع عشر.

شعب البانتو

جدار زيمبابوي العظمى -المصدر: أراجيك

بنيت الأسوار على يد شعب البانتو، وذلك للفصل بين منازل أصحاب السلطة والثروة ومنازل عامة الشعب، ويمتد الجدار على نحو 250 متراً ويرتفع نحو 11 متراً، يضم الجدار حالياً بعض الآثار والأطلال القديمة المتبقية من مدينة زيمبابوي القديمة.

في زيمبابوي، تبدو الجدران عبارة عن مجمع من أنقاض الحجارة التي انتشرت على مساحة واسعة في العصر الحديث، وحجمها عظيم، ويتميز الموقع بالعديد من مئات الأنقاض الصغيرة، والتي عرفت باسم زمبابوي، وانتشرت في جميع أنحاء البلاد، وقد بنى هذه الجدران شعب البانتو الأصليين، وبدأوا البناء في القرن ال11، واستمر لأكثر من 300 سنة، وفي ذروتها، تشير التقديرات إلى أن زيمبابوي العظيمة كانت تضم ما لا يقل عن 18،000 نسمة، ويصل طول هذه الجدران العالية إلى 11 مترا (36 قدما) وتمتد إلى ما يقرب من 250 متر (820 قدم)، مما يجعلها أكبر هيكل قديم موجود في جنوب الصحراء الكبرى، لذلك يعتبر من أشهر جدران العالم.

انتصبت هذه الجدران الرمادية كالأشباح خالية وسط السهول العالية من جنوب إفريقيا طوال عدة قرون سبقت وصول أول المستعمرين البيض إليها.
وأطلقت شعوب الشونا الإفريقية التي سكنت حول هذه الأطلال تسمية زيمبابوي عليها، أو ما يعني البيوت المقدسة.
ولكنها لا تقدم للغرباء أي فكرة عن الثقافة الغامضة الضائعة التي ازدهرت هناك.

سردية المستعمر

ادعى المستعمرون الذي أقاموا في هذه الأراضي الإفريقية أن المدينة العظيمة تتحدث عن حضارة أمة بيضاء قديمة شعّت وأنارت ما حولها قبل أن ترحل منذ آلاف السنين، تحدث البعض عن احتواء هذه الجدران لقصر ملكة سبأ التي وردت في الكتب السماوية، واعتبرها البعض من صنع الفينيقيين في أثناء ملاحتهم جنوبا من الأبيض المتوسط قبل آلاف السنين من التقويم الميلادي.

ولكن زيمبابوي الكبرى لم تكن أيا من هذه الاحتمالات. لقد انتصبت في قلب الثقافة الإفريقية المزدهرة، تجذب التجار من مناطق بعيدة كالصين، فكانت موطنا للفنانين المهرة وحفاري التماثيل.

ولكن المستعمرون العنصريون حاولوا الانتصار لغرورهم فنهبوا ميراث المدينة، وسلبوا آثارها. ومع ذلك ما زالت زيمبابوي الكبرى منتصبة تفخر بميراثها ومكانتها التاريخية الهامة.

يمكن القول من وجهة النظر العلمية، أن زيمبابوي الكبرى هي؛ أكثر الأماكن الأثرية عرضة للانتهاك في العالم، وقد تعرضت بوضوح تام التأويل و¥المقصود إلى جانب التدمير الفعلي على أيدي المستعمرين الذين عملوا هناك في بداية القرن.

الموقع

جدار زيمبابوي العظمى -المصدر: ريفولفي

تقع آثار زيمبابوي الكبرى المدهشة رغم كل ما أصابها، في أعلى واد جبلي على مسافة مائتي ميل إلى الجنوب من مدينة هراري عاصمة زيمبابوي.
تمتد هذه الجدران على طول ألف وثمانمائة أكر، لتعتبر أكبر كتلة من الجدران والأبراج التي شيدت من الغرانيت المحلي، وأطولها على الإطلاق في مناطق القارة الواقعة إلى الجنوب من الصحراء الكبرى.

يقول مايكل بيسون: البارز في هذا البنيان الجميل هو أنه شيد بجدران من الصخور الجافة ودون اللجوء لاستعمال الملاط، كما أنها رفعت على ما يبدو بدون خريطة عمرانية مسبقة. وقد رفعت صروحها إلى حد ما على طريقة الكاتدرائيات الأوروبية، عبر قوة عمل تعتمد على تصميم مرسوم في رأسها وليس على الورق.

لا شك أن بناء هذه الجدران المتألقة يحتاج إلى مهارات عالية. ولكن عندما حاصر البرتغاليون رأس الرجاء الصالح لأول مرة عام ألف وأربعمائة وثمانية وثمانين، كانت المدينة فارغة. وهكذا بقي الغرباء يجهلون هوية بنّائي المدينة لمئات السنين.

وصول أول المستعمرين

سمع البرتغاليون من التجار عن مدينة أسطورية مهجورة في الداخل. اعتقد الأوروبيون حينها أن هذه الشائعات تنطبق على المدينة الأسطورية لملكة سبأ، وقد خلت بعد زيارتها إلى سليمان الحكيم.

مضت أربعمائة عام أخرى قبل أن يصل أول المستعمرين الأوربيين إلى زيمبابوي الكبرى، وذلك حين توجه إليها الجيولوجي الألماني كارل ماوتش، الذي أصر على التشابه بينها وبين النصوص القديمة.

كتب ماوتش يقول: لا أعتقد أني على خطأ إذا افترضت أن الأطلال التي فوق الجبل هي نسخة عن معبد سليمان، والمبنى الذي في السهم هو نسخة عن القصر الذي عاشت فيه ملكة سبأ في أثناء زيارتها ل سليمان الحكيم.

وصل أولا صيادو الحيوانات الكبرى عام ألف وثمانمائة وثمانون. وأخذوا معهم اللوحات الصخرية التي حفرت عليها صورا للحيوانات والطيور الغريبة، رغم احتجاج السكان المحليين.

بعد ذلك بعقد واحد وصلت حملة تدميرية أكبر، تألفت من صيادي الكنوز والمستعمرين الإنجليز ممن يدفعهم حلم العثور على الذهب الإفريقي المتدفق عبر نهر ليمبوبو، داخل أراضي الشونا.
كان الرأس المدبر لهذه الحملة الاستعمارية هو سيسيل روديس، الذي أصر على إثبات النظرية القائلة بأن زيمبابوي الكبرى كانت عاصمة لحضارة فينيقية قديمة.

وقد فعل ذلك تبريرا لإقامة مستعمرة غريبة في هذه المنطقة، إلى جانب تبرير استخدام الأفارقة كأيد عاملة رخيصة في المناجم، التي كانت هدفه الأساسي للتحكم بمناجم الذهب الرئيسية في المنطقة.

أول شعوب تستقر في زيمبابوي

جدار زيمبابوي العظمى -المصدر: المرسال

كانت أول شعوب تستقر في زيمبابوي الكبرى من رعاة البقر، الذين وصلوا إلى هناك حوالي عام 350 ميلادي. شدتهم إلى هناك المراعي الغنية وطيبة المناخ وخلو الأراضي من ذبابة تستسي التي أصابت قطعان الأراضي الإفريقية المنخفضة بمرض النعاس.

السبب الذي جعل زيمبابوي الكبرى تتحول إلى تجمع سكني هائل هو حجم الثروات التي جمعتها من وفرة القطعان. هناك عدة إثباتات تؤكد بأن سكان زيمبابوي الكبرى كانوا يملكون قطعان هائلة استخدمت في البداية للتجارة المحلية، التي ساعدت ثرواتها على ازدهار التجارة العالمية على الساحل الشرقي.

الشعوب التي استقرت واستغلت هذه المناطق الغنية هي من أجداد شعوب شونا الحالية المقيمة في زيمبابوي، الذين شيدوا منازل لهم من الطين والخشب داخل وخارج أسوار مدينتهم المتنامية.

صناعة الفخاريات

الفخاريات التي صنعت في عصر زيمبابوي الكبرى هي نفسها التي تصنع اليوم على أيدي شعوب الشونا. هذا ما يقدم لنا أدلة مباشرة تثبت أنها شيدت على أيدي أجداد الشونا. سكن الموقع الأثري لأول مرة عام 900ميلادي، ولم تكن مبنية بالحجارة، ثم شيدت بالحجارة عام 1100م، وقد استمر البناء بالنمو حتى عام 1450م حيث نما من مجرد قرية صغيرة إلى مركز سكني هائل.
عام ألف وثلاثمائة، حين كانت أوروبا تقترب من نهاية العصور الوسطى، أخذ كبار البنائين في زيمبابوي الكبرى يعملون على إنجاز أطول الصروح عمرا هناك، وهو الجدار الكبير. يعود هذا البناء إلى فترة أحدث من آثار الجبل، وهو يشهد على الثقة والبراعة التي ميزت تلك الثقافة المزدهرة.

تتخذ غالبية الممرات المؤدية إلى أعلى الجبل مثلا شكل دائري. أما في الوادي والجدار الكبير فعادة ما تعثر على مداخل مربعة. وكثيرا ما تجد العديد من الأبراج المخروطية، ضمن الجدار الكبير وآثار الوادي. أعتقد أن هذا النمو العمراني قد سجل لاحقا، حين أضيفت أشياء جديدة بمهارات متطورة. أصبحوا الآن قادرين على القيام بأشياء كانوا يعجزون عنها في الجبل. هذا ما يمكن أن نراه في الأبراج المخروطية كما قلت، إلى جانب القواعد التي أصبحت متشابكة مع بعضها البعض. يمكن أن نرى تطورا جديدا في السياج الكبير، يكمن في فكرة الديكور. أصبح الديكور أكثر تطلبا يعتمد على الحلية الشارية العادية والمضاعفة، في مؤخرة السياج الأكبر.

السياحة

جدار زيمبابوي العظمى -المصدر: بلوك سبوت

يقوم سنويا عشرون ألف سائح بزيارة زيمبابوي الكبرى، محاولين تملك جزء من ميراث المدينة الغني. يؤدي تجوالهم بين الحجارة وفوقها إلى ترك أثر سلبي على الجدران التاريخية القديمة. طلب القائمون على العناية بهذا المعلم التاريخي مؤخرا مساعدة التكنولوجيا الحديثة لحماية إنجاز البناءين الذين ماتوا منذ زمن بعيد. يتم اليوم في غالبية المناطق الضعيفة وضع إشارة على حجارة الأسطح وإدخالها إلى الكمبيوتر، وهكذا عند انهيار الجدران سيتمكن البرنامج العمراني المتقدم من إعادة بنائه بصعوبة أقل.

يتولى بيرزيك دوبي فحص الجدران بحثا عن علامات لأي إخفاق في البنية، ليتم تصنيفه ضمن ثلاثة مستويات من الضعف.

تصنف الجدران المنهارة عاديا بحرف ال “ب”، وتحمل حرف “ر” تلك الجدران الصغيرة التي لا نواجه المشاكل معها، ولكن جدران بي عادة ما تنهار لأن التماسك فيما بينها أصبح غائبا، كما أنها ليست على مستوى من جودة جدران كيو مثلا.

تنتصب زيمبابوي الكبرى في قلب القارة الإفريقية، حيث تشكل صرحا لعظمة الحضارة الإفريقية التي ازدهرت، حين كانت أوروبا أسيرة الظلام. سوف تحمل هذه المدينة إلى الأبد ندوب الجهل ونجوب العنصرية، ولكن أحدا لن ينكر بعد اليوم أصولها الإفريقية الحقيقية وإبداع شعبها العظيم.

مصدر حضارة زيمبابوي نبيل خليل
قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل