يا شعوب العالم تسكّعوا بصمت

الأيام السورية؛ علي الأعرج

عندما تمّت الإطاحة بالبشير، واستلم المجلس العسكري زمام الأمور، بعض الناس من أصحاب التجربة السياسية التاريخية، لم يشعروا كثيراً بالراحة، لعدم ثقتهم بالعسكر، وكان رأيهم أن السودان لها المصير نفسه لما جرى في الثورات العربية الأخرى. بطبيعة الحال، العسكر كريهين، حتى وإن كانوا وطنيين. الكاريزما العامة لهم تفوح بالعنجهية والتصدّر الدفاعي عن الوطن، وكأن ما يمارسونه في هذه المؤسسة يتعاملون به كتفضيل على الناس وليس قاعدة وقانون المؤسسة نفسها.

ذلك التخوّف كان نابعاً من آراء، بأن العسكر سيحاولون أن يلتفّوا على سلمية التظاهر في السودان، وتخضع تلك البلاد من جديد لحكم الحديد والدم. وبنسبة كبيرة، آراء أولئك السياسيين محقة، فالعسكر لا يمكن الوثوق بهم.

شخصياً لست سياسياً، ولا أحب هذه النوعية من الأفكار التي تنتهك كل قيمة ممكنة، هذا إضافة إلى أني شخص يُوصف، ذو أفكار طوباوية، لكن في ذلك الجدل حول مسألة السودان، طرحت رأياً أثار ضحك السياسيين، حتى أن البعض اعتبره بلاهة منقطعة النظير. كانت وجهة نظري تقول باختصار: “لا المجلس العسكري ولا كل قوة وسلطة في العالم يمكن أن تلتفّ على حراك سلمي، بشرط أن تبقى الناس في الشارع. لا أحد يغادر الشارع. إضراب شامل تُشل فيه حركة البلاد الاقتصادية، حتى تتحقق شروط الحرية والدولة المدنية. وحتى عندما تتحقق يجب أن يبقى الشارع ممتلئاً بالناس”.

ضحك البعض من الرأي كان نابعاً من بديهية، أن الناس لهم حياتهم وأعمالهم ومستقبلهم، فلا يمكن أن يبقى الشارع ممتلئاً.

رغم منطقية ما قيل، لكني لم أقتنع. لأنه ببساطة، الثورة إن لم تحمل جذر التسكّع فستموت. لكن بالضبط ما المقصود بالتسكّع!.

لنأخذ مثال سوريا ولنفترض بعض الطوباويات التي لم تحصل، ومن ثم نحاول تطبيقها على كل شعوب العالم البائسة، إن كانت ثائرة أم ما زالت تختمر. هذه الطوباوية التي تعتمد قاعدة أساسية، بأننا لا نريد بعد الآن أن نكون عبيداً بطريقة حديثة.

عندما تمتلك شعوب العالم فكرة الثورات، وتحمل في طياتها أسلوبية التسكّع الصامت، فهم يبدأون بإجبار أعتى الأنظمة في العالم على الرضوخ، سيجبرون جميع سلطات العالم أن يتحولوا إلى ماسحي أحذية بكائيين

لو أن السوريين لم يتظاهروا ويهتفوا، واكتفوا بالصمت والجلوس في الشوارع ليلاً ونهاراً كمتسكعين يدخنون ويشربون القهوة بعض الأسابيع، ولم يذهبوا إلى أعمالهم. الذي سيجري أن أصحاب المؤسسات الاقتصادية الكبرى سينتابهم هواجس من الجنون وعدم التصديق، وبأن الأرق سيكون حليف السياسيين لأن الأمور ستبدأ بالخروج عن سيطرتهم، وبأن كل دول العالم التي دعمت عسكرياً لتصريف أسلحتها وتمرير مشاريعهم على حساب الشعب السوري، لن يجدوا طريقاً إليهم.

ببساطة؛ ستُشلّ حركة البلاد الاقتصادية، وسترتفع معدلات البطالة، وقد يرى بعض السياسيين أننا كحضارة وتمدن سنعود ألف عام للوراء، وربما أكثر، إلى مرحلة الطبيعة الأولى، وربما ترتفع اللصوصية في البلاد من أجل الطعام، لكن أيهما أفضل، بطالة اختيارية أم إجبارية! وأيهما أحسن حالاً، لصوصية أم قتل! وما الضير بالعودة للطبيعة الأولى!.

إن خيّروا أحداً بأن يعيش بين الأشجار وتحت الشمس وأمام البحر، وبين أن يعيش في منزل جيد وعمل روتيني منتظم وفي عالم يمتاز بالسرعة الكونية، فأيهما سيختار!. إن اختار الثاني فهو بالضبط ما زال يستمتع بعبوديته الحديثة، ويستلذ بإمكانية استغلاله وتوهيمه بالحضارة تحت اسم الرفاهية، على الرغم أن رفاهيته ليست سوى إذلالاً لكرامته الوجودية واستغلالاً لكل ذريته المستقبلية.

بالطبع؛ من يقرأ ما كُتب قد ينتابه نوع من السخرية في نفسه عن هذا الحلم الوردي، لكن بحق، وهو سؤال مشروع.. ما الذي يجبر شعوب العالم أن تعمل عشرات الساعات من أجل أن تأكل فقط؟ وأن يخضعوا لمؤسسات تنتهك إنسانيتهم تحت حجة حمايتهم! وألا يسمحوا لهم بعبور أراض أخرى تحت اسم الدين والقومية والإيديولوجيا!

الثورات عندما تتسلح، عندما تؤدلج، عندما تقوم على فرض أحد على أحد، فهي خاسرة. الثورة الوحيدة الناجعة أمام سفالة السلطات بمختلف أشكالها واستعباد البشر، هي أن يُشل كل شيء حتى آخر رمق

عندما تمتلك شعوب العالم فكرة الثورات، وتحمل في طياتها أسلوبية التسكّع الصامت، فهم يبدأون بإجبار أعتى الأنظمة في العالم على الرضوخ، سيجبرون جميع سلطات العالم أن يتحولوا إلى ماسحي أحذية بكائيين. الشعوب ليست بحاجة إلى قوانين لتحكم إنسانيتها، على العكس حكمهم وقوانينهم باسم حماية الإنسانية هو إذلال للشعوب. شعوب العالم تنتمي بعفوية إلى الأرض، وإلى ما يُنتج في الأرض وما يمارس في الأرض، دون أديان وسياسيين واقتصاد ينتهك كل شيء فيهم.

في السودان لن ينتصر العسكر، ولن تستطيع أي دولة في العالم تخريب ما بدأوا فيه، بشرط أن يمارسوا ثورتهم كتسكّع دائم. لا أسلحة، لا توترات أثنية، وعي متفوق على كل شيء يؤدي إلى شل كل سلطة في العالم.

على جميع شعوب العالم عندما يقررون أن يثوروا، فما عليهم إلا أن يتسكّعوا بصمت، ويشاهدوا رؤساءهم ووزراءهم وكنائسهم وجوامعهم واقتصادييهم وهم ينتحبون من عدم قدرتهم على فعل شيء. وليست بالمشكلة العظيمة إن فقدت الشعوب بعض الحضارة الزائفة التي تعيشها.

الثورات عندما تتسلح، عندما تؤدلج، عندما تقوم على فرض أحد على أحد، فهي خاسرة. الثورة الوحيدة الناجعة أمام سفالة السلطات بمختلف أشكالها واستعباد البشر، هي أن يُشل كل شيء حتى آخر رمق.

عندما تُشلّ الحضارة فالشعوب البائسة لن تخسر شيئاً، الخاسر الوحيد، هم السلطات التي تجلس فوق الشعوب وتستغلهم باسم الوطن والجغرافيا والمكان والإيمان والعدالة والسياسة والعقلانية الزائفة. العقلانية الوحيدة هي؛ الإيمان المطلق بأن الإنسان لا ينتمي إلى شيء سوى الأرض كعالم كلي وليس بقعة محددة، وما الهوية إلا ضرب من تفاهة وضعيّة اخترعتها قوى سلطوية لتستمر بإذلال الناس واستغلالهم، وكل ما يتعلق بمستقبلهم وذرياتهم.

حقيقة الإنسان الوحيدة هي مساحة قدميه، فلا تمكث في مكان واحد، ويا شعوب العالم تسكّعوا بصمت دائماً وأبداً.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل