الشروقي.. الغناء الذي لا يؤدى إلا بشكل فردي

أشكال الأغنية الشعبية في سوريا (6)

0
الأيام السورية؛ سلام محمد

تعد الأغنية الشعبية قصيدة غنائية، يتداولها الناس في الوسط الشعبي، ويتوارثونها في مناسباتهم الاجتماعية.

وتأخذ الأغنية الشعبية لونها الخاص، بحسب المنطقة التي تظهر فيها، لكنها تنتقل، كما كل التراث الشفوي، من مكان إلى آخر، فيضيف الموقع الجديد نكهته الخاصة عليها، ولكن البنية الأساسية تبقى هي المسيطرة، وذلك على مرّ الأزمان.

والأغاني الشعبية وثائق اجتماعية على قدر كبير من الأهمية، لأنها تصور عادات الناس وتقاليدهم في المناسبات، فرحاً أو حزناً، كما تقوم بدورها الفني والجمالي في حياة المجتمع.

ويعكس الإرث الموسيقي لسوريا تاريخا حيا، وثقافات متنوعة تتجاوز السياسات والحروب الراهنة، فهذا البلد العريق ربما أعطى العالم أولى أغنياته، ويزخر التراث الشعبي السوري بأشكال كثيرة ومتعددة من القول الغنائي الشفاهي، والتي ما زالت مستمرة في حناجر الناس، مغنين وسامعين.

سوف نقوم في سلسلة مقالات بالتعريف بهذه الأشكال، من حيث التاريخية، ومكان الانتشار، وكذلك من حيث بنيتها الفنية، وذكر الأمثلة والنماذج عن هذه الأشكال الغنائية..

6/ الشروقي

هو نوع من القصيد البدوي، ويسمى (المشري) وهو غناء “أهل الشرق في غزواتهم وحروبهم” ويكثر هذا في جبل “الدروز” بسوريا، وفي حوران، والقنيطرة، وفي معظم ألحانه تجد طابع الحزن، ويُرافق بالترنّح وامتداد الصوت.

جمالية هذا اللون تأتي من تأديته على آلة الربابة المعروفة بوترها الوحيد، ويجب الإشارة إلى أن مؤدي “الشروقي” يحتاج إلى نفس طويل، فأبيات قصائد الشروقي طويلة ومعانيها عميقة.

يقال: إن عاشقاً هجره أحبابه، واتجهوا شرقاً، فراح يودعهم بهذا النوع من الشعر، فانتشر هذا اللحن، وسمي بالشروقي. والكلمة لغةُ تعني صاحب العينين الدامعتين.

وقصيدة الشروقي لا تُؤدّى بشكل جماعي بل يشكل فردي، وعلى من يقوم بتأدية هذا النوع من القصيد أن تتوفر لديه عدة أمور منها، الصوت الجميل والمقدرات الشعرية الكبيرة، والحس المرهف ليستطيع أن يدخل الآذان والقلوب بكل سلاسة.

ما هو الشروقي؟

فن شعري نوعان: الأول له قافيتان داخلية وخارجية، ويعتبر الممثل الأول للشعر البدوي وأكثر الفنون البدوية استعمالاً وتداولاً وأكبرها وأوسعها باباً، وهو بدوي اللون من مثل:

يا طير لا تهدي على سدر مزلاف/ يا طير لا تأكل محاير عيوني

يا ذيب لا توكل يمني الأكتاف/ وكثير مثلك بالإخلاص حاربوني

يا حيف على منفذ رداف/ ما ترمي إلا من طويلات القروني

حتى مواعيني بينهم قسماً وإنصاف/ حتى محزمي وشبريتي شلحوني

يا بيض لا تنعن على زين الوصاف/ لا بد من موقعني يوقعوني

والثاني: يكون مربعاً أو مخمساً أي من أربعة أو خمسة أشطار أو أكثر، ففي المربع حيث تكون القوافي الثلاث الأولى متغيرة والرابعة ثابتة، وفي المخمس تكون القوافي الثلاث الأولى متغيرة ولكن الرابعة والخامسة ثابتتان حيث تكون القفلة الخامسة هي عمود القصيدة.

مثال على المربع:

يا مسندي شديتلك رعبوبة ….برق لعج وحسابها محسوبة

ما تختشي من حرها والشوبة …تدوي دوي النحل بالوديان

خزيتها صنع الشرق ماعجبا …. صربة نشامى ثورون العجبا

برق لعج قبل الندى والعجبا…… قبت كما طيرن صفق جنحان

ومثال على المخمس:

مسباحتي بالعد ست وثلاثين …. وشهودها الثنين مثل السلاطين

خردا بفردا جالسة بين صفين …. وعمود مرمر عالي العنق مدقوق

وخيطن من بلاتين ما الدهر يفنيه

مسباحتي من جوهر الكنز وهاج….. أغلى من الياقوت والتبر والعاج

أسرت مع البراق بليل معراج …… تحميه من شهب النيازك وبروق

واليا ضمي من زمزم المي تسقيه

القالب والوزن

قالب الشروقي من الألوان الغنائية الحرة التي لا تلتزم بضرب إيقاعي محدد، ويعتمد في أدائه على الارتجال، وهو شبيه بالموّال الشعبي أو العتابا من حيث الارتجال الأدائي، ولذلك تتعدد أشكاله الغنائية اللحنية بحسب إمكانية ومزاج الشاعر المغني له، ولا تخضع نصوصه الغنائية إلى نظام محدد من حيث عدد الأبيات الشعرية أو عدد الشطرات.

أما وزنه فيأتي على بحر الخفيف فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن، وكثيراً ما نجد خروجاً عن هذا الوزن، أكثر ما تتضح في التفعيلة الأولى إذ تأتي مستفعلن بدل فاعلاتن، كما أن فاعلاتن الثانية وهي التفعيلة الثالثة في الشطر، غالباً ما تأتي فاعلاتن، وفي الجزيرة يسمى هذا الوزن “المسحوب” إذا كان وزنه مستفعلن مستفعلن فاعلاتن

وهذا اللونُ يكتسبُ جمالاً ورونقاً أكثر عندما يؤدى على آلة “الرباب” وهي آلةٌ ذاتُ وترٍ واحدٍ تتميزُ بقدرةٍ كبيرةٍ على نقلِ أحاسيسِ عازفيها، كما يتميزُ القصيدُ الذي يرافقُ أنغامَها بفرضِ احترامِه على سامعيه فترى من يستمعُ إلى هذا اللونِ الجميلِ ينصتُ بخشوعٍ وكأنه في محرابٍ يتأملُ الكلماتِ والمفرداتِ المؤثرةَ التي تلامسُ شغافَ القلبِ دونَ تكلّفٍ وتنعكسُ على روحِ المستمعِ بشفافيتِها ولطافِتها.

ألحان الشروقي

لأن مصدرَه الشرقُ العربيُ، ومناطقُ الشرقِ. حيث قدمت كل منطقةٍ من مناطقهِ لوناً لحنياً يتميزُ بها ويتلاءمُ مع بيئتِها الاجتماعيةِ والثقافيةِ.

وهو يحتوي على ألحانٍ كثيرة قد تصل إلى أحدَ عشرَ لحناً نذكر منها على سبيل المثال: الزوبعي، الغياثي، العماري، وكذلك الباسلي، وهو أكثر الألحان تداولاً حالياً في الملمات الشعبية واللقاءات الاجتماعية.

شعراؤنا الشعبيون يجيدون هذا اللونَ، وشعراءُ هذا اللونِ من القصيدِ الشعبي يمتازونَ بقدراتِهم الشعريةِ الكبيرةِ، وبالصوتِ الرخيمِ الجميلِ المعبرِ والقوي الذي يحملُ بينَ طياتِه حساً مرهفاً. الأمرُ الذي لا يمكنهُم من تأديتِهِ مع /الكورال/ لأنه كثيرُ الترجيعِ في الصوتِ والتكرارِ من جهةٍ، ومن جهةٍ أخرى ليسَ له ميزانٌ إيقاعيٌ أو مقياسٌ وزنيٌ موسيقيٌ لذلكَ يصعبُ تنويطُه أو تدوينُه.

تفرّعات الشروقي

للشروقي تفرّعات لا تكاد تحصى، وأخذت نعوتا من قبائل اشتهرت به، هي أو من أماكن تواجدها، من مثل:

الهلالي: وهذا الفرع هو أصل الشعر الشروقي، فمنذ ظهوره بدأت أولى القصائد على هذا البحر، وهذا البحر سمي هلالياً نسبة إلى بني هلال، وهو أصعب فروع الشروقي من ناحية وزنه فليس من السهل ضبط وزنه حتى لو كانت قافيته واحدة، كما يمكن للشاعر هنا أخذ راحته من حيث طول البيت الواحد، ويستطيع أن يجمع به معلوماتاً وأفكاراً ومعان نظراً لطوله.

أيضاً يمكن للشاعر هنا في الهلالي ربط شطري البيت الأول بقافيه واحدة وإهمال البقية في الشطرات الأولى، ونوع الهلالي يمكن غناؤه على الربابة ونعرف إذا كان مستقيماً.

الصخري: يأتي ترتيبه بعد الهلالي وسمي صخرياً نسبة إلى بني صخر القبيلة المعروفة في بلاد الشام ومواقعها في الأردن، ويقال صخرياً أيضاً لأنه “يصخر” المستمع للاستماع إليه لأنه من النوع الحزين جداً خاصة على الرباب، فحينما يغنى يخيم السكوت، وتصغي إليه جميع الحواس لقوة تأثيره وقصائده الحزينة، وفي الصخري يجوز أن تكون القصيدة على قافية واحدة بنهاية الشطر الثاني من مثل:

ترى جرح الهوى ماهو بياوي …….. ولايبرا به بالطب المداوي

مكسور ومحذوف يكفيـك الخبر مجنـون ليلـى ……..على ماجاه من كبر البلاوي

ومن عزمه ومن قوات باسه ……. يهوم الدرب لو ما هو بقاوي

بحر الهجيني: وهي الغناء السريع، سريع الإيقاع وإذا عرفنا أن أصل الهجيني هو الغناء على ظهور الركاب حيث كان البدو يهيجنون وهم على ظهورها بإيقاع يتناسب مع رقل الذلول وله لحنان مع العدو العادي والمشي … والعدو السريع …  ولكن أكثر المقاييس استخداماً وشيوعاً وانتشاراً لدى الموسيقيين هو الثلاثي البسيط المقتبس من الهجيني

وهناك أنواع أخرى من مثل الحداء، والعرضة، والسامري، والفنون، والمربوع، والألفيات، والزهيري، والجناس، والقلطة، ولا يتسع المجال لشرحها والتمثيل لها.

مصدر مارون، عبود، الشعر العامي أمين القاري، روائع الزجل مجلة الثقافة الشعبية، البحرين
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!