هل تحوّل العيد ليكون شرخا مجتمعيا يعبّر عن تموضع سياسيّ

0
الأيام السورية؛ بقلم: د. محمد عادل شوك

أن يقع الخلاف بين الدول العربية، أو الإسلامية، في موضوع رؤية الهلال، ولاسيّما منها ذات خطوط العرض المتقاربة أمرٌ اعتدنا عليه، على الرغم من إنكاره ضمنًا؛ إذْ ينبغي عليها أن ترتقي في الإحساس بالانتماء إلى عالم القرن الواحد والعشرين، على شتى الصعُد.

فليس معقولًا أن نأخذ بالتكنولوجيا في جوانب، ونتركها في جوانب أخرى، فالمراصد الفلكية قد وصلت إلى مجموعات جُرمية، تبعد عنا ملايين السنيين الضوئية، ومن غير المعقول ألّا تسعفنا في تحديد الخيط الأبيض من الأسود من الفجر، أو تحدّد لنا مطالع الهلال في مناسبات دينية يحتفي بها المسلمون.

أمّا أن يقع ذلك في البلد الواحد، ذي الجغرافية المحصورة وغير المترامية الأطراف، فذاك ما ينبغي أن نقف عنده مليًّا، وندرس أسبابه وتداعياته، ونجد لها تفسيرًا مقنعًا، بعيدًا عن التشنّج والمكابرة.

لقد رأينا هذه الظاهرة في سورية بعد سنة 2011م، من غير مواربة أو تستّر، إذ أصبحت المناطق التي توصف بأنّها محررة أو خارجة عن سلطة النظام، تستأنس في التماس رؤية هلال شوال بما تسير عليه تركيا أو السعودية، من غير أن يكون هناك مرجعية شرعية تفتي في ذلك، ولمّا تشكّل المجلس الإسلامي السوري، أصبح هو الذي ينهض بعبء ذلك.

فهذه اليمن وكذا العراق، يحتفي فريق من أهلهما بقدوم عيد الفطر تزامنًا مع السعودية، وفريق آخر ينتظر ليكون عيده متزامنًا مع إيران.

وقد توسع مدى هذه الظاهرة لتشمل بلدانًا أخرى، تعيش حالة متقاربة مع الحالة السورية، فهذه اليمن وكذا العراق، يحتفي فريق من أهلهما بقدوم عيد الفطر تزامنًا مع السعودية، وفريق آخر ينتظر ليكون عيده متزامنًا مع دول أخرى، ولنقلها صراحةً “مع إيران”، التي تعدّ المرجعية المذهبية لشريحة من أبناء كلتا الدولتين، مثلما هي مرجعية لعموم الشيعة في بلدان المنطقة.

نعم لقد كان الشيعة في العراق “أيام صدام حسين”، يصومون ويفطرون ظاهريًا مع العراق “الرسميّ”، ولكنهم عمليًا مع إيران، ويأخذون بمبدأ التقية في ذلك.

أمّا وقد آل الأمر إليهم في العراق واليمن ولبنان، وقويت شوكتُهم في بلدان أخرى في المنطقة؛ فليس ثَمَّة داعٍ لأن يتقوا، وأصبحوا يجاهرون بذلك، كما جرى الأمر في عيد فطر هذا العام 1440.

إنّ الأمر أبعد من أن ينظر إليه مذهبيًا في بعض بلدان المنطقة؛ بل هو تعبير عن شرخ مجتمعي غير خافٍ عن المراقبين، فهو في سورية واليمن على وجه الخصوص تعبيرٌ عن تموضع سياسيّ لكلا الفريقين، حدث بعد قدوم رياح التغيير في ربيع العرب، وهو إلى جانب ذلك مغلَّف برأيّ مذهبيّ أخذ يميل إليه كلٌّ من فريقي الموالاة والمعارضة، إذْ غدا النظام يميل فيهما، كما في العراق، إلى المذهب الاثني عشري، ترضية للحليف الإيرانيّ، وهو أمرٌ ينبغي ألَّا نغمض عنه العين بعد الآن.

ويبدو أنّه باتَ صعيبًا أن يعود الأمرُ إلى سابق عهده في المستقبل القريب، وحتى المتوسط، فضلًا على البعيد.

قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!