معمول أحمر

الأيام السورية؛ نهى شعبان

قال لها: “ماما ما بدك تعملي لنا معمول السنة بالعيد؟ والله مشتهي وجاي على بالي”

نظرت إليه والابتسامة تعلو وجهها الحزين: “تكرم عينك يا عمري وأحلى معمول لعيونك”

نزلت سعاد إلى السوق واشترت مكونات المعمول من سكر وطحين سميد وجوز وعجوة، ولكنها هذه المرة اشترت كميات كبيرة على غير عادتها.

عادت إلى البيت فرحه لأنها ستسعد ابنها الصغير الصائم، وتلبي رغبته في آخر يوم من شهر رمضان المبارك “على الأقل قرص هالمعمول”.

دعت سعاد جاراتها قبل الإفطار لمساعدتها، قالت لها إحدى الجارات: لقد تعلمت وصفة جديدة ما رأيك بتجربتها؟ إنهم يضعون عصير أحمر للمعمول هذا العام.

“لما لا خلينا نجرب” أجابت سعاد، وأحضرت زجاجة الصبغة باللون الأحمر، وبدأن العمل، كل واحدة منهن لديها موال حزين بدأت تغنيه بصوتها الحزين تضيفه إلى العجنه.

أما سعاد فقد استحضرت كل دموعها، لتسكبها فوق العجنه عوضا عن الماء.

قررت هذا العام بعد انتهائها من صنع المعمول أن توزعه على الجيران وتطعم كل أهل الحارة.

مع صوت آذان المغرب يعلن بدء الإفطار، كانت سعاد قد انتهت وأصبح المعمول جاهزا، رفضت تذوقه لأنها أرادت أن يأكل منه زوجها وابنها الصغير الذي طلبه أولا.

وبعد انتهاء الإفطار بدأت سعاد جولتها في الحي وطرقت كل الأبواب وعادت إلى المنزل مع بدء تكبيرات العيد لتكمل مهمتها، حملت صواني المعمول وذهبت الى المقبرة.

“كل عام وانتوا بخير يا نايمين… شتقنالكم كتير.. ليش تركتونا لحالنا؟”

محمد يا صغيري، “عملتلك تشكيلة معمول من اللي بحبها قلبك، قوم كول منها أنت وأبوك حتى تشبع يا أمي”.

وبدأت بتوزيع الباقي على الأسر التي انتشرت على قبور أحبائها، ثم بدأت تزغرد وبصوت عال سمعه كل الأحياء والأموات في المكان:

“كل عام وانتوا بخير يا أحبائي كل عام وانتوا بخير يا نايميين بها المكان بس صاحيين دوم ومحفور اسمكم بقلوبنا كل عام وانتوا بخير يا روحي ليش رحتوا بكير؟ ”

وأنا اتذوق المعمول الأحمر، انتهت سعاد من سرد ذكرياتها المؤلمة، وشريط ذكريات ألمي يمر من أمام عيني وكأنه اللحظة، فبرغم الألم الذي ما زال يعتصر قلبي منذ فقدت ابني الشاب الذي استشهد على يد قوات الأسد وحزب الله منذ ست سنوات في ريف دمشق؛ إلا أنني حين سمعت قصتها واسيت نفسي بأنني لست الوحيدة، هناك آلاف الأمهات في سورية ممن فقدن أحبائهن يشعرن بنفس الألم الذي أشعر به وربما أكثر.

كلمة أخيرة:

زوج سعاد وابنها من ضمن ما يقارب المليون شهيد، فقدناهم منذ أن خرجنا عام 2011 حاملين أغصان الزيتون، بهتافات سلمية مطالبين بالحرية، هم اليوم يأكلون معمول أطيب مصنوع من خلطة ربانية خاصة لا يعرف وصفتها إلا الخالق.

أقول للذين لم يتذوقوا طعم المعمول الأحمر، كلوا ما شئتم من حلويات العيد (مدلوقة بالقشطة، بالعسل، كنافة بالجوز، بالجينة… الخ

بس انتبهوا ما يلبطكم العيد

كل عام وأنتم بخير

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل