وهل هناك شرف لجريمة؟

الأيام السورية؛ كفاح زعتري

“أنا أنتظر الموت، لكنني ما زلت صغيرة عليه”.

كانت تلك آخر الكلمات التي كتبتها اللاجئة السورية الكردية روكستان على حسابها في واتساب، قبل أن يُـعثر عليها مدفونة في إحدى المقابر شرقي ألمانيا، روكستان هي ضحية ما يُعرف بجرائم الشرف رغم أنها ضحية سابقة لعملية اغتصاب قام بها ثلاثة شبان.

جرائم “الشرف” نتاج ثقافة ذكورية، لا ترتبط بالمكان أو بالمجتمع الحاضن، من الواضح أنها تتعقب النساء حيثما حلّت. تصدم تلك الجريمة سنوياً مرات المجتمع المضيف في بلاد اللجوء.

“عام 2016ارتكب في ألمانيا أكثر من 60 جريمة شرف، بزيادة قدرها 400 في المائة عن الأعوام السابقة، بينما شهدت الأشهر الخمسة الأولى من عام 2017 ما لا يقل عن 30 جريمة قتل باسم الشرف. “من دراسة أجراها معهد ماكس بلانك حول جرائم الشرف” في ألمانيا المصدر موقع جيتيستون  Germany: Wave of Muslim Honor Killings

تتسم تلك الجرائم بعنف مبالغ فيه، البعض منها يقوم الجاني بتصوير جريمته ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي مع تسجيل صوت يفاخر بجريمته معتبراً نفسه قد “غسل العار”.

تتراوح تلك الطائفة من الجرائم ابتداءً من الإيذاء العاطفي وانتهاءً بالقتل مروراً بالعنف الجسدي والجنسي، عادة ما يكون الجناة من أفراد الأسرة الذكور، والضحايا من أفرادها الإناث المتَّهمين “بجلب العار على الأسرة أو العشيرة”.

المرأة ضحية هذه العقلية التي خلّفتها تقاليد وعادات بعيدة كل البعد عن الإنسانية والدين، وكرستها في سوريا القوانين التمييزية وخاصة قانون الأحوال الشخصية وقانون العقوبات

أما أسباب “جلب العار” ـ وفقاً لتقارير صادرة عن القضاء الألماني ـ  رفض الزواج المرتّب، أو الدخول في علاقة عاطفية مع رجل غير مسلم أو من غير طائفة الفتاة أو شخص لا تقبل به الأسرة، أو رفض الاستمرار في زيجة تتعرض فيها الأنثى لإساءة المعاملة …إلخ باختصار، أي تحدٍ للسلطة الذكورية يمكن أن يستجلب العار للأسرة، ويكون دافع لأفعال انتقامية تحت ذريعة غسل العار.

في مدينة إيسن الألمانية، اشترك 12 رجلاً وامرأة من عائلة سورية في محاولة قتل شاب في التاسعة عشرة من عمره، بينما تمكنت الفتاة من الهرب واللجوء إلى الشرطة لحمايتها.

أدان رئيس شرطة ايسن فرانك ريتشر الجريمة بشدة، وقال هكذا جريمة لا علاقة لها بالشرف؛ وأضاف: “تحاول العشائر بناء بنيتها الموازية… من يعش هنا عليه أن يلتزم بقوانيننا”

وتبقى المرأة ضحية هذه العقلية التي خلّفتها تقاليد وعادات بعيدة كل البعد عن الإنسانية والدين، وكرستها في سوريا القوانين التمييزية وخاصة قانون الأحوال الشخصية وقانون العقوبات؛ الأول يعطي مكانة مميزة للرجل وأعلى من مكانة المرأة، ويعطيه ولاية وسلطة عليها وتابعية للرجل، أما قانون العقوبات فقد قنن جريمة الشرف عندما اعتبر الدافع “الشريف” عذراً محلاً من العقوبة وذلك في القانون الصادر عام1949 حتى تعديله بموجب المرسوم رقم /1/ تاريخ 3/1/2011 إذ أصبحت:

“يستفيد من العذر المخفف من فاجأ زوجه أو أحد أصوله أو فروعه أو أخوته في جرم الزنا المشهود أو في صلات جنسية فحشاء مع شخص آخر فأقدم على قتلهما أو إيذائهما أو قتل أو إيذاء أحدهما بغير عمد، وتكون العقوبة الحبس من خمس سنوات إلى سبع سنوات في القتل”.

الجرائم قانوناً يطبق عليها قانون مكان ارتكاب الجرم، وحيث لا وجود لما يسمى جريمة شرف في القانون الألماني، ولا تعتبر الأسباب لارتكاب تلك الجرائم موجبة للعذر المخفف

قد لا يكون المثل السوري (أصبعي عابت، فقطعتها!) الطريقة المثلى لمعالجة الخطأ، فنحن أبناء دين تسامح ومحبة، فقبل الحكم لابد من استذكار الآية الكريمة “واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم…”

بكل أسف؛ الدافع الجرمي يكمن بثقافة مجتمعية، ليست فقط ذكورية، وإنما نزعت إلى شرعنة العمل الجرمي نفسه، فهذا بحاجة إلى عمل جماعي من منظمات حقوقية، وإلا سوف تبقى المرأة ضحية لمفاهيمنا الذكورية المتخلفة.

الجرائم قانوناً يطبق عليها قانون مكان ارتكاب الجرم، وحيث لا وجود لما يسمى جريمة شرف في القانون الألماني، ولا تعتبر الأسباب لارتكاب تلك الجرائم موجبة للعذر المخفف، وعليه لن يتسنى للجاني أن يحظى بتخفيف العقوبة، رغم ذلك لا تزال تلك الجرائم تتكرر، لعل ازديادها في السنوات الخمسة الأخيرة، هو نتيجة الصدمة الثقافية واختلاف المعايير بين المجتمع المضيف والثقافة الوافدة.

هو تحدًّ كبير بلا شك بين قيم الحرية والمساواة وعقلية الجاهلية.

للأسف؛ التقارير الصادرة عن الجهات القضائية والشرطة وحتى جهات بحثية، تعتبر هذه الجرائم ذات مرجعية دينية وثقافية.

هي وصمة أخرى تنال من الدين الإسلامي، والدين بريء منها.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل