المعجزات لا تحرر الأوطان

0
الأيام السورية؛ علي الأعرج

يقول الكاتب الأمريكي بول أوستر، في كتابه الأوهام:

-أعتقد أننا جميعاً نريد أن نؤمن بالأشياء المستحيلة، لكي نقنع أنفسنا بأن المعجزات يمكن أن تتحقق.

تعبير أوستر، يختزل جزءًا كبيراً ليس من إحساسنا وأفكارنا فقط، بل حتى من تجربتنا العمليّة، ومن مفهوم صراع التاريخ، ومن كل المفاهيم التي نعمل جاهدين للدفاع عنها، كالإيمان والوطن، والحرية.. الخ. جميعها تخضع لذات الشرط الإعجازي بطريقة ما.

في عام 1856 قامت الحكومة الفرنسية بإرسال روبيرت هودن Robert Hodan، والذي يعتبر الأب الروحي والمؤسس لفن السحر الحديث إلى الجزائر لمحاربة نفوذ الدراويش والأولياء، من خلال تقديمه لألعاب سحرية أمام الناس، من أجل دحض المعجزات التي كانوا يمارسونها على البشر، بحجة أنهم يمتلكون أسرار الإعجاز الإلهي، والروحانية المجردة في التفوق على الإنسان العادي. لقد قدّموا ذواتهم على أنهم يمتلكون الهبة الربانية.

بالطبع؛ كانت حجة الحكومة الفرنسية في ذلك الوقت، مثل جميع الحجج الاستعمارية، وهي محاولة الارتقاء بالشعوب من تفكيرهم البدائي إلى مستوى أكثر تمدناً، وإنقاذ الناس من الوهم الذي يمارسه الدراويش بأنهم أوصياء الله والناطقين باسمه، لكن فيما وراء تلك الحجج، كان الهدف هو محاولة كسر الاحتجاج الشعبي ضد الفرنسيين. لقد لعب الدراويش من خلال وهم الناس، وإقناعهم بأن الله أرسلهم لقيادة النضال من أجل تحرير البلاد، دوراً وطنياً في صد التدخل الفرنسي بالجزائر.

الوطن من منحى إيديولوجي يعتمد الركيزة الإلهية، لا يقوم على التعددية أو طرح مشاريع بناء وتطوّر، بقدر ما يقوم على الولاء لنمط خاص

ربما لم يكن وطنياً بالمعنى الذي نفهمه اليوم، أو حتى وطنياً بالمعنى الذي كان سائداً في أواسط القرن العشرين، لكن عندما نتحدث قبل قرنين من الآن، فتصبح آلية الخلاص من الاستعمار بحاجة إلى ركيزة إيديولوجية شاملة للوقوف عليها، وفي ذلك الزمن ليس هناك أفضل من ركيزة الإله.

بخلاف نجاح هودن في مسعاه أو فشله، ونجاح المقاومة أو فشلها، لكن النضال ضد الفرنسيين استغرق قرناً كاملاً ليتحرر. وحتى في لحظة تحرره الكلي، الذين قادوا تحرير الجزائر هم الشعب الملتفّ حول أشخاص، زمنياً، كانوا مشاريع قومية مدنيّة، وجزءاً منها تمثّلت بالعلمانية.

مثال الجزائر يجعلنا نتسع قليلاً لنطرح سؤال: لماذا جميع الشعوب التي تحررت (كدول العالم الثالث) من الاستعمار (كدول العالم الأول)، كان زعماؤها أصحاب مشاريع وطنية، مدنية، قومية، علمانية!. كسوريا، الكونغو، جنوب إفريقيا، مصر.. الخ.

هذا السؤال لا يهمنا البحث فيه كثيراً، سوى أنه يأتي كسؤال عابر. مع العلم أن الجواب قد يبدو بديهياً ومرتبط قطعاً بالتطور الفكري للمجتمعات وآلياتها السياسية والاقتصادية. تماماً مثل فرنسا الصناعية ما بعد عصر التنوير، التي احتلت الجزائر بعد قرن من تحررها الكلي من سلطة الكنيسة.

لكن؛٠ إن بحثنا في خلفيته سنجد أن المسألة ليست فقط بالتطور الطبيعي للمجتمعات، بل بعقلية التحرير والخلاص من الاستعمار وآلياته الاستبدادية. فالوطن من منحى إيديولوجي يعتمد الركيزة الإلهية، لا يقوم على التعددية أو طرح مشاريع بناء وتطوّر، بقدر ما يقوم على الولاء لنمط خاص. تماماً ما عناه أوستر، نريد أن نؤمن بالأشياء المستحيلة كي نقنع أنفسنا بالمعجزة.

فبالنسبة لدراويش الجزائر، كانت المسألة مرتبطة بالنظر للفرنسيين باعتبارهم أعداء لله، وليسوا أعداء للجزائر، وبالتالي؛ قيادة النضال لأن المعجزة قادمة لتحريرهم لا ريب، وهذا أحد أهم الأسباب التي استغرقوا قرناً ليتحرروا. بالنسبة لهم كانت مشروعية النضال تقوم من البحث عن معجزة تدعم مفاهيم الحرية والوطن والإيمان والعدالة.

بتخيّل بسيط، لو كانت فرنسا مسلمة هل سيكون للدراويش والأولياء أي مشكلة معهم!. هذا الأمر يجعلنا نقف حيال الصراع التاريخي لمفهوم الوطن ومرجعيته التي تحدد وجوده، وبالتالي وجودنا كبشر فيه.

الآلية الشمولية في التفكير والولاء المطلق لنمط معين، مهما ارتقت، ستبقى سجينة مشروع خاص، لا يمكن لها تجاوزه، لأن طبيعتها ولائية، فإذا ما حققت ولاءها المؤدلج، اكتفت.

إنّ الآلية الشمولية في التفكير والولاء المطلق لنمط معين، مهما ارتقت، ستبقى سجينة مشروع خاص، لا يمكن لها تجاوزه، حتى وإن عملت في السياسة وليس فقط في النضال المسلح، لأن طبيعتها ولائية، فإذا ما حققت ولاءها المؤدلج، اكتفت. هذا إذا لم تتحول تلك الطبيعة الولائية كمناهض لكل تجربة أكثر تحرراً في الخروج من المشروع الإيديولوجي الضيق لهم. وهذا أحد أهم الأسباب التي لم تجعل الجزائر تتحرر إلا على أيدي أصحاب المشاريع القومية والعلمانية.

بالتأكيد؛ لا أحد ينكر تجربة التاريخ، وأهمية ما قام به الدراويش في الجزائر، أو أي نمط على شاكلتهم في أي دولة أخرى خضعت لذات الشروط الاستعمارية، لكن بنفس الحالة يجب التذكير دائماً أن التحرر الفعلي له شروط أخرى، أهمها؛ هو أن الوطن للجميع، والدين لله، أما أن يصبح الوطن هو مشروع الله وأصحابه فقط، فهذا لن يحرر شيئاً.

ما زال التاريخ يكرر وحتى اليوم، وفي كل البلاد التي سعت للخلاص من أي حالة استبداد، بأنّ مشاريع المعجزات (وبالأخص عندما تتخذ طابعاً سياسياً، بيانياً) لا يُعوّل عليها في بناء الأوطان، لأنها مشاريع ضيقة الأفق وتخص أصحابها.

وربما المثال الأبرز الذي يمكن لنا سرده هنا، ويعبّر بدقة واختصار عن مجمل ما تم الحديث عنه، أنه في اللحظة التي أعلن فيها الخوري استقلال سوريا بنضال جميع الوطنيين باختلاف انتماءاتهم، السياسية والفكرية، لم يكن الشهبندر موجوداً بينهم، لأنه كان شهيداً برصاص أناس أرادوا تحرير البلاد بالمعجزة.

إن كان للتاريخ فائدة في هذه الحياة، فهو للتعلم منه فقط.

قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!