قراءة وحوار في كتاب: عطب الذّات (٩)

وقائع ثورة لم تكتمل.

تأليف: د. برهان غليون.

أحمد العربي.

إصدار: الشبكة العربية للأبحاث والنشر/ ط ١. ورقية . ٢٠١٩م

ولنا رأي:

1/ أعتقد أن كتاب العطب الذاتي: وقائع ثورة لم تكتمل. هو أهم كتاب يصدر عن الثورة السورية، واقعها ومسارها وتطوراتها، بحدود ما اطلعت، فهو من داخل مطبخ صناعة الحدث في الثورة السورية سياسيا وعسكريا، على الأقل في السنوات الأولى، وأهميته تكمن في شفافيته وقدرة النقد الذاتي والارتفاع بالموضوع لمستوى الشعب السوري وثورته، المسؤولية عمّا حصل بكل شجاعة، وتسمية الأخطاء والمخطئين أحيانا، وأنه عند الحديث عن قضية شعب نُكب بحياة أبنائه وتشرده ودمار بلاده، لا أحد خارج المساءلة والمحاسبة.

لم يكن كتاب تعرٍّ ذاتي، بل كتاب تشخيص صحي للمرض: سوريّا، وإقليميا، ودوليا، ماذا حصل؟ وكيف؟ ولماذا؟ وأخيرا؛ ماذا علينا أن نفعله كثوار وسياسيين وعسكريين منتمين للثورة من أجل المستقبل؟.

2/ إن تشخيص د. برهان في الكتاب أن السبب الرئيسي لانتصار النظام السوري وحلفائه على الشعب السوري وثورته هو الانكفاء الأمريكي عن المنطقة وتركها إلى التغول الإيراني من جهة، وعودة روسيا كقوة دولية يجب أن يحسب حسابها من البوابة السورية.

نعتقد نحن أن الدوافع الإيرانية والروسية في حضورهم في القضية السورية والإقليم عموما. صحيح كما ذكر د. برهان، أما التراجع الأمريكي أو لنسمه القبول بالهزيمة في سوريا، فذلك نختلف عليه.

أمريكا نراها راعية لكل ما حصل في منطقتنا العربية وفي سوريا بشكل أساسي أيضاً.

في البداية؛ لم تخرج المنطقة العربية منذ بداية القرن الماضي وسقوط الخلافة العثمانية عن أن تكون ضمن استراتيجية الغرب لتحقيق مصالحه المحددة سلفا بتقسيم المنطقة واحتلالها الذي حصل لفترة عقود وأكثر، وتبعية الدول المتشكلة بعد التحرير وفق مصلحة طبقة الحكام والغرب الذي كان إلى الحرب العالمية الثانية إنكلترا وفرنسا وأمريكا، ثم بعد الحرب العالمية الثانية أصبحت أمريكا القائدة.

حكمت المنطقة من الاستعمار الغربي أولاً ثم إعلان وعد بلفور بوطن قومي لليهود ١٩١٧م، واحتلال فلسطين من قبل الإنكليز وإحلال اليهود فيها، وخروج الإنكليز منها بعد إعلان خلق الكيان اليهودي (إسرائيل) في فلسطين، ودعم الغرب المطلق لهذا الكيان في حروبه المتتالية مع الدول العربية المجاورة في ١٩٤٨م،١٩٦٧م، ١٩٧٣م، وهزيمة العرب فيهم بشكل كامل.

لم تخرج المنطقة العربية منذ بداية القرن الماضي وسقوط الخلافة العثمانية عن أن تكون ضمن استراتيجية الغرب لتحقيق مصالحه المحددة سلفا بتقسيم المنطقة واحتلالها

واستثمار هذه الحروب لجعل إسرائيل دولة شرعية في المنطقة. إجبار الأنظمة التابعة للتسليم بذلك، بدأت بمصر السادات ١٩٧٨م وتبعتها الأردن وعُمان والحبل على الجرار، وكان ثالث العوامل الحاكمة لمصلحة الغرب في منطقتنا هو النفط وجوده والسيطرة عليه واستمرار تدفقه للغرب لكونه عصب الاقتصاد الحديث، وهكذا حصل منذ اكتشاف النفط العراقي على يد الإنكليز والسعودي على يد الأمريكان ومن ثم أصبح للغرب الحضور الطاغي في النفط العربي، بحث وتنقيب واستخراج وتسويق وإعادة استثمار أموال النفط مع الأنظمة التابعة من قبل الغرب وخاصة أمريكا كل الوقت.

3/ لم تكن الخطة الاستراتيجية للغرب تسير دون عقبات وبشكل أتوماتيكي، بل اقترنت بحالات صراع مع بعض الشعوب أو الحكام سواء في المرحلة الاستعمارية التي انتهت بتضحيات الشعوب، ولا تم التسليم ب(إسرائيل) دون مواجهة بل بحروب، رغم هزيمة الأنظمة العربية فيها كلها تقريبا، حصل الصراع مع عبد الناصر عندما قام بالوحدة المصرية السورية لأنها تعيد العرب لمرحلة التوحد المعتبرة محرمة استراتيجيا عند الغرب، وأسقطت الوحدة وكان للغرب دوره.

كما اعتدت (إسرائيل) وإنكلترا وفرنسا على مصر بعد إعلان عبد الناصر تأميم قناة السويس عام ١٩٥٦م، فشل الاعتداء الثلاثي لكن استمر العمل للقضاء على عبد الناصر بصفته يقف في وجه المخطط الاستراتيجية للغرب، هزيمة حزيران ١٩٦٧م أولاً ثم حرب الإبادة الموجهة على الفدائيين في الأردن عام ١٩٧٠م ووفاة عبد الناصر المفاجئة.

عادت الأنظمة لتكون في موقع التابع للغرب بعد ذلك، وإن كان بعضها غير منضبط كان موضوعا وفق نظرية عدو تحت السيطرة، ويستخدم لتحقيق المطلوب منه دون وعي وإرادة مسبقة. هكذا سوّق نفسه حافظ الأسد مع الغرب منذ وصل للحكم في سوريا، وأصبح حاكمها المطلق، خدم الغرب في لبنان وفي العداء للثورة الفلسطينية وترحيلها بعيدا عن فلسطين، ساعد في معركة الغرب مع الإسلاميين المصنفين إرهابا، في عهد الأسد الأب والابن.

كان صدام حسين عدو معلن للغرب لكنه استخدم في معاركه لتحقيق مصالحها. العداء المستحكم بين صدام حسين وحافظ الأسد يخدم الغرب، الحرب بين إيران الخميني منذ ١٩٧٨م إلى ١٩٨٦م التي استنزفت الطرفين خدمت الغرب، ثم حصاره واحتلاله للكويت والحرب الدولية عليه وإخراجه من الكويت لأنه أراد تغيير الخطط الاستراتيجية للغرب في منطقتنا، ثم حصار العراق ثم تنفيذ خطة إسقاطه كحاكم لم يلتزم بما يريد الغرب واستثمارا لهجمات القاعدة على أمريكا في ٢٠٠١م، ثم احتلال العراق من قبل الأمريكيين، وتكلفة ذلك زادت عن ٥٠٠ مليار دولار مع الآلاف من الجنود القتلى غير المصابين والمرضى النفسيين.

خرج الأمريكان من العراق في ٢٠٠٦م وتركوه دولة فاشلة ومحكوما بتقسيماته الطائفية ضحية حرب أهلية ونظام فساد طائفي، لكن النفط العراقي يتدفق للغرب دون انقطاع. بعد ذلك عادت المنطقة العربية تسير وفق الخطة الاستراتيجية الأمريكية – الإسرائيلية، إلى أن جاء الربيع العربي.

4/ كان الربيع العربي زلزالا في المنطقة العربية، وحركة شعبية تواجه مظلومية معاشة في كل دولة من أنظمة مستبدة، تطالب بحق الحرية والكرامة والعدالة والديمقراطية والحياة الأفضل كطور أفضل تتحرك له كل الشعوب، سقطت الأنظمة لعجزها أن تواجه الشعوب بملايينها.

لكن أمريكا والغرب ووراءه إسرائيل لم تقبل هذا المتغير لأنه سيعدل بعد حين من معادلة المظلومية العربية الغربية، في فلسطين قد تواجه (إسرائيل) ويتم العمل على تشكيل دولة فلسطين على الضفة الغربية، وقد تؤسس لزوال (إسرائيل) ذاتها.

ثم تحقيق الديمقراطية والعدالة في دول استبدادية فاشلة تنهب شعوبها، ستعيد النفط وريعه للشعب، كل ذلك سيعيد الغرب بصفته سيد منطقتنا العربية إلى ندّ نتباحث معه من منطق الحقوق وتبادل المصالح.

لذلك سارعت أمريكا و(إسرائيل) للعمل على إسقاط الربيع العربي والثورات التي قامت، تم استيعاب الثورة التونسية وجعلها تحت الوصاية ثانية، في مصر انقلب الجيش على الثورة وعادت مصر جزءاً من منظومة أمريكا و(إسرائيل) في المنطقة العربية. ليبيا واليمن دخلتا في حرب أهلية، لتكون نموذج لمقولة الاستبداد أو الحرب الأهلية.

٥. قبل الخوض في الحديث عن سوريا وثورتها. أود التركيز على تطور في استراتيجية أمريكا و(إسرائيل) في منطقتنا، وهي نتاج إعادة تفكير العقل الأمريكي في كيفية الهيمنة على المنطقة والعالم، وكيف كان الثمن المالي والعسكري للتدخل الأمريكي في أفغانستان والعراق باهظا، جعلهم يفكرون بأن يصلوا لأهدافهم دون أن يشاركوا بتكاليف مباشرة فيها، صناعة الفوضى الخلاقة، وحروب  التسيير الذاتي، سواء من خلال وجود أطراف جاهزة لتكون جزءا من الصراع في ميدان الصراع، يكفيها الإمداد المالي والسلاح، وهذا ما سوف تقوم به أمريكا وحلفاؤها بأموال الحلفاء أنفسهم، هذا ما حصل فعلا في اليمن، وليبيا، وسوريا بعد ذلك. كما أنها ألحقتها بنظرية صناعة الدول الفاشلة عندما لا تكون تابعة، والنموذج الصومالي حاضر سابقا والليبي واليمني والسوري -نسبيا- حاضر الآن.

6/ في سوريا كانت كل الظروف ستؤدي لإسقاط النظام وبناء الدولة الديمقراطية، سمح له باستقدام إيران وحزب الله والمرتزقة الطائفيين العراقيين والأفغان والروس كذلك، لأنه في أي صراع يتطلب له شروط لوجوده واستمراره، في سوريا هناك ثورة الشعب السوري ورفض النظام أن يقدم للشعب أي تنازل.

بالنسبة للمقاتلين هناك الشعب وشبابه والنظام وجيشه وأمنه، عندما وصل النظام إلى مأزقه أمام الثورة، كان أمامه السقوط أمام وجود الداعم بالمقاتلين والسلاح والمال، أمريكا ترى ذلك، وهي أمام خيارين، إما سقوط النظام ووصولها إلى محظور الدولة الديمقراطية في سوريا ومطالبها الشرعية في الجولان، وتحويلها لنموذج عربي أو السكوت عن الحضور الإيراني الذي كان قد أعاد انتشاره في العراق،  ولبنان، وسوريا، واليمن، والخليج لاحقا؛ وفق نظرية ولاية الفقيه ومشروع إمبراطورية إيرانية، كانت إيران جاهزة لتخدم في معركة أمريكا وإسرائيل في سوريا.

لم تكن أمريكا ووراءها إسرائيل خارج الملعب في منطقتنا العربية منذ دخولها قبل قرن تقريبا. وكانت دائما الفائزة بالحصول على مصالحها ومصالح إسرائيل كل الوقت.

كان الشعب السوري جاهزا لتقبل الدعم العسكري والمالي والسلاح من دول الخليج التي كانت تدافع عن وجودها أمام الإيرانيين، وكان الشعب السوري يدافع عن وجوده أمام حرب الإبادة من النظام وحلفائه في سوريا. بهذا الشكل ضمنت أمريكا معارك الصراع الأهلي الإقليمي بين كل الأطراف، الذي ستجني ثماره بعد حين.

7/ لكن الصراع في سوريا رغم التدخل الإيراني ما زال لصالح الشعب السوري وثورته وداعميه، لذلك صمتت أمريكا عن استعادة روسيا دورها وبالقوة إلى جانب النظام السوري منذ عام ٢٠١٥م، وهكذا وعبر توافقات ظهرت تباعا للعلن جعلت هذا الانتصار للنظام وحلفائه على الشعب السوري وثورته، حصل نتيجة تخطيط مسبق والكل كانوا فيه متواجدين بأدوار محددة. منذ بداية الثورة خرج رامي مخلوف ليقول: أمن سوريا من أمن (إسرائيل). التدخل الإيراني ترك دون تنسيق غربي من تحت الطاولة.

لأن إيران نفسها تعامل وفق أجندة حرب طويلة الأمد لإسقاط سلطتها وقوتها الاستراتيجية في المنطقة وحسب الطريقة العراقية استنزاف وحروب وأزمات داخلية ومن ثم انهيار. لا نعلم هل بصحبة طلقة الخلاص أم لا.

السبب أن إيران بعد العراق هي الدولة الوحيدة المنافسة جديا (لإسرائيل) في المنطقة. لذلك كان تركيز أوباما على أولوية نزع قدرة إيران النووية من يدها وهكذا حصل، صحيح أنه أعطيت إيران حق التمدد في كثير من البلدان، وهذا أيضا استنزاف لها، ألم يسمح الغرب ل صدام باحتلال الكويت يوما؟.

الآن إيران تدفع ثمنا اقتصاديا وعسكريا وشعبيا لهذا التمدد والمسعى الإمبراطوري في كثير من البلدان. إنها تجهز ل تساق إلى المذبح.

أما روسيا فوضعها مختلفٌ، سمح لها بالتدخل في سوريا لتعديل الميزان لتسقط الثورة السورية، العرّاب كان (إسرائيل) وبرضا أمريكي، الملفات الدولية الأخرى مجمدة، لم تعتبر أمريكا دور روسيا معادي لها، بل مكمل بوعي أو دون وعي لما تريده أمريكا. إسقاط ثورات الربيع العربي جميعها وكذلك في سوريا. وهكذا حصل.

8/ نعم كانت تكلفة حرب احتلال العراق وتحويله إلى دولة فاشلة حوالي ٥٠٠ مليار دولار دفعتها أمريكا غير قتلاها بالآلاف. ببنما حرب إسقاط الربيع العربي والسوري، كان عائده على أمريكا مئات المليارات على شكل عقود أسلحة ومنح حصل عليها ترامب وكأنه في فرح باذخ، هذا غير أثمان سلاح حروب مفتوحة في سوريا، والعراق، وليبيا، واليمن، كلها أو أغلبها تصب في الخزانة الأمريكية.

وحتى عندما قررت أمريكا أن تشارك في الحرب على الإرهاب في سوريا والعراق، دعمت حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري فرع حزب العمال الكردي في سوريا بالسلاح والمال ليخدم لها أجندتها في مناطق الثروة في سوريا الشرق والشمال الشرقي، حيث الثروة النفطية والمحاصيل الزراعية. ومازالت أمريكا تحتفظ بالسيطرة عليهم، وتستثمرهم لمصالحها.

أخيرا:

حتى في جغرافية سوريا الآن في الشهر الرابع من عام ٢٠١٩م. معطيات الأرض أن النظام وحلفاءه إيران وروسيا يسيطرون على أقل من نصف سوريا. إيران منهكة، ولم تعد قادرة أن تدفع لروسيا فاتورة تدخلها في سوريا، بعد الحصار الأمريكي لها. مناطق النظام مكتظة بالسكان مدن دون إنتاجية، الحياة فيها أقرب للجحيم اقتصاديا واجتماعيا. الشمال السوري منطقة غصن الزيتون ودرع الفرات يسيطر عليها الجيش الحر برعاية تركية يعيشون بالمعونات التركية. إدلب وما حولها حقل ألغام ممتلئ بالسوريين.

من مناطقهم تحت سيطرة هيئة تحرير الشام(النصرة) منطقة مفتوحة على كل الاحتمالات وأهمها؛ أنها قد تكون جرح مؤلم للسوريين دائم النزف. المنطقة الشرقية والشمالية الشرقية تحت هيمنة فرع حزب العمال الكردي اسميا وأمريكا عمليا. في هذه المنطقة تكمن إمكانيات سوريا الاقتصادية؛ النفط والمحاصيل الزراعية. يعني عمليا أمريكا تقبض على أهم ورقة في سوريا. تلوح بها في مواجهة النظام وأن إيران وروسيا وتركيا أيضا.

لم تكن أمريكا ووراءها (إسرائيل) خارج الملعب في منطقتنا العربية منذ دخولها قبل قرن تقريبا. وكانت دائما الفائزة بالحصول على مصالحها ومصالح (إسرائيل) كل الوقت للأسف.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل