حادثة فردية وأخلاق في بلاد الاغتراب

0
الأيام السورية؛ علي الأعرج

ما سيُقال قد لا يهم أحداً، وبطبيعة الحال هو أمر فردي بحت، لكنه للأسف قد جرى، ويدلل على نمط عقلي وثقافي وأخلاقي قد وصل للحضيض.

منذ فترة اضطررت أن أغادر منزلي القديم في تركيا، لأبحث عن منزل آخر للإيجار، وبعد أن وجدته وبدأت بنقل الأثاث، خرج رجل سوري، من منزل بجانب منزلي الذي استأجرته، في الثلاثينيات من العمر، ملتحٍ، ألقى السلام، وسألني عن الأحوال والمنزل الجديد وأجاره، الخ من الأسئلة التعارفية أو الفضولية في بلاد اللجوء. وأضاف؛ بأنه يريد ترك منزله في البناء في صبيحة اليوم التالي، والرحيل. تمنيت له التوفيق وهممت بالدخول إلى منزلي عندما استوقفني فجأة متفوهاً:

أنا لديّ ستالايت على السطح، وبما أنكم تريدون المكوث هنا، والطريق إلى السطح ضيق قليلاً، يتم الوصول إليه من نافذة في السقف وسلم، فما رأيك أن أترك الستالايت الخاص بي في مكانه، وتعطيني الستالايت الخاص بك، وكل ما عليك فعله هو أن تنقل الخط فقط.

تأملته قليلاً، وأنا أشعر بأن شيئاً غير مريح في هذه الطريقة بالتعامل، لكني قلت لنفسي: لا بأس، فلأكن غير شكاك تجاه الناس. فأخبرته بأن الستلايت الخاص بي ما زال في المنزل القديم، وغداً صباحاً سيأتي أحد ليأتيني به، وعندما يصل إليّ أعطيه إياه.

في ظهيرة اليوم التالي، استيقظت وهو كان على وشك الرحيل، راقبته من النافذة، والرجل الذي سيأتي بالستالايت الخاص بي قد تأخر في المجيء.

رحل الشاب السوري الثلاثيني دون أن أعرف وجهته، أو أقابله، وبعد ساعة وصل الرجل ومعه الستالايت الخاص بي. صعدنا إلى الطابق الأخير، فتفاجئنا بأنه لا يوجد سوى نافذة صغيرة مقفلة. عاودنا الهبوط، وسألت حارس البناء عن الطريقة التي يمكن فيها أن نصعد إلى السطح لتركيب الستالايت، فأجاب، بأن الطابق الأخير هو عبارة عن ترّاس، أي أنه لا يوجد سطح، هو عبارة عن خشب كامل، فغير مسموح بوضع شيء فوقه أو تركيب أي شيء. وبأنّ جميع المنازل في البناء لديها خطوط لستالايت واحد تابع للبناء بأسره وبإشارة واحدة وثابتة للقمر الصناعي التركي.

بكل تأكيد، لم تكن لديّ مشكلة مع سياسة البناء، ولا حتى مشكلة مع عدم معرفتي لأمر بديهي كهذا (قد يصفه البعض بالغباء)، لكن ما صعقني هو موقف السوري الملتحي. محاولة نصب واضحة جداً. مستوى من الابتذال والوضاعة لا يمكن لي تخيلها، ولا يمكن لأي شخص مهما كان شكاكاً تجاه الناس أن يتخيل هكذا طريقة.

كان يريد ببساطة أن يأخذ الستالايت الخاص بي، ويدعني أشاهد ستالايت البناء على أنه الستالايت الخاص به، ثم يرحل دون أن أشعر بأنه قد نصب عليّ في وضح النهار.

تأخر الرجل بإحضار الستلايت أنقذني من عملية نصب.

المشكلة ليست ستلايت بكل تأكيد، إنما هي بسؤال: أين وصلنا في المستوى الأخلاقي!.

قد يخرج أحد الآن ويقول: بأنها حادثة فردية ولا تعبّر عن أحد إلا عن الشخص نفسه الذي حاول النصب، وحتى لا تستحق الحديث عنها، أو الكتابة حولها.

ربما هي حادثة فردية بحتة، لكن ألا تستحق الكتابة عنها!، فهذه مسألة نختلف فيها.

الكتابة عنها ضرورية لسبب بسيط. عندما لا تغيّر الحرب فينا شيئاً، ولا تعلمنا شيئاً، فكل الأموات وكل الحديث عن الحرية والوطن والإيمان والثقافة هو محض هراء.

ربما جميعنا كنا يوماً أشخاصاً سيئين بنسب متفاوتة، وجميعنا قد نُخطئ، وجميعنا كنا نعيش عالما منغلقا وقائما على أساس الرشوة والتذاكي (الحربقة) في نظام كنظام الأسد، فرض علينا آليات تعامل كنا مجبرين على الخضوع إليها، لكن أن نخرج من القوقعة، نرى العالم، نشاهد الشعوب وطريقة تعاملها، حضارتها، تمدنها، ولا نستفد قيد أنملة منها، فهذا يعني أن أساس جوهر بناء البلاد الذي هو الأفراد ما زال متسوساً، ما زال يعمل بعقلية النظام الذي خرجنا ضده، ويعني بشكل حصري، أن الرجل الثلاثيني الملتحي الذي حاول النصب عليّ، والذي هو أيضاً ضد النظام، ما زال يفكّر بعقلية النظام ويتعامل بآلياته.

ثماني سنوات لم تعلّم ذلك الرجل شيئاً، وليس فقط لم تعلّمه، بل هي آلية تعامل دمّرت، حلم، وثورة بطريقة ما، دمّرت حلم شعب.

إن كان النظام دموي، وهذه لا يختلف عليها اثنان، فعدم ارتقائنا الأخلاقي، والتعلّم من تجاربنا وأخطائنا (على اعتبار كلنا مارسنا نوعاً من السوء اتجاه البعض) هو السبب الجوهري لانتصار النظام في معركة الصراع السوري.

المسألة ليست بستالايت، بل بكل نمط مشابه لأي معارض ما زال يحمل عقلية النفي والتجريد والتذاكي والإحساس الضروري بالرشوة والخداع واعتباراته بأن الحقيقة هي خاصة بأناس معينين يشبهونه.

حادثة الستالايت أقنعتني بدقة، ورسّخت ما كنت مقتنعاً به من سنين طويلة، أن هذه البلاد إن كان لها خير في البناء يوماً، فبكل تأكيد لن تُبنى بأيدي ملتحين، ولا بلسان يستغفر الإله. لن تُبنى إلا بأفراد لا يؤمنون سوى بأنفسهم دون تبعيّة لأحد، أي أحد. لا ملتحين ولا حقائب على الأكتاف ولا قبعات على الروؤس، ولا انصياع لسلطة أياً كان نوعها.

قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!