حتى أنت يا بروتس ! حرية النشر وزيادة الجهل

0
الأيام السورية؛ علي الأعرج

على موقع يوتيوب، ومن ضمن سياسته الترويجية، صادفني في أحد الأيام، مقطع فيديو يتحدث حول عبارة “حتى أنت يا بروتس”، المأخوذة من مسرحية وليم شكسبير، “يوليوس قيصر”. وفي ذلك المقطع كانوا يتحدثون عن عظمة يوليوس، وخيانة صاحبه بروتس له، عندما تآمروا على القيصر لقتله في الساحة العامة.

خطأ المعلومة وخطأ التاريخ، دفعني بفضول غريب للبحث على موقع اليوتيوب، عن جميع الفيديوهات التي حاولت تناول هذه العبارة، وجميعها كانت تمتلك ذات الخطأ العقلي والثقافي، حول بروتس الخائن. بطريقة ترويج مذهلة للكذب وتمجيد للديكتاتورية والطغيان تحت اسم الوفاء والصداقة.

الذي صنع الفيديو هو بطبيعة الحال غير مطّلع، ولا يعلم أصلاً تاريخ العبارة ولا يعرف بروتس أو يوليوس والأسباب الكامنة وراء خروج العبارة لتصبح عالمية، ربما ما كان يعنيه من الفيديو هو أن يقول بطريقة اجتماعية عفوية وثقافية بسيطة، أن خيانة الصديق أمر سيء.

من قرأ مسرحية يوليوس قيصر، سيعلم تماماً بأن شكسبير قدّم قيصر كشخص حاول أن يفعل شيئاً جيداً لروما، وبأنه ليس طاغية بقدر ما هو فاتح وصانع أمجاد، لقد تعاطف شكسبير معه إلى درجة أنه غيّر حتى في التاريخ الذي كتبه بلوتارك حول اغتيال قيصر وشخصيته المتعجرفة وطغيانه.

دعونا نعود قليلاً إلى المسرحية، ونحاول فهم الشرح الخاطئ لشخصية بروتس وظهور العبارة “حتى أنت يا بروتس” من قِبل الأشخاص الذين يروجون لخيانته وعظمة يوليوس.

الشخصيتين المحوريتين في المسرحية هما كاسيوس وبروتس، برغم أن المسرحية باسم يوليوس.

ما يجري أننا نستسهل ما يأتي ونمتلك مع سرعتها كماً هائلاً من المعلومات الخاطئة أو الصحيحة، فعدم البحث والتقصي لا يخلق فينا سوى نوع من الترديد الغبي والأجوف

بروتس شخصية نبيلة ووطنية جداً، ويسعى فعلياً لمصلحة روما، ورغبته بالخلاص من قيصر، سببها تحرير البلاد من طغيان القيصر ومهزلة السياسة والمجتمع التي جرت في عهده. أما كاسيوس فهو شخصية مقربة من سلطة يوليوس، لكنه فعلياً شخص وضيع، يريد الإطاحة بالقيصر من أجل السلطة وليس من أجل روما. شخصية حذقة جداً، ذكية، ويرمي الفتن لتأليب النبلاء على يوليوس.

الجامع بين بروتس وكاسيوس، هي الرغبة بالخلاص من قيصر، لكن نبالة بروتس ومثاليته كانت تخلق منه شخصاً عاطفياً ومتذبذب المشاعر، تعلوه الرغبة برفع اسم روما كنموذج للعدالة والحرية والديمقراطية. لم يكن يعنيه (لا في مسرحية شكسبير ولا حتى في تاريخ بلوتارك) أي شغف بالسلطة.

هذه النبالة التي جعلته خاسراً فيما بعد عند مناقشة الزمرة لاغتيال أنطونيو (صديق قيصر المقرب) ورفض بروتس بحجة أنهم مضحين بطاغية وليسوا جزارين. لقد رفض بروتس قتل أنطونيو، لأن المهم هو قطع الرأس (قيصر) وليس التمثيل بالأعضاء (أنطونيو وآخرين).

آه لو أننا إذن قد استطعنا أن نواجه روح قيصر دون أن نقتل قيصر! غير أن قيصر للأسف لا بد من أن يدفع دمه ثمناً لمطامحه. (يوليوس قيصر ص52)

هذه النبالة المطلقة في شخصيته جعلت كاسيوس الطامح للإطاحة بالقيصر والساعي للسلطة، أن يبحث عن شخص يؤلب معه مجموع النبلاء والشعب، أن يأخذوا موقفاً، وهذا ما جرى، لقد مارس كاسيوس الفتنة وتجيير النبلاء وأهمهم بروتس ضد قيصر، وعند حادثة الاغتيال، كان بروتس حاضراَ، وآخر الطاعنين لجسد يوليوس، ونطق قيصر بعبارته الشهيرة “حتى أنت يا بروتس”.

ضمن هذا السياق لتاريخ الحادثة، وإعادة صياغتها أدبياً، نستطيع أن نفهم بأن بروتس فعلياً ليس خائناً كما يتم الترويج له، وكما فُهِم من العبارة الشهيرة.

بروتس كان يسعى لحرية وعدالة في مجتمع تسود داخله النبالة والأخلاق، وعدم السماح بطغيان أحد. تاريخياً، من الصحيح أن بروتس قد انتحر في النهاية وجميع الزمرة في حادثة الاغتيال قد هربت واستلم أنطونيو أمور روما، لكن تبقى تجربة البحث عن الحرية والعدالة حاضرة. فهل الخلاص من ديكتاتور يمكن وصفها بالخيانة حقاً!

إن تأليف شيء يخضع لاعتبارات مزاجية لصانع المحتوى وخاطئ، يؤدي قطعاً لنشر الجهل وحصر الحقيقية في زاوية ضيقة، إذا لم يؤدي لتلاشيها

نعود إلى اليوتيوب وطريقته في رسم ملامح حرية النشر واتساعها.

إن تأليف شيء يخضع لاعتبارات مزاجية لصانع المحتوى وخاطئ، يؤدي قطعاً لنشر الجهل وحصر الحقيقية في زاوية ضيقة، إذا لم يؤدي لتلاشيها، ويؤدي أيضاً لمعلومة تخضع للمرئي وليس للقراءة والبحث. حالة استسهال للمعلومات تخلق من الشعوب بشكل غير واعي ممجدة للديكتاتوريات.

وهذا أمر لا يمكن أن نعبر عليه دون الحديث فيه، لأنه ليس عابراً، ولأنه يؤسس في هذا العالم المتسع من المعلومات المتشابكة، إلى أخطاء تتركز وتتوارث لدى العقول والشعوب. فعبارة قيصر هي نموذج صغير عن ملايين أخرى من المعلومات التي يتم نشرها يومياً وتتبع لمزاجية الشخص الذي يصنع المحتوى، ويتم تلقيها من أي متابع أو عابر في موقع. دون البحث في خلفيتها.

ما يجري أننا نستسهل ما يأتي ونمتلك مع سرعتها كماً هائلاً من المعلومات الخاطئة أو الصحيحة، فعدم البحث والتقصي لا يخلق فينا سوى نوع من الترديد الغبي والأجوف. إن عدم التحليل والاكتشاف الذاتي لا يمكن معه أن يُبنى شيء حقيقي، إنه لا يؤدي سوى لانهيار غير واضح ومستمر لنقطة مصيرية في معنى وجودنا الإنساني وهو العقل التحليلي، إن نتائجه المستقبلية كارثية، لأنه يخلق منا آلات ذات ترددات واحدة لا يكمن التباين فيها.

ومن المصادفات الغريبة أن لكل لحظة تاريخية أبطالها، بروتس الحر صاحب المشروع الوطني، وكاسيوس الفتّان صاحب مشروع السلطة، وقيصر الطاغية الذي اغتيل في عام 44 قبل الميلاد، ظهيرة الخامس عشر من آذار.

ففي هذا العالم، كم بروتس انتحر نبلاً! وكم كاسيوس فتن بالسلطة! وكم قيصر ما زال حياً!.

قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!