قراءة وحوار في كتاب: عطب الذّات (٨)

 وقائع ثورة لم تكتمل.

0

تأليف: د. برهان غليون.

قراءة: أحمد العربي

إصدار: الشبكة العربية للأبحاث والنشر/ ط ١. ورقية . ٢٠١٩م.

انقلاب التاريخ: من الانتفاضة إلى الكارثة.

يعود مجددا د. برهان للتحدث عن النظام السوري وخصوصية بنيته الداخلية، في محاولة لتفسير عنف النظام ووحشيته بحق الشعب السوري.

الصراع على السيادة.

يتحدث د. برهان عن وصول حافظ الأسد إلى السلطة في سوريا منذ انخراطه في الجيش وفي حزب البعث، إحساسه ورفاقه بالغبن لاستبعادهم لمصر أيام الوحدة المصرية السورية، تشكيلهم للجنة العسكرية في حزب البعث ببنيتها الأقلوية، قيامهم بحركة آذار ١٩٦٣م، سيطرة البعث على السلطة ثم إقصاء القيادة المدنية ١٩٦٦م، ثم إقصاء رفاق اللجنة العسكرية والاستفراد بالسلطة من قبل الأسد ١٩٧٠م.

اعتمد حافظ الأسد ببناء سلطته على استثمار بنيته العائلية والعشائرية والطائفية لصناعة قوة سلطته وبنية هيكلها الأساسي الأمني والعسكري. توسع د. برهان كثيرا في تحليل ظاهرة الحكم العائلي العشائري الطائفي كنموذج، كما فعل حافظ الأسد، هذه السلطة المنفصلة عن الشعب التي ترى نفسها سادة والشعب عبيد، سلطة تستحوذ على كل مكتسبات الدولة، تعتمد على القمع والبطش والتنكيل بالمعارضين وعلى أصغر وأتفه الأسباب، تخلق نموذجا للرعب في ذهن الشعب عقابا لمن يخرج عن إرادة الحاكم، طبقة الحكم منفصلة شعوريا وواقعيا ومصلحة عن مجموع الناس، لذلك كانت تنظر للشعب بصفته مجال استثمار وليس عليه إلا السمع والطاعة، لذلك نفهم التنكيل بالمعارضين وحاضنتهم الشعبية بمجازر يذهب ضحيتها عشرات الآلاف من الناس كما حصل في حماة وغيرها في ثمانينات القرن الماضي.

هذه العصبية العائلية العشائرية لحافظ الأسد وابنه من بعده والتي نهلت من الطائفة العلوية قوامها في بنيتها العسكرية والأمنية، والتي أشبعت بالمكتسبات، حولت سوريا بالنسبة لهم لبلد محتل يتصرفون به كما يشاؤون، والشعب لأعداء محتملين يُحاربون كل الوقت ليستمروا بالطاعة والعبودية.

لذلك كان يرى د. برهان أن الواقع السوري قائم على معادلة ظلم لا حل لها إلا بإجبار النظام للتخلي عن الحكم لصالح مجموع الشعب، سواء بالثورة عليه أو إجباره دوليا. وهذا يعني أن سوريا كانت جاهزة موضوعيا للحرب الأهلية. لذلك كانت استجابة النظام لمطالب الشعب السوري بالحرية والكرامة والعدالة والديمقراطية من النظام السوري هي العنف المطلق لإعادة العبيد إلى بيت الطاعة مهما كان المردود المأساوي على مجموع الشعب السوري وسوريا أيضا.

الحرب العربية الإيرانية الثانية.

في عنوان لافت يتابع د. برهان ربط عوامل تشكل الحدث السوري وتطوره بالشكل الذي حصل مدخلا فيه العامل الإيراني. فبعد أن قرر النظام العائلي العشائري الطائفي السوري أن يعتمد العنف المطلق لمواجهة الشعب، وبكل أنواع الأسلحة، لكن المظاهرات المليونية وقرار الشعب السوري بعدم العودة للذل والخنوع والاستبداد، وبداية مواجهة النظام بالعنف المسلح، قد جعل النظام ينهار رويدا رويدا أمام الثوار ويخسر الأرض والسلطة والهيبة.

اعتمد حافظ الأسد ببناء سلطته على استثمار بنيته العائلية والعشائرية والطائفية لصناعة قوة سلطته وبنية هيكلها الأساسي الأمني والعسكري

في هذا الوقت كان التدخل الإيراني كحالة إنقاذية للنظام السوري. وللحديث عن الدور الإيراني في منطقة الشرق الأوسط يعود د. برهان إلى بداية التشكيل السياسي الحديث للمنطقة كلها على أنقاض إسقاط الخلافة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى. ثلاث معاهدات دولية صنعت شكل المنطقة العربية المشرقية وجوارها، معاهدة لوزان صنعها الغرب مع بقايا الجيش العثماني، وسايكس بيكو الفرنسية الإنكليزية لتقسيم المشرق العربي للدول التي هي عليه الآن، ووعد بلفور الإنجليزي بوطن قومي لليهود في فلسطين. هذه المعاهدات صنعت المنطقة والشعوب أصحاب الحق هم ضحيتها وليس لهم أي فرصة للتدخل.

هم من سيكون ضحيتها بالاستعمار المباشر ثم بدول ورثت الاستعمار وتركته. كانت إيران الشاه تمثل مصلحة الغرب في الشرق الأوسط، وعندما سقط الشاه، وجاء الخميني ومعه مشروعه الديني الإمبراطوري، اصطدم بداية بالعراق الذي دعم غربيا وعربيا لمواجهة الطموح الإيراني.

لكن العراق سرعان ما سيكون ضحية تدخل دولي عبر عقود لإضعافه أولا ثم احتلاله في ٢٠٠٣م من قبل أمريكا وتحالفها الدولي. استغلت إيران الفرصة للاستمرار في مشروعها الإسلامي ومده في الشرق الأوسط كله. كانت العراق أولى ضحاياه بعد إسقاط صدام واحتلال العراق، أصبح الكادر الشيعي العراقي المتشبع بالرؤيا الإيرانية هو الحاكم الفعلي في العراق، خاصة بعد خروج أمريكا من العراق في ٢٠٠٦م.

وكانت إيران قد هيمنت واقعيا على لبنان عبر حزب الله وبالتوافق والتنسيق مع نظام حافظ الأسد وبعده ابنه. لذلك كانت سوريا جزءا مهما من الهلال الشيعي الذي أصبح أمرا واقعا، لذلك كان خيار إيران أن تخوض حربها الثانية ضد العرب كلهم في سوريا، حيث كان الخليجيون قد دعموا الثورة المسلحة ضد النظام.  جيشت إيران الكثير من المرتزقة العراقيين والأفغان والإيرانيين ليكونوا وقودا في الحرب السورية، بمنطق طائفي مريض يستحضر التاريخ، وكأننا أمام حروب يزيد والحسين، الشعب السوري هو الضحية وهو المستهدف ودمه مهدور في معادلة مصالح النظام السوري والإيراني والأدوار العربية والغربية العاجزة أو المتربصة.

تجدد الحرب الباردة.

يتابع د. برهان رصد تطور العمل العسكري من النظام ضد الشعب السوري، انضمام إيران وميليشياتها العراقية والأفغانية وحزب الله لصفوف النظام في معركة إبادة للشعب السوري وثورته. كان السوريون والعرب ينتظرون تدخلا أمريكيا لنصرة الشعب السوري المعرض للإبادة، لمواجهة التغول الإيراني الذي استباح سوريا كاملة. لكن الرئيس الأمريكي أوباما لم يتدخل، وترك السوريين إلى أقدارهم وما يستطيع تقديمه لهم عرب الخليج، من دعم عتاد، كل ذلك موضوع تحت المراقبة والضبط الأمريكي.

في هذه الأثناء كانت روسيا التي تمخضت عن الاتحاد السوفييتي المنهار ١٩٩٠م، قد بدأت تفكر في مواجهة عصر القطب الواحد التي قررته أمريكا. تدخلت روسيا في سوريا عندما وجدت أن ميزان القوى على الأرض السورية ما زال لصالح الثورة أو أقرب للتوازن رغم التدخل الإيراني، وأن أمريكا لا تود أن تتدخل في سوريا، لذلك قررت روسيا التدخل العسكري المباشر في ٢٠١٥م مستهدفة الشعب السوري وثورته بأسوأ حرب إبادة على الشعب السوري. كل ذلك تحت نظر الغرب والعالم، وكأنها متفقة مع الأمريكان، تُركت سوريا لقدرها الأسود. الروس خرجوا من المعركة منتصرين؛ أعادوا دولتهم إلى مرحلة القطبية الدولية الثنائية، اختبروا أسلحتهم بفخر واعتزاز. كل ذلك على حساب دم وحقوق ومستقبل الشعب السوري.

غياب القيادة: محاولة للفهم.

يحاول د. برهان أن يفسر ما آلت إليه أوضاع الثورة السورية من فشل مريع، وما انعكس على الشعب السوري بمأساة تكاد تكون الأسوأ في التاريخ بحق شعب قام للطلب بالحرية والكرامة والعدالة والديمقراطية والحياة الأفضل، مئات الآلاف من القتلى وأضعافهم من المصابين ما يزيد عن نصف الشعب السوري مشرد ولاجئ وحياته في أسوأ حالاتها، أكثر من نصف سوريا مدمر.

يعيد د. برهان كل ذلك بتركيز شديد إلى تكامل عوامل داخلية سورية وإقليمية ودولية؛ فعلى مستوى السوري كان خيار الشعب مطلقا في مطالبه المحقة، وكان النظام بتركيبته العائلية العشائرية الطائفية غير مستعد أن يتنازل عن أي مكتسب له كنظام محتل لشعب من العبيد. تكامل مع ذلك الدعم الإيراني المطلق للنظام في كل شيء مكملا هلاله الشيعي. إضافة لإعادة روسيا لدورها الدولي في سوريا بحيث حسمت المعركة لصالح النظام على الأرض. كذلك ضعف الدعم المقدم من دول الخليج للثورة السورية وتفتته بحيث عجز عن مواجهة النظام وإيران وروسيا.

كما كان لوقوف أمريكا وحلفائها متفرجة على المأساة السورية جعلتها تصل إلى ما وصلت إليه. مع ذلك يؤكد د. برهان أننا كثوار وسياسيين سوريين مسؤولون عن الشعب السوري وثورته.

كنّا في أسوأ حالاتنا؛ الاختلافات بين القيادات السياسية، مجلس وطني وهيئة تنسيق، الخلافات داخل كل حالة سياسية، الشللية والمصلحية والنظرة الذاتية الضيقة جعلت الأداء السياسي سيئا، بحيث لم يحظ التمثيل السياسي على المصداقية الكافية، أصبح

ألعوبة بيد الأطراف الدولية والإقليمية الفاعلة في القضية السورية.

يضاف إلى ذلك واقع العمل العسكري الذي نشأ عشوائيا ولم يتوحد وتعدد في مصادر تمويله ومساراته حسب الدول والقوى الداعمة، وكانت الأسلمة بأنواعها المأزق الذي جعل الثورة يتيمة، وتخسر داعمها الدولي، وتتحول مهمة الغرب إلى محاربة الإرهاب، وترك الشعب السوري وثورته ضحية في يد النظام وحلفائه، ودفعنا ذلك الثمن الغالي.

يرى د. برهان أننا لو كنا سياسيين وثوار متوحدين ومنطلقين من خطة استراتيجية واضحة المعالم، وعرفنا كيف نتفاعل مع الفاعلين الإقليميين والدوليين في القضية السورية. كان الحساب الختامي مختلفا وأقرب لمصلحة الشعب السوري وثورته.

صناعة النخبة أو التعقيم السياسي.

حاول د. برهان أن يفسر ظاهرة ضعف أداء الأحزاب السياسية السورية المعارضة وناشطيها، كذلك الثوار العسكريين خارج إطار الذاتيات المريضة أو المصلحية، بالرجوع إلى التمييز بين مجتمع ديمقراطي يبني نخبه على قاعدة الولاء الوحيد للوطن والشعب، والعمل لصناعة الكفاءة التي تجد لها مسارها كخيارات اجتماعية وسياسية واقتصادية للأفراد والدولة، بهذا الشكل تنشأ النخبة السياسية ضمن شروط صحيّة وتختبر نجاحها وفشلها أمام الناس ومعهم وفق خيارات سياسية محددة.

هناك تداخل إلى درجة التطابق بين خيارات السياسي الذاتية والعامة في الدولة الديمقراطية، حيث يكون نشاطه منسجم وجدانيا وعقليا وإنسانيا بين مصلحته الخاصة والمصلحة العامة للبلد والمجتمع كما يراها في خياراته السياسية

هناك تداخل إلى درجة التطابق بين خيارات السياسي الذاتية والعامة في الدولة الديمقراطية، حيث يكون نشاطه منسجم وجدانيا وعقليا وإنسانيا بين مصلحته الخاصة والمصلحة العامة للبلد والمجتمع كما يراها في خياراته السياسية، والمنافسة السياسية والشعب يقرر أي خيارات يأخذ وفق الآلية الديمقراطية المعاشة في الدولة على كل المستويات. الدولة الديمقراطية تؤمن قنوات فاعلية وتوالد دائم لنخب جديدة وترحيل نخب لم تنجح خياراتها، الدولة الديمقراطية تنجح دوما بخلق نخبها السياسية وعلى كل الصعد حيث تكون الدولة في واقع أفضل على الدوام، حسب حيوية نخبها كل الوقت.

أما في الدولة الاستبدادية فالأمر مقلوب. فلا نخبة كفاءة بل نخبة ولاء، لا مصلحة دولة ومجتمع بل مصلحة العصبة الحاكمة، لا منافسة إلّا على خدمة الحاكم والرياء والنفاق له لكسب ودّه وفتاته، هذه التربية العملية الحاصلة في الدولة الاستبدادية ستنتج الانتهازية والباطنية والازدواجية والكذب والخداع وهيمنة عقلية المصلحة الخاصة ولو على حساب المجموع الشعبي، تماما كما السلطة المستبدة، لذلك لا نخب بريئة من أمراض الاستبداد والانتهازية والمصلحية في الدولة الاستبدادية.

هذا وعندما يتواجد بعض النخب الحزبية أو المهنية التي تختار مواجهة المستبد، يكون سحقها هو المطلوب: الاعتقال والقتل والنفي والعزلة والمحاربة بلقمة العيش، هذه النخبة المعارضة ستكون تحت ظروف القهر السياسي معرضة أيضا للإصابة بأمراض الاستبداد نفسه، رغم أنها ضحيته. جنون العظمة، التمترس وراء الاعتقاد وكأنه حق مطلق، استسهال تخوين الآخرين، تغطية العمل للمصلحة الخاصة في ظروف الثورة على أنها تعويض عن تضحيات قدمت، عدم القدرة على التفاهم مع المختلف، صعوبة صناعة توافقات جبهوية لأهداف مشتركة. هذا غير غياب الإدراك السياسي الاستراتيجي العام للواقع ضمن معادلة متحركة في سوريا والإقليم والعالم.

هكذا أراد د. برهان أن ينصف المعارضة السياسية السورية وقادة الثوار بأنهم: أرادوا أو لم يريدوا هم أيضا ضحية استبداد قد شوههم وجعلهم على الصورة التي هم عليها. لعله توصيف يندرج ضمن الشروط المخففة بالحكم على الناشطين السياسيين والعسكريين في الثورة السورية في حساب فشل الثورة السورية، على الأقل للآن، وانعكاس ذلك على الشعب السوري بأسوأ ما يكون.

الخاتمة.

يختم د. برهان كتابه إعادة مركزة لمحتويات كتابه، مركزا على أن ما حصل في الثورة السورية كان لا بد أن يحصل وفق معادلة داخلية سورية، حرب النظام وحلفائه على الشعب السوري وثورته. وإقليمية ودولية تضامن روسيا وإيران لدعم النظام السوري حتى ينتصر على الشعب السوري وثورته، تواطؤ وصمت أمريكا والغرب وقبولهم بالمحصلة بما حصل، توقف عند العيوب التي شابت النشاط المعارض السياسي والعسكري للثورة، وأنه كان من الممكن أن يكون أفضل. وأنهى كتابه بأن الثورة السورية كسرت حاجز الخوف، وانتقل الناس للمطالبة بالحرية والكرامة والعدالة والديمقراطية والحياة الفضلى، لن يرجعوا إلى ما قبل هذه اللحظة، المهم كيف نستفيد من أخطائنا كثوار وسياسيين، لنواكب ثورة شعبنا في موجة جديدة.

قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!