الشفافية فعل مجتمعي يبدأ من الفرد ولا يقف عند حدود معينة

0
الأيام السورية؛ المحامية كفاح زعتري

الشفافية في مفهومها العام، مجموعة القيم المتعلقة بالصدق والأمانة والإخلاص في العمل والاهتمام بالمصلحة العامة، والالتزام بمبدأ تجنب تضارب المصالح.

معنى الشفافية

لو بحثنا في معنى الشفافية نجد كلمات مجاورة لها، وقد تبدو مرادفة لها، كالأمانة والإخلاص والعدالة والصدق والنزاهة، وهي كمفهوم ثقافي تعتبر إحدى العناصر الأساسية للحوكمة الرشيدة باعتبارها تعني؛ الوضوح التام في الواجبات والمعاملات وكل سبل أداء المسؤوليات. فهي تسعى إلى تقديم المعلومات الصحيحة إلى كل من يطلبها دون تفضيل أو تمييز.

الباحث ومسؤول الإعلام في المنظمة العربية لمكافحة الفساد الدكتور هشام يحيى، يقول: “لا ينحصر مجال الشفافية في المجال المادي فقط، فالشفافية حاملة لمضامين الانفتاح وأساليب الاتصال ومستويات المساءلة. تسعى إلى رقابة العمل وكيفية مزاولته وتقويمه وتصحيحه، باعتبارها ذات اتصال وطيد بالمساءلة الفعالة والمحاسبة الدقيقة الرزينة والنزيهة، وهي كذلك تتجنب كل ما يمكن أن يؤدي إلى الخطأ أو تكراره وإعادة ارتكابه، كما أنها تتضمن أساليب التواصل الفعّال ما بين مختلف المواطنين، وكذا ما بينهم وما بين من يسهر على صنع القرار سعياً إلى تحسين نوعية الخدمات المقدمة لأفراد المجتمع وذلك من أجل تعزيز ثقة المواطنين في القرارات الصادرة عن مختلف دوائر الدولة ومختلف مؤسساتها، ناهيك على أنها تهدف إلى إصلاح الإدارة ومحاربة الفساد وكشف المفسدين”.

إذن، فالشفافية ظاهرة مجتمعية تشير الى التعامل بطريقة واضحة وعلنية، وتقوم على تقديم المعلومات والبيانات بشكل علني، عبر الإعلام أو عبر منظمات العمل المدني أو المنظمات الأهلية، بشكل يتيح لمن لهم مصلحة في قضية ما أن يحصلوا على معلومات كافية ووافية حول هذه القضية، مما يساعد في كشف عيوب أو تقصير ما، وبالتالي؛ يساهم بممارسة بناءة في تقويم الخطأ وحماية مصالحها.

الشفافية ركن أساسي من أركان الحكم الرشيد

ولكي تكون المؤسسات المستجيبة لحاجات الناس ولمشاغلهم منصفة، عليها أن تكون شفافة، وأن تعمل وفقا لسيادة القانون. فإصلاح مؤسسات الدولة وجعلها أكثر كفاءة ومساءلة وشفافية ركن أساسي من أركان الحكم الرشيد.

ما بين الاستبداد والشفافية عداء تاريخي، فالأولى تسعى لطمس الحقائق وتكريس الفساد والثانية تسعى للوضوح ومحاربة الفساد،

فالشفافية والمساءلة؛ مفهومان مترابطان يعزز كل منهما الآخر. ففي غياب الشفافية لا يمكن وجود المساءلة، وما لم يكن هناك مساءلة فلن يكون للشفافية أية قيمة.

الحكم الرشيد؛ هو نتيجة لنظام ديمقراطي في كافة مناحي الحياة سياسياً، واقتصادياً، واجتماعياً، وتعليمياً، وثقافياً، فالديمقراطية هي الحرص على حق الآخر كما تدافع عن حقك.

ونستطيع القول؛ إن أي مجتمع أو نظام سياسي اجتماعي قادر على تطبيق المفاهيم الثلاثة (الشفافية والمساءلة والحكم الرشيد) يستطيع ضمان تحقيق العدالة والتقدم سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وهذه المفاهيم وإن كانت قد سوقها الغرب بمؤسساته باعتبارها من صنعه وإنجازاته، إلا أن الشفافية بمعانيها المختلفة والمساءلة وسلامة الحكم المتمثلة بالفصل بين السلطات وردت في مقدمة ابن خلدون قبل قرون.

الاستبداد والشفافية

ما بين الاستبداد والشفافية عداء تاريخي، فالأولى تسعى لطمس الحقائق وتكريس الفساد والثانية تسعى للوضوح ومحاربة الفساد، ومن هنا يكتسب مبدأ الشفافية أهميته في مؤسسات الحكم المدني.

تعتبر الشفافية مقوماً أساسياً من مقومات الحكم الرشيد، وشرطاً رئيسياً من شروط تحقيق التنمية البشرية، وهي تعتمد في تطبيقاتها على الإفصاح والعلنية عن عمل المؤسسات في الوقت المناسب، والابتعاد عن التسويف وإخفاء الارقام والحقائق بخاصة تلك التي تتعلق بقضايا تتصل بمعيشة الناس.

نعلم أن الكثير من المسؤولين يتقنون فن خلط الأوراق وتبديل الأرقام بهدف إضاعة الحقائق، لذلك فنحن ومنذ سنين طويلة كنا نطالب أن تعلن المؤسسات الرسمية بعدالة عن تفاصيل عملها بشفافية، إلا أن آليات الحكم الشمولي والتسلطية في مؤسسات الدولة جعلت هؤلاء المسؤولين يحتكرون العلم والمعرفة والقرار، ويخونون كل من يحاول الاقتراب من عتبة الحقيقة والمعلومات”.

تعلم فن المحاسبة

إن بسط سلطة القانون على الجميع هو الحل الوحيد، علينا محاسبة كل من يتخذ قراراً نتائجه ضرر على المجتمع، وكل من يفوّت بسوء إدارته فرص النفع العام على الجميع، وبشكل أدق علينا أن نتعلم فن المحاسبة، حيث يجب ألا يكون أحد فوق المحاسبة، لضمان عدم تغوّل البعض على الخاصة والعامة.

تمتلك الأنظمة ذات الشفافية إجراءات واضحة لكيفية صنع القرار على الصعيد العام، كما تمتلك قنوات اتصال مفتوحة بين أصحاب المصلحة والمسؤولين، وتضع سلسلة واسعة من المعلومات في متناول الجمهور.

دون الشفافية يتأصل الفساد

يبدو مفهوم الشفافية مرتبط ارتباطاً وثيقاً من حيث المطالبة بمفهوم آخر هو الفساد والهدر والتقصير، ويعتمد أساساً في بنائه وتأكيده على صفته وقيمته في حياتنا على جانب آخر هو المساءلة والإصلاح والمحاسبة، فبقدر ما نحقق الإصلاح والمساءلة ونكافح الفساد والمفسدين نكون أقرب إلى بناء مجتمع الشفافية الذي ينادي به كل المخلصين من أبناء الوطن.

الحكم الرشيد هو نتيجة لنظام ديمقراطي في كافة مناحي الحياة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وتعليمياً وثقافياً، فالديمقراطية هي الحرص على حق الاخر كما تدافع عن حقك.

ممارسة الشفافية

نستطيع القول؛ وبعد ثورة الاتصالات أن منظمات المجتمع المدني باتت السلطة الخامسة في أي مجتمع بعد السلطات الثلاث المتعارف عليها، التشريعية، والتنفيذية، والقضائية، وسلطة الإعلام السلطة الرابعة، وبالتالي؛ فإن دورها حاسم وضروري في تكريس مبدأي الشفافية والمساءلة في أساليب الحكم، ولكنها للأسف ما زالت حتى هذه المرحلة تعمل بخجل شديد، ولم تصل إلى مستوى الطموح لتشكل أداة ضغط على الرأي العام من جهة وعلى مؤسسات الحكم من جهة أخرى، نشاهد مبادرات طموحة ولكنها للأسف فردية، إذ ما زالت هذه المنظمات تعمل دون استراتيجية واضحة ودون تشاركية مع الغير، وبالتالي فإن هذه المبادرات لا ترقى إلى مستوى التأسيس لثقافة الشفافية والمساءلة.

لابد من بناء القدرات المؤسسية لصياغة وتطبيق معايير أعلى للنزاهة والشفافية والمساءلة. وكذلك استخدام تكنولوجيا المعلومات لمتابعة وقياس آثار تطبيق هذه المعايير. لإتاحة المزيد من الشفافية والمساءلة وسرعة اتخاذ الإجراءات التصويبية اللازمة.

من الضروري أيضاً أن يعاد النظر في القوانين واللوائح التي تعيق عمل المنظمات غير الحكومية بغية تحريرها لكي تقوم بين مجالس الحكم، وهذه المنظمات شراكة فعالة وجهود مشتركة لزيادة مستوى التمسك بمبادئ النزاهة والشفافية والمساءلة في المؤسسات العامة.

تبدأ الشفافية من علاقة الفرد مع ذاته، اتساق طروحاته ومواقفه مع شكل ممارسته للحياة اليومية، وتبدأ من الأسرة والعلاقة بين الزوجين، وبين الأبوين وأولادهم، بين المدرس والطلاب، بين الصحفي وجمهوره. ببساطة؛ هي علاقة مجتمعية تدخل في كل مفاصل الحياة والعلاقات الاجتماعية، والإدارية، والسياسية، والاقتصادية.


مصادر أخرى:

عبير مصلح، النزاهة والشفافية والمساءلة في مواجهة الفساد، الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة، رام الله 2010.

مصدر مركز الدراسات والأبحاث في القيم   المشروع الاقليمي لمكافحة الفساد وتعزيز النزاهة في البلدان العربية  الدليل التشريعي لتنفيذ اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، الصادر عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، نيويورك2008.
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!