لص الواقع وديمقراطية العالم الرقمي الزائفة

0
الأيام السورية؛ علي الأعرج

حتى وإن كان لصاً، فهذا لا يلغي أبداً، ألا يكون صديقاً حميماً.

قبل عشرين عاماً تقريباً، أخبرت أحد الأصدقاء الجدد (الذين يدخلون حياتنا هكذا) بتلك العبارة، بعد جدل طويل حول شخص ثالث يمارس اللصوصية بفكاهة. فما كان منه إلا أن ألغى صداقته معي. بالطبع لم أتحدث بذلك الشكل إلا برغبة عميقة في الخلاص منه ومن دعاباته المؤدلجة الساذجة، اعتماداً على النظرية التي تقول: “إن أردت أن تتخلص من أحد للأبد، فما عليك إلا أن تقدّم رؤية في مسألة معينة مخالفة جذرياً لقناعته”.

هكذا؛ تتخلص من شخص ما، وأن تضحك عميقاً في سرِّك، بينما هو يحظى بأهمية أخلاقية واحترام في وسطه. لكن كل ذلك غير مهم، فاللامبالاة والتهكم من العقل المنغلق هو السلاح الوحيد الناجع لوجودك على هذه الأرض في محاربة كل نمطيّة مؤدلجة. أو هذا على الأقل ما أنا مقتنع به. وبالطبع على خلاف الرغبة بالخلاص منه، فأنا متيقن من أن السيء ليس هو الذي لا يخضع لقانون المجتمع، بل هو الذي يفرض قانون المجتمع عليك، وينفيك لمجرد اختلافك معه، فاللص ببساطة هو الذي يملك نظاماً للعدالة لا يناسب القوى المسيطرة من أديان وسياسيين ومراكز حكم. إنه ثورة مفردة في عصر القطيع.

ولليوم، في عصر السرعة التكنولوجية، ما زلت ذلك الشخص اللامبالي في محاربة أي فكرة تنتشر بسرعة، اعتماداً على قوله تعالى: وإن جاءكم فاسق بنبأ فتبيّنوا. وبالنسبة لي شخصياً، كل ما هو في مركز متحكم، فاسق قطعاً.

كل ما سبق، يمكن اعتماده على الظروف المحيطة بنا في تغيير إرادة المجتمعات تحت سيطرة القوى الكونية على حيواتنا وأفكارنا وتحويرها. وربما المثال الواضح حول هذه النقطة، هو ما جرى مؤخراً في البرازيل، على غرار ما جرى سابقاً في انتخابات أمريكا ونجاح ترامب.

أعتقد أننا بحاجة أن نفهم مسألة مهمة حول العالم الحالي، وما نعيشه بصورة السرعة فيه، وهو أن نفكر دائماً ونقتنع، إن كنا علمانيين، بشكليّة ديكارت، وإن كنا مؤمنين، أن نتبيّن خبر الفاسق.

حالة ترويج المعلومة الزائفة في عصر السوشيال ميديا لتغيير آراء المجتمعات والتأثير عليها، والأهم تهديد جدي للديمقراطية تحت اسم الاختيار والبحث وعقلانية التفكير من خلف الشاشة.

ما جرى في البرازيل، هو وصول الرئيس، جايير بولسونارو، وهو عسكري سابق إلى سدة الحكم. وقد عمل على تدمير الأمازون وطروحاته المعلنة في تمجيد الديكتاتورية، ودعوته بحسب رؤيته العسكرية المتشنجة بغلاف اجتماعي، لاستخدام العنف مع الأطفال المثليين. برغم أنه لا يلقى شعبية، إلا أنه في النهاية قد نجح.

الذي فعله بولسونارو ومؤيدوه، هو ترويجهم إشاعات زائفة ضمن وسائل التواصل، لأكبر شريحة ممكنة حول العالم وليس في البرازيل فقط، في اختلاق أكاذيب حول خصومه السياسيين وتشويه صورهم. هكذا نجح بولسونارو، وهكذا يصل الحمقى إلى سدة الحكم ليتحكموا بمصائرنا، ويخضعونا لأشد الأنظمة طغياناً، إن كانت مباشرة كأفعال قمعية عسكرية، وإن كانت عن طريق زرع الوهم والكذب في عقول الناس.

قد يبدو الحديث عن بولسونارو أو ترامب، الخ، غير مهم بالنسبة لنا كأشخاص نخوض ظروفاً قاتلة وحروباً مدمرة، لكنها مهمة من ناحية أننا نخضع لسحر التكنولوجيا والمساهمة بالترويج دون البحث في حقيقة ما نقرأ وما نسمع. إننا نتحول إلى أدوات للنشر دون تفكير. وهذه الممارسة العفوية ببساطة يمكن أن تكون الحبل الذي يشنق إرادتنا الحرة في التعبير عن ذواتنا وأفكارنا تحت اسم العالم المنفتح، لكننا نخضع لتصديق الإيديولوجيات التي تناسب قناعاتنا المسبقة والجاهزة.

إننا نمجّد الذين يلعبون بأقدارنا، ويتحكمون فينا ويفرضون وجودهم القمعي.

أعتقد أننا بحاجة أن نفهم مسألة مهمة حول العالم الحالي، وما نعيشه بصورة السرعة فيه، وهو أن نفكر دائماً ونقتنع، إن كنا علمانيين، بشكليّة ديكارت، وإن كنا مؤمنين، أن نتبيّن خبر الفاسق.

بؤسنا ببساطة هو لأننا مقتنعين أننا يجب أن نكون أوفياء لأنماط فكرية معينة وتابعين لها، وليس لأننا مقتنعين بأننا بشر لا فرق بيننا. ما هذا الغباء المستفحل المضحك!

مشكلة الطبيعة البشرية أنها تراجيدية، تميل دائماً لتصديق السلبيّة، وتختلق أدواراً مؤلمة لذاتها وللآخرين. تعشق الشخصية المنهزمة التي تحاول وتفشل، تستمتع بها، وتبحث عن التعاطف الإنساني. مشكلة الإنسان دائماً وأبداً، أنه يسعى ليكون كائناً لطيفاً. وهو حق طبيعي، لكن في عصر يمتلأ بوحوش الإيديولوجيات، يصبح البحث عن التعاطف والطيبة والتصديق عبارة عن غباء مزمن.

أي سلطة في العالم هي فاسقة، أي إيديولوجية تحتمل عنصراً من القوة والفرض على الناس هي فاسقة، أي نمط لكيان فوق الشعوب يمارس أنظمته عليها وإخضاعهم لها، هو نمط فاسق. أي خبر يصدر عن سلطة أياً كان نوعها (سياسية أم دينية أم اقتصادية) هو خبر فاسق، فالأحرى بنا أن نتعامل معها بلامبالاة وتهكّم مطلق، لا لأي أسباب يمكن أن نبحث ورائها عن عقلانيتها أو منطقيتها، بل فقط لأنها سلطة، وهذا سبب جوهري.

بؤسنا ببساطة هو لأننا مقتنعين أننا يجب أن نكون أوفياء لأنماط فكرية معينة وتابعين لها، وليس لأننا مقتنعين بأننا بشر لا فرق بيننا. ما هذا الغباء المستفحل المضحك!.

عندما أخبرت صديقي، بعبارة أنه لو كان لصاً فهذا لا يلغي أبداً ألا يكون صديقاً حميماً، أثبت الزمن بأن ذلك اللص في النهاية هو أبسط من أن يفهم لعبة السياسة، لكنه ممتع وفكاهي في سرقة الأثرياء وأصحاب النفوذ. هو لم يعرف ما هي البروباغندا، ولم يهتم من هو صاحب الحق في الصراع السوري، لقد اعتمد حسه السليم بأن العدالة والحرية لا تأتي بالانسياق وراء النقاشات والأفكار المؤدلجة. العدالة والحرية هي فهمه العفوي بأن الأثرياء وأصحاب النفوذ والسلطات، يجب أن يكونوا متساويين مع الناس بكل شيء. حسه السليم أخبره، كل ما هو في السلطة هو فاسق. لذا تمت تصفيته، لأنه ثورة مفردة في زمن القطيع.

قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!