تطرف من صنعهم

0

بقلم: محمد آق بيق

لا أحد يعرف طبيعة الشعب السوري مثل أبنائه؛ الذين ولدوا وترعرعوا على ترابه، ونهلوا من خيراته، واستنشقوا هواءه، وعرفوا الحياة من خلاله، وتكونت جينات الخير في نفوسهم من أصوله وتراثه.

ومن يعرف السوري من غير السوريين والعرب، يعرف أنه إنسان يحمل في نفسه عناصر الحضارة والأصالة، وهو اجتماعي؛ يحب التواصل مع الآخرين، ومعتدل يحب الحلول الوسط، ومثقف حتى لو لم يكن متعلما، حيث يتابع أخبار العالم، ويعرف أين تقع جزر البهاماس وعدد الولايات في جمهورية الولايات المتحدة الامريكية، ويعرف عن نهر الأمازون وقوته والنهر الأصفر وآثاره.

ولو سألت الأمي من شعبنا عن الحروب لحدثك عن (السفر برلك)، ويقصد الحرب العالمية الأولى وعدد لك أطرافها وحدثك عن الحرب العالمية الثانية، ودور هتلر فيها ومن المنتصر ومن المهزوم، ولحدثك عن مأساة فلسطين، ووجه أصابع الاتهام لكثيرين وعلى رأسهم: الولايات المتحدة، وروسيا الشيوعية التي لا أعتقد أن الأمر فيها تغير بالنظر لما تفعله حاليا في سوريا من مساهمة فعلية في قتل شعبها..

ولو سألت التاريخ قديمه وحديثه لأخبرك كيف أن هذا الشعب يذوب ضمن بوتقة الوطن بكافة طوائفه وأعراقه ومذاهبه، فالكل للواحد والواحد للجميع.. ولو تحريت عن بيوته الحديثة أو حتى القديمة لوجدت السني يجاور الشيعي، والدرزي يجاور العلوي، والإسماعيلي واللاديني.. وإذا مرض أحدهم زاره الآخرون، وإذا توفي أحدهم فتح جاره منزله يوم العزاء مهما كان دين أو مذهب هذا الجار أو المتوفى.. وفي الأعياد يعايدون بعضهم البعض، ويسعفون بعضهم البعض، ويسألون عن بعضهم البعض.. أولادهم يلعبون جميعا في الحارة أو فناء البيت أو حديقة البناء المشترك، ناهيك عن اجتماعهم على مقاعد الدراسة بكافة مراحلها أو في الجيش في أثناء الخدمة الإلزامية أو في العمل.

وللعلامة محمد كرد علي قصة شهيرة عن التنوع الطائفي تدور في أحد معامل دمشق في ثلاثينيات القرن الماضي لاحظها المندوب السامي الفرنسي آنذاك.. والمسلم السني في دمشق يستمع في دكانه إلى أم كلثوم، وعبد الوهاب، وفريد الأطرش، فإذا نودي للصلاة أغلق المذياع ووضع العصا أمام دكانه وسارع إلى أقرب جامع كي يؤدي فرض الصلاة.. أما المرأة السورية فقد تطور لباسها مع العصر، حيث كانت ترتدي اللباس الأسود الذي يسمى (ملاية زم) في الثلاثينيات والأربعينيات، ثم أصبحت ترتدي المنديل وبعده (الإيشارب)، لكنها لم تتخل عن قيمها المتجلية بالعفة والاستقامة والتقوى، وهؤلاء هم الذين ربونا وأنشأونا على الإيمان بالله وحب الوطن وصلة الرحم ومساعدة الجار.

ولو سألت التاريخ قديمه وحديثه لأخبرك كيف أن هذا الشعب يذوب ضمن بوتقة الوطن بكافة طوائفه وأعراقه ومذاهبه، فالكل للواحد والواحد للجميع.

وكان للظلم الذي لحق بأمتنا نتيجة زرع إسرائيل أثر سلبي على بعض الشباب؛ الذين اعتنق بعضهم أفكارا متطرفة كردة فعل على مواقف العالم ضدنا بلا ذنب ارتكبناه، لكن ذلك بقي ضمن دائرة ضيقة ولم يتطور إلى ظاهرة عامة، وأكبر مثال على هذا أن أكثر شبابنا استنكروا الاعتداء على مركز التجارة العالمي في أمريكا عام 2001 ، ولم يقبلوا أو يسوغوا أي تصرف إرهابي يلحق الأذى بالأبرياء، وبقيت الأكثرية الساحقة من شعبنا تؤمن بقوله تعالى: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة.

بقي الأمر كذلك حتى عام 2011 يوم قابل النظام الحاكم في سوريا مطالب الشعب العادية المشروعة في الحرية والعدالة وتطبيق الديمقراطية بالحديد والنار، ثم تعاقبت حبات المسبحة فحمل بعض الشباب السلاح دفاعا عن النفس والعرض فازداد النظام شراسة وقابل رصاصة البندقية بالصاروخ والمدفع.

لم يؤمن الشعب السوري بالعنف كسبيل لتحقيق مطالبه وطموحاته العادلة، ولكنه لا يقبل كذلك بأن تهان كرامته، ويُستهان برجولته وعنفوانه.

كان يمكن لدول العالم المتقدم التي تدّعي الإيمان بالمثل والقيم الحضارية الحديثة أن تحسم الأمر في سوريا منذ بداية الأزمة، وكان يمكن أن تنشأ سوريا الديمقراطية من جديد، وأن يعيش الناس بمحبة ووئام كما كانوا يعيشون سابقا.. كان الثمن سيكون بسيطا، فإما أن ترضخ السلطة لمطالب الشعب ولا مشكلة في بقائها، أو تذهب وتترك له أن يختاره قيادته عن طريق الانتخاب الحر المباشر.. كانت مساعدة الدول المتقدمة ضرورية في المراحل الأولى، وحتما غير مكلفة، ومن خلالها تحسم الأمور بسرعة،  لكن تراخي العالم الحر وظهور بعض الدول العربية المؤثرة اتضح أن لا حول لها ولا قوة، ترك الأمور تتفاقم نحو الأسوأ، فالنظام السوري لا يعرف حلولا وسطا ولا يؤمن بها مالم تفرض عليه بالقوة، وتقاعس العالم الحر أفسح المجال أمامه كي يوغل في جرائمه ويقتل ويشرد ويدمر ويعتقل ويعذب ما شاء له أن يفعل، مما شكل تربة ملائمة لنمو النظريات السامة، فكان من مظاهرها “داعش” وإلى حد ما “النصرة” مع نظرة خاصة لها، وكذلك بعض الكتائب المسلحة التي حملت لواء الجهاد.

ومن المعروف أن غالبية الشعب السوري تؤمن بالله وتتوكل عليه في السراء والضراء، وعندما يشتد الضيم على الشعب ليس من المستبعد عليه أن يلجأ إلى ربه طالبا الحماية والخلاص إما بالنصر أو بالشهادة.

تطورت الثورة في بعض منعطفاتها إلى حركة دينية متعصبة، وكي أضرب مثلا حديثا، مدينة حمص ثالث أكبر مدينة في سوريا في عدد السكان والمدينة الأولى من الناحية الاستراتيجية؛ حيث تتحكم بعقدة المواصلات بين الشمال والجنوب وبين الغرب والشرق، أهلها معروفون بذكائهم وخفة دمهم ودماثة خلقهم وطيبتهم واعتدالهم. وأخيرا؛ بشجاعتهم أثبتوا أنهم آباء للثورة وصمدوا خلال السنوات الثلاث الماضية.. وإذ أحكم النظام سيطرته على ما حول حمص، وفرض الحصار عليها مدة طويلة، كان ينبغي على الدول الحرة أن تساعد حمص وأهلها وتفرض على النظام أن يفك الحصار عنها ويتركها لأهلها.. لكنه تقاعس عن ذلك.. وقد قرأت أن متطوعين من النصرة تسللوا إلى حمص لدعم أهلها، ولم نكن نسمع بوجود “نصرة” في حمص فمن هو المسؤول عن نمو النصرة واكتسابها شرف دعم حمص؟ إنها العالم الذي صنفها كمنظمة إرهابية.

لم يؤمن الشعب السوري بالعنف كسبيل لتحقيق مطالبه وطموحاته العادلة، ولكنه لا يقبل كذلك بأن تهان كرامته، ويُستهان برجولته وعنفوانه.

إن “النصرة” تنظيم يتبع القاعدة وفكره بفرض تطبيق الشريعة بالقوة مرفوض من قبل غالبية الشعب السوري، وكذلك فكره التكفيري القائم على إلغاء الآخر، وأيضا فكره الإرهابي القائم على التدمير وقتل الأبرياء، لكنه يلتقي مع ثوار سوريا المعتدلين بأنه قرر محاربة النظام وخالف “داعش” بأن أجل فرض النقاب على المرأة المسلمة لما بعد النصر، وهذا ما دفع بأكثر الفصائل المعتدلة للقبول بالنصرة كحليف موقت. وأنا شخصيا أعترف بأن “النصرة” ستشكل مشكلة بعد التحرير عندما ستحاول فرض ما تؤمن به بالقوة، وأؤمن بأن “داعش” لا تمثل الثورة ولا الثوار ولا الأكثرية الساحقة من الشعب السوري الطيب المعطاء المعتدل، وأؤمن بأن “داعش” لن تسبب مشكلة لأن أكثرية الشعب ستلفظها، لكني أؤمن كذلك أن لا “داعش” ولا “النصرة” سيكون لها القول الفصل في مسألة تقرير مصير الشعب السوري، فهذا العالم الذي يسمى “حر” هو من كان السبب في نمو “داعش” و”النصرة” نتيجة تخاذله في المساعدة على القضاء على الظلم وقمع الظالم.

إن إيمان الأكثرية المطلعة من الشعب السوري بربه وبقيمه ومثله يمنعه من اعتناق الفكر المتطرف، ولكن موقف العالم الحر المتخاذل سيوسع دائرة التطرف المعاكس، وسيزيد الأمر تعقيدا. وللأسف الشديد فإن العالم الحر يخلق المشكلة أو يتركها تتفاقم لتسبب مشكلات أكبر ثم يحاول معالجة النتائج تاركا السبب الرئيسي بلا علاج، فهو يصرف المليارات على اللاجئين من دون معالجة الأسباب التي أدت بالناس إلى اللجوء، وهم يمتنعون عن دعم الثورة السورية بحجة وجود المتطرفين من دون معالجة سبب وجود هؤلاء ومن يساعدهم على النمو والانتشار.

قد يقول قائل؛ بأن العالم الحر لا ذنب له فيما يحدث، وإن الذنب يقع على الشعب السوري والأمة العربية، ولهؤلاء أقول: إذن فليتركونا وشأننا، فقد نتأخر في القضاء على المشكلة لكننا سنتغلب عليها بإذن الله، وعندها سنختار الحكم الذي نريد وبما يتماشى مع شريعتنا التي يقوم الحكم فيها على مبدأ الشورى.

خلاصة الأمر، وتعليقا على ما أورده السيد توني بلير في محاضرته أمام “بلومبيرك” وما نقتله عنه صحيفة الشرق الأوسط في عدد 24 نيسان/إبريل 2014 أقول: إن الذي سبب المشكلة التي يقول؛ إن الشرق الأوسط وسوريا على الخصوص وما تتعرض له هو موقف العالم الحر منها، وإن قيم العالم الحر على المحك وفي طور الامتحان، فإما أن ينجح ويقضي على الظلم والظالمين ويساعد في تحرير الشعب السوري مما هو فيه، أو يستمر في موقفه السلبي فيحكم على نفسه وما يؤمن به من قيم بالفشل.

وليعلم الجميع أن الحق يعلو ولا يُعلى عليه، وأن الشعب السوري لن ينسى من ناصره، ولا أعرف إذا كان سيغفر عمن ظلمه أو شارك أو دعم الظالمين، ولكنه حتما لن ينهزم وسيحقق النصر بإذن الله، وإن غدا لناظره قريب.


 محمد آق بيق، قاضٍ سابق، المقال كتب في 24/4/2014 .

قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!