كم روبيسبيير في الثورات العربية يجب إسقاطهم؟ الجانب الغوغائي في الثورات

0
الأيام السورية؛ علي الأعرج

يُفصح التاريخ دائماً عن جانب مهم في حركته، بأن أي فعل ثوري ضمن سياقه، له جانب غوغائي، حتى لو كانت الثورة تُقاد بتنظيم عالٍ جداً. والمقصود بالجانب الغوغائي طبعاً، هو ردة الفعل لجزء شعبي على نمط معين سارٍ ضمن سياقات الثورة وآلياتها، وتشكيل بنيتها، ويصبح حضور الفعل الثوري هو فعل انتقامي أكثر منه فعلاً بنائياً.

يذكر التاريخ حادثة في أثناء الثورة الفرنسية عند إعلان الجمهورية الثانية عام 1848، وفي الرابع والعشرين من شباط بالذات، أن شارل بودلير، أشهر شعراء فرنسا التاريخيين، وأحد مؤسسي ثقافة أوروبا الحديثة، كان قد شُوهد في الشارع حاملاً بندقية وهو يصرخ: “علينا أن نذهب لإطلاق الرصاص على الجنرال أوبيك”.

قد تبدو الجملة طبيعية جداً في مضمار أي ثورة، لكن لن تكون طبيعية عندما نفهم سياقها التاريخي.

شارل بودلير؛ نوع من الشعراء المتمردين على كل شيء، والثورة بالنسبة إليه تسلية فقط. لكن مع ذلك من يسمع صراخه لقتل الجنرال أوبيك، قد يشعر بمدى عمقه الثوري، لكن ما حقيقة الانتقام بين بودلير وأوبيك!. الجنرال أوبيك هو رجل عسكري عادي جداً، لا يملك في سلطة فرنسا أي قيمة، وكل ما هنالك أنه زوج أم بودلير.

الشاعر الذي غيّر وجه أوروبا الثقافي، كان في الثورة الفرنسية مشارك رئيسي، لكن بنمط غوغائي، يريد الانتقام من زوج أمه، لا لأسباب سياسية ووطنية عميقة، فأوبيك هو مثلما يقول المثل الشعبي (عضرط، لا بحل ولا بربط)، بل لأن أوبيك تزوج والدة بودلير فقط.

بنفس السياق الثوري في التاريخ، كم بودلير خُلق في الثورات اللاحقة وحتى المعاصرة! برغم أن غوغائية نموذج بودلير قد تكون مستهجنة، لكنها نموذج يعبّر عن مفهوم الأصالة الثورية التي بطبيعتها ضد كل ما هو في السلطة، على عكس الغوغائية المبطّنة التي ترفع شعاراتها المؤدلجة الضيقة.

بالتأكيد؛ لا يحق لأحد أن ينفي تهمة الانفعال الثوري عن أياً كان، وأحقية الناس بالثورة على السلطات، بل هي واجب مطلق لأي إنسان طبيعي، لكن بالمقابل، يجب فهم أن الثورة عندما تمتلك جانبها الغوغائي، من المهم أن تعبّر عن ذاتها بوضوح، أنها غوغائية وذاتية انتقامية، دون الاختفاء وراء بيان وطني.

شخصياً؛ لا أملك مشكلة مع أي فعل يدمر هوية السلطات القائمة، بشرط ألا يتحول الفعل التدميري ذاك إلى سلطة جديدة. بمعنى ألا يتحول إلى بيان إيديولوجي، له معايير تحكميّة برقاب الناس وإخضاعهم لقانون واحد واتجاه معين.

مفهوم الأصالة الثورية التي بطبيعتها ضد كل ما هو في السلطة، على عكس الغوغائية المبطّنة التي ترفع شعاراتها المؤدلجة الضيقة.

لأن الفعل الغوغائي عندما يكون واضحاً، فهو معبّر عن ردة فعل طبيعي لتاريخ مليء بالمآسي، دون أن يقدّم ذاته بصورة مزيفة مؤدلجة، هذه الطبيعية بالتعبير عن النفس، يكون أساسها وعي بآلية المفاهيم كالحرية والسلطة والسياسة والأديان والمشاعر، برغم ما تُحاط به من غوغائية فعل. ليست بحاجة أن تخفي وضوحها خلف بيانات منسّقة لبناء أنماط مؤدلجة تُخضع الناس مستقبلاً.

وربما المثال الأبرز تاريخياً على هذه الغوغائية التي تختفي خلف شعارات الوطنية، هي الجملة الأشهر لسفاح الثورة الفرنسية، ماكسميلان روبيسبيير، عندما قال: “الثورة تكرّس الخرافة عن طريق التضحية”. وهي ما جعلت روبسبيير أن يتحول إلى سفاح وديكتاتور يقضي بمشاهد قتل جماعية على كل من عارضه أو اعتبره معتدلاً، وحتى رفاق وزعماء الثورة من أمثال دانتون وديمولان.

لقد أصبحت الروبيسبيرية (كغوغائية مبطّنة بهيكل خطابي للثورة والاستمرار) مصطلحاً في كل حركة ثورية عبر التاريخ، وإن أردنا تعريفها بدقة، هي كل فعل ينسّق أفعال السيطرة الكلية وإخضاع الناس لحكم واحد تحت مبدأ الوطن وضرورة البناء. إنها إبادة كل ما يخالف.

إن هدف أي ثورة هو الحياة وتحسين ظروفها، وليست سيادة الوجه الواحد.

إن غوغائية بودلير كانت واضحة في تقديم نفسها كفعل انتقامي من شخص معين، يمثل سلطة (بخلاف إن كان ذو قيمة أم لا)، إنه رد فعل شعبي وذاتي، لكنه فعلياً غير مخيف، ولو أنه يحتمل بُعداً دموياً، لكنها لا تُلغي أنها موجهة لكل ما يمثّل السلطة القائمة، وهذا هدف أي ثورة، إنهاء أي شكل للسلطة، وليست إنهاء من يعارض السلطة، كما فعل روبيسبيير. غوغائية بودلير الثورية لم تكن ذات خطاب في بُعد واحد. كانت واضحة وجليّة أنها موجهة فقط ضد السلطة ومفهومها وآليات بنائها، وكل من يمثلها.

أما روبيسبيير، ارتقى في مستوى الغوغائية إلى التفرّد، وإبادة كل ما يخالف، حتى إبادة أصدقائه الثوريين. روبيسبيير بشلالات الدم التي فعلها كمعارضة ثورية ضد المعارضين أنفسهم، لم يرفع من مكانة الثورة والسير بها نحو الأمام، ما فعله هو العكس وإن كان بشكل غير مقصود، لقد قضى فيها على الجمهورية الناشئة، بل وأعاد الملكيّة إلى نمطها السابق.

كم روبيسبيير في الثورات العربية يجب إسقاطهم! كم روبيسبيير قتلوا أحلام الملايين من أجل مجموعة أفكار خاصة!. إن المطالبة بإسقاط روبيسبيير في كل زمان ومكان، وفي كل فعل ثوري، لا يعني أنك مع السلطة القائمة، بل يعني أن تُنهي كل مفهوم للسلطة كي لا تعود أبداً.

قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!