قراءة وحوار في كتاب: عطب الذّات (٧)

0

وقائع ثورة لم تكتمل.

تأليف: د. برهان غليون.

أحمد العربي

إصدار: الشبكة العربية للأبحاث والنشر/  ط ١. ورقية . ٢٠١٩م

الفيتو الروسي:

يتناول د. برهان الموقف الروسي من القضية السورية بالتفصيل، فهو بحكم موقعه في المجلس الوطني السوري التقى بأغلب ممثلي القوى الدولية الفاعلة على الأرض السورية بما فيها لافروف وزير خارجية روسيا. لم تخف روسيا مع إيران موقفها الداعم المطلق للنظام السوري بالمال والسلاح وتدفق القوات والتدخل العسكري الروسي المباشر منذ ٢٠١٥م لقلب الموازين العسكرية لصالح النظام داخل سوريا.

عندما التقى د. برهان مع لافروف وسؤاله عن موقفهم المدافع عن النظام السوري بالمطلق كان مضمون جوابه طول الوقت: إنّ روسيا تريد الرد على الغرب وأمريكا من تعاملهم مع روسيا بشكل هامشي، وعدم أخذها ومصالحها وقوتها بعين الاعتبار دوليا وعلى مستوى منطقتنا العربية.

كان لما حصل في العراق سابقا وليبيا بعد ذلك يؤكد هذا التهميش والاستهتار، لذلك قرر الروس مواجهة الغرب في سوريا، مع ادّعائهم أن لا مصالح اقتصادية أو سياسية أو استراتيجية لروسيا في سوريا. كما أن النظام السوري ومنذ أيام حافظ الأسد وبعده ابنه قد مدّ جسور المصالح، وتبادل المنافع مع الغرب عبر عقود، روسيا لا ترى فيما يحصل في سوريا سوى صراع على النفوذ ذهب ضحيته الشعب السوري، هي لا تفكر في النظام ووحشيته ولا دور تدخلها العسكري مع الإيرانيين وتكلفته الغالية على الشعب السوري؛ قتلى بمئات الآلاف ومشردين بالملايين ونصف سوريا المهدم، خسارة الشعب السوري لفرص العيش الإنساني السوي لعقود قادمة. المهم لروسيا هو؛ هزيمة الغرب في سوريا، وبهذا المعنى حصل لها ما أرادت.

يؤكد د. برهان أنّ أمريكا والغرب قد فشلتا في سوريا في أن تحميا الشعب السوري أو أن تدعما التغيير الديمقراطي أو تغيير النظام أو التقدم فعلا في مسار حل ما. لقد ادعى الغرب أنه فشل في أفغانستان وبعدها في العراق، لذلك كان حذرا في تورطه في سوريا.

الحساب الختامي في سوريا دعم روسي إيراني مطلق للنظام السوري ونتائج كارثية على الشعب السوري وثورته وراءه فعل روسي إيراني وصمت غربي. هذه هي روسيا في سوريا.

الموقف التركي.

يتابع د. برهان التحدث عن موقف الدول المؤثرة في القضية السورية، ويصل إلى الموقف التركي، يعود بالعلاقة التركية السورية إلى عهد حافظ الأسد وكيف كان يستخدم الورقة الكردية للضغط على الأتراك، خاصة احتضان حزب العمال الكردستاني وزعيمه عبد الله أوجلان، ودعمه سياسيا وعسكريا والسماح له بالتدريب للقيام بعمليات عسكرية ضد تركيا انطلاقا من الأراضي السورية، وكيف حصل تغير نوعي بموقف النظام السوري عندما قررت تركيا مهاجمة سوريا إن لم تكف عن دعم حزب العمال الكردي في عام ١٩٩٨م، وكيف تم إنهاء الأزمة باتفاق أضنة الذي أوقف الدعم لحزب العمال وطرد عبد الله أوجلان، الذي أدّى بعد حين لاعتقاله، وإعطاء تركيا حق التدخل إلى عمق ٥كم في الأراضي السورية لمواجهة الإرهابيين، وإنهاء أي ادعاءات بملكية الأراضي من الطرفين، وهذا يعني تخلي النظام السوري عن لواء إسكندرون.

الحساب الختامي في سوريا دعم روسي إيراني مطلق للنظام السوري ونتائج كارثية على الشعب السوري وثورته وراءه فعل روسي إيراني وصمت غربي. هذه هي روسيا في سوريا.

كل ذلك جعل العلاقات التركية السورية تسير في طريق التطبيع، وتم تفعيل ذلك بعد وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في تركيا في ٢٠٠٢م، وحصول اتفاقات تبادل تجاري تركي سوري أصبحت تركيا شريك اقتصادي رئيسي مع النظام السوري، كما كان الانفتاح السوري التركي مدخلا للانفتاح التركي الخليجي، كان هذا الانفتاح مصدر قوة اقتصادية وسياسية للنظام السوري وطبقة المنتفعين حوله وأزلامه، كذلك في مواجهة مفاوضاته بالشراكة مع الأوروبيين.

استمرت المصالح التركية السورية بالنمو حتى الربيع السوري. كان لتركيا دور بارز في محاولة التوفيق بين مطالب الشعب السوري والنظام، كانت ثقة تركيا بالنظام أكبر من حقيقتها، حاول أحمد داوود أوغلو كثيرا مع النظام لكي يسير في طريق الإصلاحات، لكن النظام تعنت وأخذ قرارا بإنهاء الحراك الشعبي بالقوة، مدعوما من روسيا وإيران.

لم تستطع تركيا أن تبقى دون موقف معلن من النظام وأفعاله، وكانت تركيا دولة حاضنة للسوريين اللاجئين وداعمة للقوى السياسية وللمجلس الوطني السوري ولقوى الثورة السورية، لكن من خلال التوافق الدولي عبر الدعم الخليجي وعبر مجموعة العمل الموم والغطاء الأمريكي. كان للربيع السوري ومن ثم الثورة منعكسات سلبية على تركيا، فقد خسرت شراكة اقتصادية كبيرة مع سوريا، وتوترت العلاقات بينها وبين روسيا إلى درجة المواجهة العسكرية بعد أن كانت شريك اقتصادي رئيسي مع تركيا، وتوترت العلاقات مع ايران أيضاً، وعادت نشاطات حزب العمال الكردي وعمله المسلح إلى البروز داخل تركيا، هذا غير تمدد فرع حزب العمال في سوريا، وتحوله إلى قوة عسكرية مدعوم أمريكيا ومسكوت عنه روسيا، ووصل إلى التحكم بثلث الأراضي السورية، ورفع مطالبه إلى الحكم الذاتي أو الاستقلال عن سوريا، مما يعني مشكلة أمن قومي على الحدود الجنوبية لتركيا.

صحيح أن تركيا قد رممت علاقتها مع روسيا، وإيران، وأصبح الثلاثي هو عراب حل المشكلة السورية تحت عين أمريكا ورضاها، وإعادة توطيد العلاقات الاقتصادية والسياسية مع روسيا وإيران، وأنها بقيت متوازنة وإيجابية مع ملايين السوريين المتواجدين على أراضيها، وأنها عملت على حماية نفسها قدر الإمكان من المشكلة السورية، توسعت في منطقة درع الفرات وغصن الزيتون، وما زال تواجد حزب العمال الكردي في شرق الفرات أزمة بالنسبة لها تحاول أن تجد لها حلا سياسيا أو عسكريا.

كما أنّ تركيا كانت الحاضنة عمليا للمجلس الوطني ومن بعده الائتلاف. أهم ما في موقف تركيا أنها اتخذت موقفا مبدئيا إيجابيا من الثورة السورية رغم الثمن الغالي الذي دفعته ضررا لمصالحها مع كثير من الأطراف.

سوريا مسرح لحرب إيران الإقليمية:

يركز د. برهان هنا على العلاقات الإيرانية السورية ودور إيران منذ عقود مع النظام السوري في المنطقة وعلاقاتها الاستراتيجية. ابتدأت العلاقة بين نظام حافظ الأسد وإيران الشاه منذ ١٩٧٥م، حيث زار الأسد إيران ووطد علاقاته معها، صنع حلفا منافسا لعراق صدام حسين المتنافس والمتناقض مع حافظ الأسد، وما أن حصلت الثورة الإيرانية حتى أصبحت العلاقة بين النظام الإيراني الجديد بقيادة الخميني والنظام السوري أكثر عمقا واستراتيجية أيضا.

فقد دعم النظام السوري إيران في حربها المديدة مع العراق، وكان بذلك خارجا عن الإجماع العربي، وطّد النظام السوري والإيراني علاقاتهما على كل المستويات اقتصاديا وعسكريا وسياسيا، ساهما في بناء حزب الله في لبنان، وجعلوه أداتهما الإقليمية في لبنان داخلا، وفي الصراع والمساومة مع (إسرائيل).

كانت استراتيجية النظام الإيراني قائمة على مدّ نفوذها العقائدي والسياسي في المجال الإقليمي لها، وهو العمق العربي، امتداد لمشروعها الشيعي ونفوذها السياسي، أصبحت حاضرة في لبنان وفي العراق، وقدمت نفسها مع النظام السوري وحزب الله حلفا للمقاومة والممانعة، غطّت واقع طموحها الإمبراطوري، بشرعنة دعواها الدينية (التشيع) ونشرها إضافة لمواجهة العدو الصهيوني.

اعتبرت سوريا امتدادها الاستراتيجي، وما أن بدأ الشعب السوري بثورته  ٢٠١١م حتى قدّم الإيرانيون النصائح للنظام أن يتعامل معها بأعلى درجات القسوة والعنف، وقدم للنظام كل الدعم المالي والعسكري الذي قدر بعشرات المليارات من الدولارات في سنوات عدة، كانت طوق النجاة للنظام، كما أوعزت لحزب الله اللبناني أن يدخل لسوريا ويكوّن مع مجموعات مسلحة إيرانية وعراقية وغيرها، داعما النظام السوري الذي بدأ يتهاوى، كانت أعداد المقاتلين المدعومين من إيران ماليا وامتدادا بعشرات الألوف، هذا غير دعم المجموعات التي شكلت في سوريا رديفة للنظام؛ والتي ستعرف لاحقا بالشبيحة، والتي تصل إلى مئة ألف مقاتل.

اعتبر النظام الإيراني النظام السوري امتداداً له ومحافظة منه، وأهميته تزيد على أهمية بعض محافظاته، كانت معركة النظام بالنسبة له معركة وجود، لذلك كان الشعب السوري الثائر ضحية التدخل الوحشي الإيراني مع أدواته في سوريا، بالتناغم طبعا مع التدخل الروسي، سيكون لإيران وروسيا الدور الأساسي لإنقاذ النظام السوري من السقوط.

سيحاول الايرانيون أن يتواصلوا مع المجلس الوطني السوري، وأن يتفاهموا معه من موقع مصلحة النظام، اشترط د. برهان ممثلا للمجلس أن يكون هناك اعتراف إيراني مبدأي بحق الشعب السوري أن يختار نظام حكمه، لكن الإيرانيين رفضوا أن يقايضون النظام بأي بديل، كانوا حريصين على توصيل رسالة مفادها؛ أن سوريا لهم ولن يتخلوا عنها، ومستعدون أن يدفعوا لكل متعاون معهم الثمن الذي يريد، لذلك لم يحصل أي لقاء رسمي بين المجلس الوطني والإيرانيين.

بدأ الإيرانيون عبر حزب الله وحسن نصر الله حملة شرسة بحق المجلس الوطني ود. برهان، تبريرا للتدخل في سوريا، سرعان ما ظهر حزب الله كمجرم بحق الشعب السوري رغم أنه كان قد صنع لنفسه كاريزما القوة الوحيدة المتبقية المواجهة للعدو الصهيوني، لقد سقط حزب الله والادعاء الإيراني في ممانعته في دماء الشعب السوري، لقد وضح حقيقة المشروع الإيراني التوسعي الطائفي في سوريا، والعراق، ولبنان، واليمن بعد ذلك. وحتى في دول الخليج. لقد ظهرت إيران للأسف بمنطقها الإمبراطوري التوسعي عدوة للشعب العربي في سوريا وغيرها من البلدان.

محاولات نشر التشيع في أوساط السوريين، كما عملت على الإحلال البشري من إيراني أفغان وعراقيين شيعة في كثير من المناطق السورية، عملت وتعمل على عدم عودة اللاجئين السوريين إلى بلداتهم، وترك هذه البلدات والمناطق مجال حيوي فارغ لموجات الاحتلال الإيراني في سوريا. كل ذلك مع النفوذ السياسي مع الحضور العسكري القاتل والمقاتل، جعلها تظهر كعدو للشعوب العربية، ولن يتغير حالها إلا عندما يسقط حكمها الاستبدادي بمرجعيته السياسية والدينية. وتعود إيران دولة ديمقراطية بحجمها الطبيعي. إلى ذلك الوقت إيران دولة مساندة للنظام السوري ومتورطة بالدم السوري وتبعيات المأزق السوري العام.  

الخليج والعرب والثورة السورية:

ينتقل د. برهان للحديث عن الدور الخليجي والعربي في حراك الثورة السورية السياسي والعسكري. يؤكد بداية على أن السياسة هي القدرة على فعل الممكن ضمن احتمالات مختلفة، وأنه لا فرصة للعمل لمن يحكم نفسه بالمواقف المسبقة، مثل؛ كيف لأنظمة ملكية استبدادية كدول الخليج أن تساعد الثورة السورية ومطالبها في الحرية والعدالة والديمقراطية. السياسة؛ أن تجد دائما مشتركات مع أطراف أخرى لتصل لأهداف مشتركة استراتيجية أو مرحلية، هذا ما حكم الحراك السياسي للمجلس الوطني مع كل الأطراف الدولية والإقليمية بما فيها دول الخليج.

عمليا كانت دول الخليج قد نسجت الكثير من المصالح المشتركة مع النظام السوري وبعضها عبر عقود. كان هدفها منذ بداية حراك الربيع السوري ترشيد تصرف النظام السوري وليس اسقاطه، لكنّ تمادي النظام السوري في عنفه المطلق مع حراك الشعب السوري، وعدم استجابته للنصح الخليجي المصحوب بالمنح المالية والوعود بالدعم، وتعالي النظام وسخريته من دول الخليج وقادتها.

إدخال إيران إلى عمق سوريا وإطلاق يدها في الدولة السورية، وارتكابها وحلفائها الجرائم بحق الشعب السوري وإسقاط ثورته، كل ذلك جعل دول الخليج تقرر أن تساعد الثورة السورية سياسيا وعسكريا، ليس انتصارا للأجندة الوطنية الديمقراطية، بل لمواجهة الأجندة الإيرانية واحتلالها الفعلي لسوريا، قد استولت عمليا على العراق عبر أجندتها والقوى التابعة لها، وكذلك لبنان عبر حزب الله. واليمن بعد ذلك عبر دعم جماعة الحوثي، أن دول الخليج تنظر لدعم الثورة السورية وكأنه دفاع عن النفس.

دعم النظام السوري إيران في حربها المديدة مع العراق، وكان بذلك خارجا عن الإجماع العربي، وطّد النظام السوري والإيراني علاقاتهما على كل المستويات اقتصاديا وعسكريا وسياسيا، ساهما في بناء حزب الله في لبنان

لكن هذا الدعم تميز بأنه دعم مرتبط بكل دولة على حدى، وضمن آلية صناعة حليف ذاتي يتصرف وفق مصلحة هذه الدولة، كان لكل دولة أجندة خاصة، قطر ودعمها للإسلاميين، الإمارات ودعمها للمختلفين معهم علمانيين ومستقلين، السعودية أطلقت العرعور وفق أجندة دينية سلفية موغلة في البعد عن الأجندة الوطنية الديمقراطية للثورة، لكنها كانت ممتلئة ماليا، وبالتالي؛ جندت الكثير من المجموعات الإسلامية في الثورة السورية، هذا عدا عن المأزق الذاتي للحراك السياسي للثورة السورية، المتصارعة على التصدر والمغانم، الغائب الأوحد الرؤية السياسية الاستراتيجية وقدرة صناعة موقف واحد سياسي وعسكري يمثل الثورة السورية، كان ذلك مطلوبا وممكنا، لكنه لم يتحقق، تساعد على عدم تحقيقه تعدد أجندات الدول الداعمة وتصارع مصالح قواد الكتائب مع صراع القوى السياسية السورية و رؤاها ومصالحها وحصتها من كعكة الثورة السورية كغنيمة حرب للأسف.

تشكل المجلس الوطني وتواصل د. برهان مع ممثلي أغلب دول الخليج، حاول أن يشرعن تمثيل الثورة السورية عبر المجلس داخل الجامعة العربية، لكن صراع المصالح والأجندات أو الزعامات، كل ذلك منع توحيد الموقف المعارض السوري بين المجلس الوطني وهيئة التنسيق، منع إمكانية حصول ممثلي الثورة السورية على مقعد سوريا في الجامعة العربية، كمقدمة لحصولهم على مقعد سوريا في هيئة الأمم المتحدة وهي خطوة ضرورية لرفع الشرعية عن النظام السوري وأخذ الشرعية لممثلي الثورة السورية.

لم يحصل ذلك وخسرنا فرصة، كذلك عدم ربط الدعم العسكري الخليجي بالمجلس الوطني جعلته دون قدرة وفاعلية على الأرض، ربطة بالدول مباشرة جعله أسيرا لها وأجندتها كدول أكثر من كونه ممثلا للثورة، هذا غير الدفع لأسلمة المجموعات المقاتلة مما حرف الثورة عن أهدافها الوطنية الديمقراطية، وتحولها لجماعات جهادية، ستمهد الأرض لتوالد القاعدة ممثلة بالنصرة  ثم ولادة داعش بعد ذلك، لنصل إلى مرحلة تصبح هوية القوى المسيطرة على الأرض إسلاميين أو النصرة أو داعش، وغاب الجيش الحر، الذي دخل قادته في صراع القيادة والمصالح، الذين لم يتقبلوا بناء بنية عسكرية تراتبية تستفيد من خبرات الضباط المنشقين، وتتبع أجندة سياسية ترتبط بالمجلس الوطني أو الائتلاف بعد ذلك، وهذا الاقتراح لم يأخذ فرصته بالتحقق.

يتحدث د. برهان عن علاقة المجلس مع الدول العربية التي انتصر فيها الربيع بداية مثل تونس ومساعدتها المتواضعة للثورة السورية حيث استقبلت مؤتمر المجلس الوطني هناك، أو مصر في مرحلة مرسي التي تبنت بالكامل الثورة السورية، ما قبل انقلاب السيسي العسكري على الثورة المصرية، ومن ثم انقلابها على الثورة السورية.

كذلك ليبيا التي احتضنت المجلس الوطني، وأعلنت استعدادها للمساعدة عسكريا، كان ذلك ما قبل أن تسقط هي أيضا في صراع الغنيمة وضياع الدولة الليبية. تحدث أيضا عن تفهم المغرب لمطالب الشعب السوري وثورته، وعن العراق الذي حاول مسؤولوه أن يلتقوا بالمجلس الوطني، لكن د. برهان رفض اللقاء ما قبل التصريح عن حق الشعب السوري أن يقرر خياراته السياسية كيف يشاء، ولم يحصل التصريح ولم يحصل اللقاء.

كما أن الإسرائيليين بعثوا وسطاء للتواصل مع المجلس الوطني حيث رفض طلبهم. أن إسرائيل دولة محتلة لجزء من الأرض السورية وقرار اللقاء معها هو خيار يقره الشعب بعد أن يسقط الاستبداد وبالصيغة المناسبة، ولأي أهداف كانت، أما الآن فلا. ولم يحصل أي لقاء.

يعود د. برهان مجددا وفي سياق الكتاب كله للاستعانة بقواعد السياسة الدولية وتفسير الموقف الغربي عموما. محللا العولمة وما أدت إليه لإعادة النزعة القومية والمصلحية للدول، وأنّ الدول تتصرف وفق مصالحها وليس وفق ادعاءاتها الفكرية والسياسية، وأن الغرب ديمقراطي داخل الدولة، لكنه يتصرف مع بقية دول العالم وخاصة مع منطقتنا العربية محكوما بمصالحه التي لا علاقة لها بالعدالة والديمقراطية بالضرورة. الغرب رتب علاقاته مع دول المنطقة مع معرفته باستبداديتها وشموليتها وظلمها لشعوبها، وكونها متوافقة سرا أو علنا مع الكيان الصهيوني في فلسطين، ومصالحه في المنطقة، لذلك كانت سلبيتها تجاه الربيع العربي متناقضة مع دعواها السياسية كدول ديمقراطية، لكنها متوافقة مع مصالحها، وقد يكون للغرب دور في إعادة تثبيت هذه الأنظمة أو تغيير وجوهها، أو تركها للخراب. وصناعة نموذج الاستبداد أو الحرب الأهلية.

ليس صدفة عودة السلطة في تونس ومصر إلى حكم العسكر، وليس صدفة إدخال اليمن وليبيا في حرب أهلية طاحنة، ليس صدفة أن يسمح للنظام السوري أن يقتل مئات الآلاف من شعبه، وأن يشرد الملايين وأن يدمر أكثر من نصف البلاد، وأن يجد مع ذلك من يحميه ويعطيه الشرعية، ويحاول إعادة تأهيله ضمن لعبة دولية ممجوجة ووقحة.

ليس غريبا أن يظهر الغرب عاجزا أمام جبروت النظام وفعله بحق الشعب السوري، وأن تطلق يد روسيا وإيران لتفعل ما تفعل في سوريا، ومن ثم بحث الكل عن مكتسبات من كعكة المنطقة رغم كل المآسي التي حصلت ومازالت تحصل بها.

قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!