الإنسان هو في الأصل خيارة مصاب بالجفاف والقلق

اتساع الأسطورة وضيقها

الأيام السورية؛ علي الأعرج

قد يبدو التعبير الآتي (الإنسان هو خيارة مصابة بالجفاف والقلق)، هو تعبير تهكّمي وسخيف لدرجة مضحكة، برغم المشابهة التخيليّة للعبارة، من أن الإنسان يشكّل نسبياً 70 % منه ماء، كما الخيار يُشكّل 95 % منه ماء. أي أن فارق تشكيل الماء بينهما 25 %، وعليه يكون الإنسان في الأصل هو خيارة أصيبت بالجفاف وتطورت بالقلق.

في عصر متطوّر كهذا، يبدو أن التعبير عن كيان الإنسان ووجوده في المشابهة السابقة، ضرب من هراء، وقد يعتبر العقلاء من أمثال المتأنقين ذهنياً، أن إدراج مثل هذه المشابهة ليست ناتجة سوى عن شخص غير عاقل، برغم أن اللا عاقل لا يستطيع أن يمتلك خيالاً في هذا المستوى، هو أضعف من أن يذهب إلى أبعد من قانون الاستنتاج المنطقي للأشياء. وتصبح السخرية من العبارة السابقة أمر واقع، بل ضرورة وواجب على الجميع ممارسته.

وبالطبع؛ السخرية ليست نابعة من التطور العقلي والوعي البشري والثقافة والحقائق الواضحة، بل بالضبط هي ضعف المخيلة البشرية التي لا تراكم سوى الواقع المُنهك. إنه أقرب للتصور الأسطوري، فكل ما لا يخضع لقانون منطق الواقع والعلم التجريبي هو أسطورة.

يُعرّف العلم الأسطورة، بأنها القصة التقليدية التي نشأت في التاريخ، وهي ذات طابع كوني، تشرح الظواهر الطبيعية والاجتماعية بأحداث خارقة، وفي الجوهر ترتبط بأصل الوجود.

لو افترضنا قبل عشرة آلاف عام، أنشأت أمة ما، تلك الحكاية، أن الإنسان هو في الأصل خيارة، لكانت تلك الحكاية قد أصبحت حقيقة وتحولت إلى عبادة مطلقة، ومقّدس جرت ممارسته لمئات الأعوام دون اعتبار أحد أنه ضرب من هراء، وأسطورة بدائية لشعوب ما زالت تحاول أن تؤسس لوجودها في هذا العالم.

الأسطورة، عندما لا يتغير أي شيء في حياة الإنسان من القوة التي خلقته، تصبح متفرجة على بؤسه تحت حجة اختباره وولائه، تماماً مثل جميع الديكتاتوريات التي خُلقت في الأرض، حيث تتفرج على بؤس الإنسان تحت حجة الولاء للأرض والمكان والزمان والأشخاص

تماماً؛ مثلما نعتبر في وقتنا الحالي كثير من الأشياء التاريخية عبارة عن أساطير بدائية لشعوب كان وعيها في مرحلة النضوج.

ففي الصين كان الكون عبارة عن بيضة وفيها شخص يدعى بان قو، الذي كسر البيضة ورفع قشرتها العلوية لتصبح سماء، وقشرتها السفلية لتصبح أرض. أو الأسطورة الفارسية التي بدأت بصراع بين النوراني أهورامزدا الذي خلق كل شيء جميل ومنها الإنسان، وبين الظلامي أهريمن الذي خلق كل الشياطين، لمساندة كل جماعة لصاحبها وقتالهم الأبدي لسيطرة أحدهما على الآخر. أو حتى الأساطير التي نشأت من ماء كالبابلية والسومرية والفرعونية.

الفكرة الأساسية هو السؤال، ما الذي يجعلنا واثقين من أن ذلك التاريخ للخلق هو أسطورة!. ببساطة هو عدم منطقية العلم، وعدم وجود إثبات تجريبي، والأهم هو الزمن الذي من خلاله لم يتغير شيء في فعل الآلهة للخلق إلا ثباتها وأزليتها بينما العقل يتطور أكثر ويبني بشكل أعمق في الحياة الإنسانية.

الأسطورة تصبح كذلك، عندما لا يتغير أي شيء في حياة الإنسان من القوة التي خلقته، بل تصبح متفرجة على بؤسه تحت حجة اختباره وولائه، تماماً مثل جميع الديكتاتوريات التي خُلقت في الأرض، حيث تتفرج على بؤس الإنسان تحت حجة الولاء للأرض والمكان والزمان والأشخاص.

هذه النقطة تجعلنا نقف مطولاً عندها، إذا ما اخترنا لأنفسنا التمعن بها قليلاً، وليس رفضها لمجرد أنها لا تعجبنا. التمعن والتفكير بأن ما نعيشه، هو أساطير يومية، لم تعد مرتبطة بأنماط تاريخ للكون وأصله فقط، بل أساطير في كل جزء من حياتنا. لقد سقط المعنى التعريفي للعلم حول الأساطير، فلم تعد هي قصة تقليدية ببُعد كوني. لقد أصبحت جزءاً من تشكيل خيالاتنا الوهمية التي نخترعها ونصدقها بعد أن نخاف منها.

الأسطورة اتسعت أكثر من حيث عددها، لكنها ضاقت من حيث خيالها. حتى الأسطورة أصبحت عبارة عن قانون لا يجب أن تخرج من سلطته الأرضية حتى وإن كانت على سبيل الفكاهة.

كأسطورة الغذاء، وأهمية اللحوم، وأمان الآيفون، والريجيم، والجسد المثالي، وفلاتر الإنستغرام، والرفاهية بالسيارات، وطروحات النيوليبرالية إزاء الفشل والنجاح، والقهوة المنزوعة الكافائيين، ولايكات الفيسبوك، وتويتات الثقافة، والتنمية الذاتية، وميتافيزيقيا الشهوة الخيالية في الانتشاء، والتاتو الرومانسي المثير بصرياً للجنس، وآلاف من الأشياء اليومية الأخرى التي أصبحت أساطير تنتهك حياتنا وتُغرقنا فيها، وتجعلنا نعبدها ونسعى إليها خوفاً من فقدانها أو كسرنا اجتماعياً وثقافياً واقتصادياً فيها. أساطير يومية تُقنعنا أننا خلاّقين كآلهة.

وفي نهاية المطاف – المضحك في الأمر – إن أخبرت كل أولئك الذين يعيشون الأساطير اليومية، أن الإنسان هو في الأصل خيارة مصاب بالجفاف والقلق، سينظرون إليك شذراً باعتبارك كائن غير عاقل.

لقد كانت الأسطورة القديمة في التاريخ تشكّل الخيال البشري وروعته، ودماثته الغرائبية. واليوم الأسطورة اتسعت أكثر من حيث عددها، لكنها ضاقت من حيث خيالها. حتى الأسطورة أصبحت عبارة عن قانون لا يجب أن تخرج من سلطته الأرضية حتى وإن كانت على سبيل الفكاهة.

إنَّ غرقنا المطلق، والمقدس، والتعبدي، والخوف من سرعة كل شيء حولنا، يجعلنا أكثر خنوعاً لفكرة الأسطورة التي أصبحت تشل حيواتنا كلها.

لسنا آلهة، والخلّاق فينا هو؛ أن نكون نحن دون شيء فوقنا سوى سماء. سماء بالمعنى الطبيعي، الأزرق المنعكس طيفاً.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل