الأسرة منظومة الاستعباد المصغّرة

الأيام السورية؛ علي الأعرج

قد يبدو ما سيأتي ضرباً من حرب دونكشوتية، لا فائدة منه. حالة صراع مع طواحين الهواء. وإن كان كذلك، لكن لا بد من الوقوف قليلاً عند ماهية هذا المفهوم العالمي، الأسرة. محاولة تشريحه ليس بالمعنى الاجتماعي فقط، بل بتماهيه المطلق مع ما افترضه الناس على أنفسهم، وأصبحوا مقتنعين به كأنه حقيقة مسلّم بها، وهو ليس سوى تقييد لمعنى التواصل الفطري مع الطبيعة داخل مؤسسة المجتمع الاستعبادي.

يُعرّف علم الاجتماع الأسرة (العائلة) بأنها الخلية الأساسية في المجتمع البشري وأهم جماعاته الأوليّة، حيث تربطهم علاقات، تُسمى بصلات القرابة والرحم، حيث يساهمون في نشاط مشترك لزيادة التفوق الخاص بهم من الناحية المادية، والروحية، والاقتصادية، والعقائدية.

ضمن هذا التعريف الواضح نستطيع أن نفهم بأن الأسرة ليست سوى هيكل يجب على الجميع الخضوع له بطريقة ما، حتى وإن أثبتت الأسرة إمكانية تفردها الذهني وديمقراطياتها ضمن العائلة.

بمثال بسيط، إن وجدت أسرة يُمنع فيها الزواج من خارج العائلة كقانون خاص، فكل محاولة للزواج من خارجها قد يؤدي بالفرد إلى النكران والمقاطعة، بأبسط الأحوال.

هذا النموذج أصبح بالتأكيد بائداً في عصر متطور كعصرنا، لكن إن رفعنا سقف المثال، وقلنا بأن شخصاً أراد أن يصبح لصّاً من أجل أن يوزع ما يسرقه على الفقراء، فهو أيضاً معرّض للنكران الاجتماعي، تحت حجة التمّرد على الأخلاق المتوارثة. وليس الاجتماعي فقط، بل سيصبح عرضة للملاحقة من كل الأنظمة العالمية، لأنه ببساطة ليس متمرداً على عائلته وقوانينها الأخلاقية، بل خطراً يهدد منظومة الاستعباد الممنهج على مستوى العالم.

الأسرة ببساطة تحارب بسيف القوة المتحكمة بتشكيل تلك الأسرة، القوة الاقتصادية، والسياسية، والدينية، والمذهبية التي تربي الناس على شكل لزيادة ثراء وقوة ونفوذ تلك السلطات. ورغم كل الحريات المزعومة من قبل الأسر

في المثال الأول، إن وُجدت أسرة تمارس ذلك القانون بعدم الزواج من خارجها، فقد تصبح عبارة عن شكل للتهكم من أصغر الأفراد في العالم، موصوفة بالتخلف والجهل والانغلاق، لكن في المثال الثاني، حتى أعتى الليبراليين اقتصادياً وسياسياً سيرفض بأن يخرج أحد ليصبح لصاً ظريفاً يحقق عدالة في زمن ترتفع فيها إيديولوجيات إخضاع البشر.

الأسرة ببساطة تحارب بسيف القوة المتحكمة بتشكيل تلك الأسرة، القوة الاقتصادية، والسياسية، والدينية، والمذهبية التي تربي الناس على شكل لزيادة ثراء وقوة ونفوذ تلك السلطات. ورغم كل الحريات المزعومة من قبل الأسر، إلا أنها تعود لتدوير العجلة من جديد.

بمثال، قد يخرج شخص متمرد على قانون أسرته، لكنه ببساطة يسعى عندما يكبر ليتزوج ويكوّن أسرة، بالنسبة له ولمفهومه المتطور ستكون أسرة مثالية وحضارية. لكن هل فعلاً هي كذلك!. كل ما هنالك أنه سيطبق رؤاه الجديدة كقوانين على أبناءه. بالتأكيد قد تحمل شيء مختلف عما عاشه في أسرة والديه، لكنها لا تفي أبناؤه حقهم. سيشعر حينها بأنه مغبون وجاهل أمام ثقافته وأفكاره التي ظنها منفتحة وديمقراطية، لكنها ليست سوى هراء لا يقدّم ولا يؤخر، وهو ما يدعوه للتشبث بأفكاره دفاعاً عن نفسه كي لا يشعر بالانهيار أمام هزيمة الحياة.

هذه التطورية لمعنى الحياة، تتجسد في جميع الأسر. لكن قلة من الناس من يبحثون فعلياً ويدركون ما هو المعنى الساذج لوجود الأسرة. ببساطة هي هبات من أصحاب النفوذ المتحكمين بالإيديولوجيات (دينياً، واقتصادياً، وسياسياً) ليعطوا البشر بعض الحقوق المؤسساتية التي هي في الأصل حقوقهم الطبيعية.

لقد تشكّلت الأسرة في التاريخ لأسباب اقتصادية بحتة، ومع تطور الحياة تم تحميلها كل القيم المفهوماتية من الأخلاق والدين والعادات فوق معناها الأساسي الذي هو الاقتصاد، وأصبحت اليوم الأسرة ضرورة إنتاجية إن كانت على مستوى الأفراد أو مستوى التواصل من أجل اقتناع البشر أنهم أحرار بفردانياتهم، لكنهم ليسوا سوى عبيد لقانون مؤسساتي يستهلكهم مادياً وروحياً وعقلياً وجنسياً وحتى عاطفياً.

ببساطة؛ الأسرة هي مؤسسة إنتاج لأدوات عمل نسميها بشراً وأطفالاً يملون علينا حياتنا، سيكبرون ويصبحون أدوات في آلة الاقتصاد العالمي الذين يزيدون ثرائهم على حساب البشر. وهي أيضاً آلة لتوفير ما يسميه الناس الحياة المشتركة في استهلاك طعام أفضل من خلال عمل أكثر، برغم أن الطعام هو حالة طبيعية، لكن في الأسرة أنت مضطر أن تعمل أكثر من أجل أن تأكل أفضل وإلا فالمرض والموت حليفك. وهي أيضاً آلة جنسية لتفريغ غضبك من استعباد الناس لك، برغم أن الجنس هو حالة طبيعة دون مقدمات أو صكوك. وهي أيضاً مؤسسة تبيعك النصوص المقدسة التي تفرض عليك ما يجب أن تقنع به أبناءك كي يكونوا صالحين في المجتمع. وحتى هي المؤسسة التي تقنع الناس بالمشروع العاطفي من أجل الاستمرار، وكأن العاطفة لا تتحقق إلا إذا تجانست كلياً في الأسرة!.

الأسرة ضرورة إنتاجية إن كانت على مستوى الأفراد أو مستوى التواصل من أجل اقتناع البشر أنهم أحرار بفردانياتهم، لكنهم ليسوا سوى عبيد لقانون مؤسساتي يستهلكهم مادياً وروحياً وعقلياً وجنسياً وحتى عاطفياً

أي غباء ذاك! وأي تفاهة نعلّق آمالنا عليها في هذه المؤسسة الأسرية، التي هي ليست سوى صورة مصغرة عن استعباد كلي للإنسان، وإخضاعه لقانون العالم الاقتصادي، والديني، والسياسي الذي يتحكم بالبشر.

كان الأجدر بعلم الاجتماع أن يُعرّف الأسرة بأنها الخلية المُنتهكة والذليلة، التي تمارس قوانينها البالية والخاضعة من السلطات الأعلى، من أجل أن تكون صالحة داخل المجتمع، وتمد بكل أريحية للعالم الفوقي كسلطات كل إمكانية للاستعباد. الأسرة هي نوع من السلطة التي لا تجني أي فائدة سوى الخوف من قوانين سماوية أو أرضية لا يستفيد منها إلا القلة. القلة الذين يتحكمون بكل إيديولوجيات المؤسسات التابعة لها، والأسرة من أهم تلك المؤسسات التابعة.

ومرة أخرى؛ هي دعوة لتحطيم أي نوع من السلطة، الإنسان بحاجة للتحرر الكلي من أي قوة تقيّد قدرته على الانخراط المطلق في طبيعته الأصلية. ويبقى الافتراض الذي يرفضه الجميع، لأسباب تربوية وعقلية جامدة.. لو لم يكن هناك أسرة، ما الذي سيحصل فعلياً!. الجواب الوحيد هو أن الناس لن يعرفوا أبنائهم، لن يكونوا قادرين على تشكيل قوى إنتاجية تزيد صراعهم في حياة وقوانين تُخضعهم. التحديد ضروري كي يفهم الناس مشروعهم الاقتصادي والسياسي. الأسرة تشكّلت لهذا المعنى فقط.

إذاً؛ ببساطة نحن نعيش داخل مؤسسة لتحديد مفهومها الاقتصادي في الدرجة الأولى، وتحميله عباءة الدين والأخلاق. وإن كان كذلك فعلياً، فالمسألة تصبح، ألا يعود البشر للتحذلق والتبجح بالإنسانية والبناء المثالي للعالم. بإمكان الناس أن يكونوا عبيد طوعيين للمؤسسات، لكن ليس من حقّهم أن يقنعوا البشر بأن مؤسساتهم التي تستغل كل شيء فيهم، من العمل والطعام والجنس والعاطفة، هي العدالة الصحيحة والمنطقية للحياة.

الحرية السياسية لا تُنجي الإنسان من عبودية المؤسسة. والأسرة أصغر نمط مؤسساتي، فما بال البشر بما هو أكبر. أي بؤس يحياه الإنسان من أجل أن يدفع ثمن ما هو حقه الطبيعي في الحياة داخل مؤسسة!.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.