جدار وول ستريت (حائط مانهاتن)

جدران الفصل (4)

الأيام السورية؛ سلام محمد

تقديم

لا تهدف هذه السلسلة من المقالات إلى التعريف بجدران الفصل بين البشر في العصور القديمة والمعاصرة بشكل عام؛ بل هدفها استحضار أشهر الجدران التي أقيمت لغايات متعددة، وتتجلّى وظائفها في تحقيق غايات لا عنفية، بمعنى أنها ليست استراتيجية حربية في النزاعات المسلحة فقط، بل إنها تبنى حيث لم تستطع الحرب وكذلك جهود السلام إيجاد حل للصراع بين طرفين متنازعين، فتغدو بذلك قوة ردع أكثر منها قوة دفاع، وبالتالي فإننا نجد تصنيفها عند الكثير من الخبراء بوصفها قوة ناعمة، وقد بات معروفاّ أنّ الحرب الحديثة قد خففت من تلك الجدران العنفية كوسائل فاعلة في النزاعات المسلحة، بينما جدران الفصل، رغم أن القانون الدولي والميثاق الدولي لحقوق الإنسان ببنود كثيرة يعدان ذلك خرقا كبيرا، ماتزال تتزايد سواء بإنشائها أو الدعوات المروجة لها، مثل ما يقوم به الآن رئيس الولايات المتحدة “دولاند ترامب” من حيث إصراره على بناء الجدار الفاصل بين الولايات المتحدة والمكسيك لمنع تدفق المهاجرين إلى الولايات المتحدة، ومن حيث دعوته حكومة إسبانيا لبناء جدار عازل في الصحراء الكبرى لمنع أمواج الهجرة الواسعة إلى إسبانيا.

وفي هذه المقالات، سنقوم بتسليط الضوء على أشهر جدران الفصل (العزل) قديما وحديثا، والتي أقيمت بين طرفين يختلفان بالواقع التاريخي اقتصاديّاً، أو اجتماعيّاً، أو سياسيّاً، أو فكريّاً، أو اثنيّا، وذلك من خلال التعريف باسم الجدار وبالأقوام الذين هم على طرفيه، وكذلك التعرف على مكانه وزمانه، والوقوف على أسباب بنائه ومآلات الفصل.

شارع وول ستريت -المصدر: النهار

4 – جدار وول ستريت (حائط مانهاتن)

هذا السور الذي بُني فعليّاً في القرن السابع عشر من قبل الهولنديين، والذين كانوا يعيشون في المنطقة التي كانت تسمى أمستردام الجديدة، حيث تم بناء جدار ترابي يبلغ طوله 3.65م؛ لحمايتهم من هجمات الهنود الحمر (السكان الأصليين)، وتذكر بعض الروايات أن من قام ببناء هذا الجدار هم مجموعة من ” العبيد”.

ففي عام 1626، شرع المستوطنون الهولنديون في بناء مستعمرة “أمستردام الجديدة” في الشريط الجنوبي من جزيرة مانهاتا (أو مانهاتن كما سماها الغزاة) الواقعة فيما يعرف الآن بمدينة نيو يورك.

ادعاء شراء الجزيرة

ولكي يشرعنوا استيلاءهم على الأرض، ادعوا شراء الجزيرة من سكانها الأصليين “الليني-لينابيه” (أو “اللينابيه” من باب الاختصار). كان مفهوم الملكية الفردية للأرض مفهومًا أوروبيًا غريبًا على أهل هذه البلاد، إذ كيف تمتلك الأرض وحدك؟ هل ستحملها في حقيبتك وتذهب؟ هل ستبني حولها جدرانًا لتعزلها عن بقية محيطها؟.

ربما أخذ اللينابيه عقود الخرز ـ التي زعم الهولنديون أنهم اشتروا الأرض بها ـ على سبيل الهدية أو كبادرة لحسن النوايا، غير عالمين بعملية البيع التي كانت تجري في عقول الغزاة البيض وحدهم. أو ربما وافقوا على البيع ظانين أنه يعني أن يشاركوهم الأرض ويعيشوا فيها وسطهم، أما المستعمرون فقد رأوا أنهم، وإن كانوا لا يستطيعون أن يحملوا الأرض ويعودوا بها إلى أوروبا، فإن بإمكانهم أن يستعبدوا من فيها وأن يعزلوها، إن اقتضى الحال، بالجدران.

وبالفعل، بدأ الهولنديون في التعامل مع هذه الأرض على أنها لهم وحدهم، والتعامل مع أصحاب الأرض كما لو كانوا وافدين عليها.

وصلت سياسات الهولنديين إلى محاولة «منع» وجود اللينابيه على الجزيرة وتعيين مكافأة مالية لمن يقتل أحدًا من السكان الأصليين ويأتي برأسه أو برأسها إلى حاكم المستوطنة. إلا إن هذه الجهود باءت بالفشل ولم تؤد إلا إلى تفاقم العداوة بين اللينابيه والهولنديين.

سكان أمريكا الأصليين- المصدر: شبكة أبو نواف

المجزرة الأولى ضد السكان الأصليين

عندما حاول بعض اللينابيه القادمين من مناطق أخرى اللجوء إلى لينابيه مانهاتا هربًا من اقتتال داخلي مع قبيلة أخرى من السكان الأصليين، رفض حاكم المستوطنة أن يسمح لهم بالدخول إلى جزيرتهم، فباتوا ليلتهم في بافونيا المجاورة (حيث تقع الآن ولاية نيو جيرسي).

رأى حاكم المستوطنة خطرًا في تجمع اللاجئين قرب مانهاتا، وكان يخشى أن يكون تجمع اللينابيه إيذانًا بانتفاضة أصحاب الأرض ضد مستعمريهم، فهاجم مخيمات اللاجئين وهم نيام، واستمر التقتيل إلى نهار اليوم التالي. لم يسلم من المجزرة “لا محارب ولا امرأة، لا شيخ ولا طفل، لا أم ولا رضيع”.

توحد القبائل وحصار الهولنديين

هبت قبائل السكان الأصليين ونبذت خلافاتها الداخلية إثر هذا الهجوم الغادر، خاصة وأن الهولنديين بدأوا يطلبون الإذن من قيادتهم للشروع في مزيد من المجازر، وأعدت شعوب أمريكا الأصلية قوة متحالفة زحفت إلى مستعمرة أمستردام الجديدة في خريف عام 1643. ولكن هذه القوة اكتفت بحصار المستوطنة بدلًا من اجتياحها، وعلى مدى عامين.

فشلت كل جهود المستوطنين في كسر الحصار، إلى أن استأجر حاكم المستوطنة إنجليزيًا مرتزقًا يدعى جون أندرهيل. كان أندرهيل من الغلاة الإنجليز المعروفين بـ “المتزمتين” أو “التطهريين” وكان قد اكتسب شهرته العسكرية جراء المجازر المروعة التي ارتكبها ضد قبيلة البيكوات في عام 1637.

تدخل أندرهيل لإنقاذ الهولنديين على طريقته، فأحرق قرى السكان الأصليين على أهلها، وإن اختلفت الروايات التاريخية في عدد المجازر المنسوبة إليه فإنها تتفق أنه قتل في ستمفورد وحدها (فيما يعرف الآن بولاية كونيتيكيت) ما بين 500-700 من السكان الأصليين.

وعلى الرغم من “النصر” الذي حققوه، فقد أضعفت هذه الحرب الهولنديين الذين انكفأوا في مستعمرتهم ورأوا أن يقيموا في شمالها جدارًا ليعزلها عن باقي الجزيرة وليمنع الشعوب الأصلية وباقي المستعمرين من التسلل إليها، وشرعوا في إنشائه في العام 1653.

المكان الذي كان فيه الحائط -المصدر: المستقبل ويب

تدمير الجدار وسقوط المستعمرة الهولندية

إلا إن هذا الجدار لم يمنع أصحاب الأرض من أن يستمروا في استهداف مستعمريهم، ففي عام 1655 أعدت قبيلة السوسكهانوك جيشًا قوامه من أمم وقبائل السكان الأصليين المختلفة ومن أهالي جزيرة مانهاتا وباغتت مستوطنة أمستردام الجديدة بينما كانت قيادتها منشغلة في اقتتالها مع المستوطنين السويديين.

اجتاحت قوات السكان الأصليين المستعمرة ودمرت منشآتها الاقتصادية وعادت بـ150 أسيرًا، وقيل إنها فعلت ذلك دون أن تريق قطرة دم واحدة، في حين تذهب رواية أخرى إلى أنها حصدت أرواح 100 مستوطن.

شكلت هذه المعركة ضربة قاصمة للمستعمرة الهولندية، التي أصبحت منذئذ لقمة سائغة للمستوطنين الإنجليز. وعام 1664، استسلم الهولنديون للإنجليز الذين دخلوا أمستردام الجديدة وأعادوا تسميتها إلى يورك الجديدة، أو نيويورك (تيمنًا بدوق يورك، شقيق ملكهم تشارلز الثاني وولي عهده)، وسموا الشارع الذي وجد فيه الجدار بشارع الجدار أو وول ستريت.

وإن كان الجدار المادي قد زال حين آلت الأرض من مستعمريها الهولنديين إلى مستعمريها الإنجليز، فإن وول ستريت أصبحت مركز البورصة ومقر الشركات العملاقة لتصبح بذلك رمزًا على الجدار المعنوي الذي يفصل النخبة المالية عن سائر العالم.

مصدر ويليم مكلاود، الحدود الأمريكية الهندية، أحمد رياض دردير
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.