انفصام العقل المدني في الحالة السورية

علي الأعرج

في مرحلة أولى من الثورة السورية، جالت لدى البعض أوهام التحالف الشيطاني للقضاء على النظام، بدعم أي حراك مسلح والانسياق وراءه دون أي حساب للمستقبل، أو التنبّه لخطر إيديولوجية تلك الحركات، والتي تحولت بفعل الانسياق للدول الخارجية إلى حركات دينية لها مشاريع بناء دول مستقلة.
في تلك المرحلة المتقدمة، بدأ بعض الناس يتراجعون رويداً لإحساسهم بأن المسائل خرجت كلياً عن السيطرة، لكن الوقت كان قد نفذ فعلياً، وأصبحت سوريا على ما هي عليه الآن.
هنا لا يهم كل ذلك الاستعراض التاريخي، بقدر ما يهم نقطة الانفصام الشخصي الذي حمله ذلك العقل بطروحاته المدنيّة لدى البعض، والذي تشكّل بقسمين، لأن القسم الثالث انزوى نهائياً من ذلك الصراع:

الأول؛ هو العقل المدني الذي انخرط تماماً في المشروع السياسي، والعسكري الديني كداعم مباشر وواقعي، أو كداعم نفسي ومعلوماتي.

وهو القسم الذي عبّر طويلاً عن أرائه في القضايا الكبرى السياسية، والاجتماعية، بما فيها قضية فلسطين والموقف من اليهود، كرافض لتلك الدولة لأنها تقوم على شكل عنصري واستيلابي لحقوقية الشعب الفلسطيني تاريخياً.

والقسم الثاني؛ هو الذي رفض كلياً ذلك الحراك الديني وسلطته التي ستقود البلاد للدمار، وأيضاً أعطى آراءه في السياسة والمجتمع، وحتى في القضية الفلسطينية كضرورة العيش المشترك،

وتحول إلى معاند ومحاور شرس ضد رفض الدولة الإسرائيلية، من منحى حق الجميع في الحياة.
بالطبع؛ لن نتوقف عند أين يكمن الصواب من الخطأ في موقف كلا العقليين المدنيين، لكن ما أريد الحديث عنه، هو الموقف من القضية الفلسطينية.
إن الدعوة لبناء نظام دولة ما من منحى ديني، هي دعوة تحمل مقومات الإقصاء في طبيعتها، بمعنى ما، ولنأخذ مثالاً بسيطاً وواضحاً: إن وجود دولة تقوم على مقومات دين إسلامي لا تختلف في جوهرها وتاريخ بنائها على دولة كإسرائيل، تقوم تاريخياً على ذات المنطق الديني.
فإسرائيل بمعناها القومي، هي ليست أكثر من تجميع كل من يمت بصلة للديانة اليهودية داخل إطار جغرافي وهو فلسطين. بذات المنطق، أي محاولة بناء دولة إسلامية، على غرار ما طرحته داعش، هي تجميع لمسلمين في بقعة جغرافية معينة أيضاً، وتحمل ذات البعد القومي.
بمعنى داعش تقوم على سياق ديني إسلامي، كما إسرائيل تقوم على سياق ديني يهودي اتخذ نتيجة التنوع القومي العالمي للدين اليهودي نفسه طابعاً ليبرالياً، لكنه لم يتغير عن جذره الاجتماعي كأحقية إسرائيل التاريخية في أرض الميعاد بحسب نصّهم، تماماً كما الطرح الإسلامي وأحقيته في إقامة دولة بحسب نصهم أيضاً.
فرافض داعش باعتبارها نظاماً دينياً، يجب عليه بالمقابل؛ رفض إسرائيل باعتبارها نظاماً دينياً أيضاً، وقبول إسرائيل يعني قبول داعش. لأن الجذر المؤسس للحركتين تاريخياً هو مشروع نصي ديني من ذات إلهية واحدة، رغم اختلاف النصيين. لكن أن يصبح رفض داعش مثالاً وقبول إسرائيل، أو قبول داعش ورفض إسرائيل، بحجة أن أحدهما مدنياً والأخر شرعياً، فهذا ضرب من هراء، وأحد أشكال انفصام العقل المدني.
وذكر داعش هنا، جاء كمثال بديل لأي نظام دولة دينية إسلامية قائمة في عالمنا. لكن بنفس السياق يجب على العقل المدني الذي يدعو للتصالح والذوبان في المشروع الإسرائيلي أن يقبل وجود نظام ديني إسلامي، ولا ضير أيضاً من وجود نظام ديني مسيحي مستقبلاً أو حتى هندوسي أو بوذي. أي عقل مدني تافه يمكن أن يقبل ذلك؟!.
إن عملية رفض وجود دولة إسرائيل، لا يجب أن يكون سببه قومي أو ديني، بقدر ما هو رفض للبنية الغيبية في بناء دولة. رفض وجود إسرائيل هو رفض لوجود أي نظام ديني آخر لشكل الدولة أينما كانت، إسلامية، أو مسيحية، أو أي دين آخر.
لا يحق لأحد أن يرفض إسرائيل ويدعو لنظام دولة إسلامية، تماماً مثلما لا يحق لرافض الدولة الإسلامية أن يدعو بلغة التفافية إنسانية عن أهمية التعايش المشترك والخضوع لسلطة إسرائيل. التفكير المدني لا يتجزّأ.
لا يجب أن تقوم أي دولة جذرها ديني، لا داعش ولا إسرائيل ولا غيرها. لأن مفهوم الدولة الدينية يقوم باعتبار الذات حق، وكل معارضة لها خارج إطار نصها هو ضرب لمشروع بنائها الذي يقوم على الحق الذي أخذوه من النص الغيبي، وبالتالي إقامة حكمها عليه دون أي اعتبارات إنسانية وفكرية أخرى، ضرب من الإقصاء المطلق.
وهذا الضخّ الإعلامي لإقناع الناس بالتوجهات القومية حيناً أو الدينية حيناً آخر، لا يصبّ إلا في مصلحة من يتحكم بمصير الناس، أي بوضوح، هي قيادات الدول والحكام. فالأحرى بالشعب أينما كان، أن يرفض لأنه شعب يجب أن يتمتع بالتفكير المدني، وليس لأن النص الديني يحارب إسرائيل أو النص التوارتي يحارب المسلمين والمسيحيين. أي جهل بشري هذا!.
معنى الحديث، إن التناقض الواضح بالنسبة لبعض متبجحي التفكير المدني، يجب أن يفهموا بأن رفض إسرائيل هو رفض لأي حراك ديني إسلامي، أو مشروع يمكن أن يقوم على غرار ذلك، بمنطق الرفض الكلي للإيديولوجيات الغيبية، وليست رفضاً سياسياً فقط.
إمّا أن تجعل سلطة الدين السياسي هي سيدة عليك (يهودية، أو إسلامية، أو مسيحية) وإما رفضها بالمطلق وجعلها ليست أكثر من أداة تعبدية مع الرب فقط دون إنزالها للشارع.
وإن عرفّنا المدنية بأسلوب تهكمي قليلاً، فيمكن أن نقول عزيزي المدني.. المدنيّة ببساطة، هي أن نعادي السامية، باعتبارنا كعرب ومسلمين ساميين أيضاً، فمن حقنا أن نرفض ذاتنا، كما من حقنا أن نرفض أولاد عمومتنا.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل