تجارة الرقيق الأبيض.. النساء لسن كائنات لإشباع الرغبة

0
الأيام السورية؛ كفاح زعتري

“كنت في الرابعة عشر من عمري عندما أنجبت طفلي الأول، لم أتمكن من متابعة تعليمي، عملت عاملة نظافة قبل أن أنتقل للعمل في الدعارة، كانت البداية جيدة حيث استطعت توفير المال وإرساله إلى عائلتي” هي يوليا كما تسمي نفسها من شرق أوربا، تتابع “أُجبرت على العمل في البغاء لمدة عشر سنوات عندما قررت الخروج إلى الشمس واختيار عمل متواضع بمساعدة إحدى الجمعيات التي تعنى في بنات الليل”. من حديثها إلى موقع دويتش فيلله الألماني.

الدعارة مصنفة اقتصادياً كمهنة معترف بها في أغلب دول العالم، ومحمية بموجب قانون ينظم العمل بها، بما يكفل ظروف عمل إنساني وحماية صحية للمستهلك “على رأي مناصري القانون”. عدد من الدول الأوربية شرعت قوانين حظر ممارسة الدعارة، السويد كانت سباقة بهذا المجال ثم فلندنا، والدانمارك، والنرويج، وفرنسا، وإيرلاندا.

في ألمانيا صدر عام 2002 قانوناً فيدرالياً ينظم ممارسة الدعارة. المدافعون عن القانون يعللون بأنه يحمي النساء العاملات بهذا المجال، ويمنع استغلالهن، يخرجهن من دائرة العزل الاجتماعي، ويجعل من الدعارة مهنة كسائر المهن، تحظى العاملات فيها بالاحترام والضمان، ويتوجب عليهن لأجل ذلك أن يسجلن عملهن، كما يوجب الحصول على تراخيص عمل لأصحاب بيوت الدعارة.

وأما في حال تم منع الدعارة رسمياً، سوف تعمل النساء بشكل سري بعيداً عن الرقابة والحماية، الأمر الذي يعرضهن للاستغلال والعنف دون أن يتجرأن على طلب الحماية.

ممارسات كهذه تخالف نص وروح الدستور الألماني الذي وضع كرامة الإنسان في أول اعتباراته تكون كرامة الإنسان مصانة وتضطلع جميع السلطات في الدولة بواجب احترامها وصونها

بالإضافة إلى أن الدعارة أقدم مهنة في التاريخ، وهي عمل مهم وحاجة إنسانية يجب الدفاع عنها وحمايتها، فتقنين هذا العمل يشكل حماية للنساء العاملات من الاستغلال أو العنف، كما يؤمن لهن المتابعة الصحية.

بنفس السياق، فقد صدر قانون يلزم الرجال طالبي المتعة الجنسية على ارتداء الواقي الذكري تحت طائلة عقوبة السجن وغرامة قد تصل إلى 50 ألف يورو.

في الواقع لا يمكن تبرير هكذا قانون أو الدفاع عنه، كما لا يمكن إعطاء الشرعية لتشييء الإنسان وامتهان كرامته. فالرجل الذي يشتري المتعة الجنسية، هو عملياً يشتري جسد المرأة لمدة محددة أو مفتوحة! فالترخيص الذي أعطاه القانون باعتبار الدعارة مهنة، بات ينطبق عليها قوانين السوق، فيعمل المستثمرين على تحقق أعلى ربح ممكن، وتسخير أدوات العمل -وهنا جسد المرأة- لأجل ذلك. شركات الترويج وقياساً على عروض الإنترنت المفتوحة والمائدة المفتوحة، تروّج إلى عرض “المدة مفتوحة حسب الرغبة”! منتهى الإذلال.

من ناحية ثانية، ممارسات كهذه تخالف نص وروح الدستور الألماني الذي وضع كرامة الإنسان في أول اعتباراته “تكون كرامة الإنسان مصانة وتضطلع جميع السلطات في الدولة بواجب احترامها وصونها” المادة الأولى في الدستور الألماني “القانون الأساسي”. وهو المظلة الذي تقع تحته جميع القوانين والإجراءات، والضامن للحقوق الأساسية.

لم يقدم القانون الحماية التي يفترض تحقيقها لبائعات الهوى، والتي يدفع بها مؤيدو القانون، فالنساء يعملن تحت سلطة القوادين، ويتعرضن لاستغلال وإيذاء كبير، يجبرن على العمل، ولا يتمكن غالباً من النجاة. قلة فقط مسجلات كبائعات هوى بينما أغلب النساء يشتغلن “أَسْوَد” بمعنى أنهن دون حماية ودون حقوق ودون تأمين.

الكثيرات من بائعات الهوى يتعاطين المخدرات ليستطعن تقبل طلبات الزبائن. إحدى المومسات قالت: إنها لم تخرج منذ ثلاث سنوات من البيت الذي تعمل وتقيم فيه. أخرى استطاعت النجاة بنفسها تقول: كان يتوجب عليها ممارسة الجنس مع 400 إلى 500 رجل خلال أربعة أسابيع. “رغم أن القانون يمنع الدعارة القسرية”.

الجمعيات النسوية التي تتابع النساء العاملات بمجال تتحدث عن أعداد تصل إلى مليون مومس في ألمانيا، سبعة آلاف امرأة فقط مسجلة قانونياً كمومسات، ألمانيات ومن مختلف دول العالم

واقع الحال يقول؛ إن الحماية القانونية هي لتجار الرقيق الأبيض، تحت مسميات مزخرفة لتنسجم مع العصر.

في الخامس من شهر نيسان/إبريل الماضي اختتمت في مدينة ماينز الألمانية فعاليات المؤتمر العالمي من أجل مناهضة التعذيب والاستغلال الجنسي للنساء والفتيات، شاركت فيه بعض النساء ممن تركن عالم الدعارة، وقدمن شهاداتهن. وتقدم المؤتمر بتوصية أساسية لتبني ألمانيا مشروع قانون مكافحة تجارة الجنس.

الجمعيات النسوية التي تتابع النساء العاملات بمجال الدعارة وتحاول انتشالهن وتمكينهن، لإيجاد عمل لائق يحفظ كرامتهن وإنسانيتهن، تتحدث عن أعداد تصل إلى مليون مومس في ألمانيا، سبعة آلاف امرأة فقط مسجلة قانونياً كمومسات، ألمانيات ومن مختلف دول العالم، أسيا، وإفريقيا، وأوربا ومن دول عربية. تقول إحداهن؛ بأنها تزوّجت مرتين وتطلقت، عائلتها رفضتها وحملتها مسؤولية طلاقها، لم تتمكن من العودة إلى بلدها، ولم تحظ بعمل يكفي لدفع آجار شقة. الكثيرات أتين لأجل العمل وإعالة عائلاتهن، ولم يجدن سوى البيوت الحمراء مكاناً للعمل والإقامة، لتأمين متطلبات العائلة التي تنتظر وصول المعونة من الابنة المقيمة في أوربا.

أخيراً؛ الدعارة بتعريفها تقديم الجنس لقاء المال، يختصر المرأة إلى أداة للمتعة، وبهذا تشويه وانتقاص من قيمة المرأة ودورها، يحطّ من كرامتها، ويسهل بشكل كبير إيذاءها واستغلالها. كما أنه يقف بطرف النقيض مع حقوق المرأة ودورها الاجتماعي.

قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!