سُعار السوشيال ميديا

0
الأيام السورية؛ علي الأعرج

إن أحد أهم آليات النظم الاستبدادية لاستمرارها، هو جعل معارضي تلك النظم أن يتحدثوا بعقليتها. بمعنى أن يُجرِّدوا أي خطاب من عقلانيته، كي يثبتوا للعالم بأنّ وجودهم واستمرار استبدادهم هو الشكل الطبيعي مقارنة بخطاب تطويفي ضدهم. وربما المثال السوري هو الأبرز في هذه الناحية. فعندما يعلو خطاب الكره والتعصب والانزياح لجهات معينة على حساب الهوية، فهذه أفضل خدمة يمكن لمعارض أن يقدمها لنظام قمعي متوحش.

هذه المقدمة هي لحديث عن موقف جرى على أحد مواقع السوشيال ميديا. والهدف منه في الدرجة الأولى، هو تنبيه لآلية الخطاب المستخدمة في الإقصاء. والتركيز على نقد الخطاب الشعبي المعارض للنظام السوري، لأنه بطبيعة الحال عندما تصبح الحرب سيدة على الجميع، والحل يتحول إلى مسألة دولية، فالأجدر بالإنسان الطبيعي الذي لا يستطيع المساهمة بحل دولي، أن يكتفي على الأقل بخطاب عقلاني، لمحاولة ترسيخ مفهوم الدولة المدنيّة، والأهم عدم إفادة النظام لجر الخطاب إلى عقليته الطائفية والإبادية.

في إحدى جولات الاطلاع في الشوسيال ميديا، قرأت بعض التعليقات الفيسبوكية حول مادة تتحدث عن الأرمن في سوريا. تعليقات وصلت إلى مرحلة أصابتني بالذهول من مستوى التشنج البشري على مادة صحفية ليست سوى استعراض لتاريخ الأرمن. مادة حيادية بامتياز.

مستوى التعليقات لم يرتفع من إطار التخوين والسب والشتم.. (الأرمن الخونة ويجب عودتهم إلى بلادهم \ يستحقون أكثر مما جرى لهم لأنهم تحالفوا مع الروس ضد العثمانيين \ أنجاس \ كلاب لأنهم خانوا الشعب السوري بالوقوف مع النظام.. الخ).

بالتأكيد ليس الحديث هنا دفاعاً عن تحالفات أو قوميات أو مواقف سياسية، لكنه عن التشنج والاضطراب غير المبرر من قبل بعض العقول المتعصبة، التي تتبجح بالديمقراطية وحق الحياة.

لكل تاريخ ظروفه، ولفهم ظروف التاريخ وإعادة فهم الحاضر وبناءه، يجب أن نفكر بعقلانية، لأن الانتقام العشوائي والنفي وتجريد البشر من حقوقهم فقط لاعتباراتك الشخصية، لن يزيد إلا في استمرار التعصب.

لا أريد أن أتحدث بشكل طائفي، لكني مجبر على التفسير والتساؤل.

ألم يخرج السوريون ضد النظام لأنه بدرجة معينة نظام طائفي! أليست مظاهراتهم كانت لتحقيق عدالة وعيش مشترك!. قد استوعب رد الفعل الشعبي المتشنج بعد ثماني سنوات من الصراع، أن يتخذ قليلاً هذا الجانب، لكن أين أضحت العقلانية التي هي جوهر البناء المدني!. هل يمكن لنا أن نفكر بطريقة للعدالة عند وقوفنا اتجاه أفراد نتيجة ظروف سياسية دولية أن اتخذوا موقفاً مع النظام.

بطبيعة الحال جزء من الأرمن أصبحوا شبيحة، مثلما جزء من الأكراد، أو حتى المسيحيين وأيضاً جميع المتحزبين ذوي الطروحات العلمانية، لكن يجب ألا ننسى أن الجزء الكبير من شبيحة النظام، الذين ضربوا بسيفه ضد الناس التي عارضت، للأسف كانوا من العرب السُنّة، وهذه حقيقة يعلمها جميع المعارضين. تماماً مثلما يجب لجميع متحذلقي السوشيال ميديا أن يتذكروا بأن من تم تعذيبهم وتصفيتهم في سجون الأسد قد قضوا نحبهم على أيدي عملاء النظام الذين كانوا من جميع فئات الشعب بالطبع، لكن بالمقابل كانت أكثرية جلاديه هم من السنّة نتيجة النسب العددية للمجتمع السوري.

كما يجب ألا ننسى أن أحد أهم أسباب تراجع الثورة السورية، هو الصراع الذي نشأ بين الجهات التي اعتملت بطريقة ما للخارج. عندما يصبح هدف إسقاط النظام بالتخندق والعمالة لبعض الجهات الدولية، إذاً لا فرق كبير عن عمالة النظام لروسيا وإيران. وبكلتا الحالتين، البلاد لا تبنى بهذه الطريقة. عندما خرجت الثورة السورية، خرجت لتكون نموذجاً سورياً وليست نموذجاً تابعاً لأحد.

نحن لا نبرأ ساحة أياً كان، لكن لنفكر ببناء صحيح، وقبل أن ترتفع حناجر التخوين للآخرين (التي نشأت لظروف تاريخية ونفسية معينة) يجب أن نفهم تماماً كيف مجموعة من الإخوان المسلمين، الذين كانوا خارج دائرة التظاهر ضد النظام في البداية، قد تسلًقوا فيما بعد على أكتاف الثورة السورية بطروحاتها المدنيّة وساهموا بهدمها من أجل مشروع أيديولوجي خاص.

وأن ندرك أن أحد أهم أسباب التردي السوري، ليس فقط لعمالة النظام واستقوائه بالخارج في محاربة الشعب، بل بدرجة قريبة منها، هي تسلّط مجموعة من المتصارعين أصحاب الأيديولوجيات التبعيّة لدول أخرى، في تحويل الثورة لتصبح تمريراً لمشاريع سلطوية على سوريا.

من يتحدث عن الإبادة أو الصراع بين العثمانيين والأرمن، ويتحول الحوار إلى تراشق اتهامات من قتل أكثر، العثمانيون أم الأرمن. وكأن المشكلة هي بالعدد وليست في المبدأ عن حق الجميع بالحياة

وبعيداً عن الجانب السوري ومستنقع التصارع بين الجهات الواحدة، ما لا استطيع فهمه، هو موقف جزء كبير من الناس، أصحاب المشاريع الإنسانية والعدالة والبناء الديمقراطي، وخطابهم القائم على نفي شعب بأكمله أو إبادته، تحت مبدأ رد الفعل النفسي نتيجة خلاف أيديولوجي! أو انسياق لجهة النظام. أليس هذا الخطاب معبّر عن ذات السلوك الذي مارسه النظام وحلفائه ضد الشعب!. الدعوة لإبادة الأرمن ونفيهم من سوريا، وكأنهم لا يشكلون جزء من نسيج الوطن، وعلاقاتهم التي قاربت مئة عام مع جميع فئات الشعب.

المشكلة ليست بالأرمن ووقوف بعضهم مع النظام، ولا حتى جزء كبير من العرب أو الأكراد أو السنّة، المشكلة الأساسية هي كل من باع نفسه لسلطة علوية هو ضد الشعب، المسألة ليست بقومية أو دين معين. ومن كان غير قادر على هذه الرؤية، فهذه البلاد ستغرق أكثر في مستنقع التعصب والجهل. هذا الخطاب الشعبي ضد الأرمن أو غيرهم من الأقليات أو الأديان، لا يصب إلا في مصلحة النظام واستمراره، لأنه يصب في آلية خطاب النظام نفسه.

ومن ناحية تاريخية، من يتحدث عن الإبادة أو الصراع بين العثمانيين والأرمن، ويتحول الحوار إلى تراشق اتهامات من قتل أكثر، العثمانيون أم الأرمن!. وكأن المشكلة هي بالعدد وليست في المبدأ عن حق الجميع بالحياة. هو بطبيعته حوار فاشي. ذلك الصراع ابن مرحلة تاريخية، لا يعبّر عن واقع الآن، وتطور التفكير وحضارة الدول والشعوب. والتحسر على عدم القضاء على شعب ما، هو دليل عن نظرة ضيقة وهزيلة في فهم الحياة، بعيداً عن السياسة.

عزيزي المؤدلج. يمكن لك بنفس السياق التأمري الذي تتحدث به، عن روعة ما فعله العثمانيون بالأرمن (على خلاف صحة التاريخ من عدمه في هذه المسألة)، يحتم عليك أن تشعر بنفس الروعة في إبادة العثمانيين لأي سوري تاريخياً وقف ضدهم في الحرب العالمية الأولى. ويمكن لك أيضاً أن تصف أجدادك الذين ثاروا ضد العثمانيين ليحققوا استقلال سوريا، على أنهم مجموعة من الخونة، لأنهم خانوا العثمانيين بالتحالف مع الإنكليز، تماماً مثلما الأرمن خانوا العثمانيين بالتحالف مع روسيا. أم أن هذا التاريخ لم يخطر لك قبلاً!.

لكل تاريخ ظروفه، ولفهم ظروف التاريخ وإعادة فهم الحاضر وبناءه، يجب أن نفكر بعقلانية، لأن الانتقام العشوائي والنفي وتجريد البشر من حقوقهم فقط لاعتباراتك الشخصية أن الثورة السورية ملك لك، لن يحقق أي نوع من المنطق والسياق العادل، لن يزيد إلا في استمرار التعصب.

بالتأكيد ليس الكلام على الناس التي عملت كتشبيح مع النظام باختلاف قومياتها أو مذهبيتها. فهؤلاء سيحاكمون، ولكن المحاكمة للجميع، وللأكثرية قبل الأقلية. فهم التاريخ والواقع والتجرد المطلق من أي عمالة للآخر هو الهدف الثوري الأصيل. وأخيراً أي إبادة مرفوضة أينما كانت وعلى أياً كان.

في النهاية كل ما سبق لن يغيّر شيئاً في عقلية متحذلق لا يستطيع أن يشاهد الأمور إلا من خلال سذاجة سياسية وثقافية وغباء في فهم التاريخ والحق الإنساني في الحياة. وإضافة على النهاية، شكراً لأجدادنا الذين خانوا العثمانيين، لنكون سوريين أحرار ولسنا تابعين حمقى. ولن نكون.

وملاحظة أخيرة، شكراً لأجدادنا لخيانة العثمانيين ليسوا لأنهم عثمانيون، لكن لأنه بنفس السياق إذا لم نشكر أجدادنا لخيانة العثمانيين فيحتم علينا ألا نشكرهم لخيانة الفرنسيين في مرحلة لاحقة. وهذا من معيبات الطرح الوطني، أليس كذلك عزيزي المؤدلج!.

قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!