الاعتياد اللغوي

0
الأيام السورية؛ علي الأعرج

بالتأكيد؛ من مظاهر التمدن في المجتمعات، هو قدرة الناس على معرفتهم بلغات أخرى. فكلما ارتفعت نسبة الشريحة الاجتماعية المتحدثة بلغات أكثر، كانت إمكانية الانفتاح العقلي والتحرر أكبر، نتيجة التواصل المختلف للمعلومات. لكن يأتي المعنى هنا كانفتاح لغوي شامل وليس مجتزأ. والمقصود بالاجتزاء؛ هو ممارسة عدد محدود من التعبيرات والكلمات أو الجمل عامة، وبأنساق استبدالية فقط. في تلك اللحظة نصبح على أعتاب الانسلاخ العقلي والروحي.

يُشكّل الاعتياد اللغوي في حياتنا، نسبة كبيرة من تحديد طبائعنا الفكرية، وآليات فهمنا وعقائدياتنا بشكل عام. فنحن نمارس اللغة ليست فقط كنمط تركّز في أذهاننا منذ الطفولة، بل كحالة اعتدناها دون أن نستلذ بها. ومع مجمل الضغوط التنمريّة التي نخضع لها في بيئاتنا المتنوعة، فقد ننسلخ أحياناً عن تلك اللغة لنستبدلها بلغات نشأت في الوعي على أنها لغات أكثر حداثية.

أصبحت اللغة وتعبيراتها الضمنيّة تحدد شكل المرجعية الإيديولوجية للناس، فنجد كثيراً ممن يستخدمون كلمات مثل “بونجور” أو “مورنينغ” كتعبيرات بدائلية عن صباح الخير، في مظهر عقلي بأن البونجور هو تعبير أكثر تمدناً، ويعطي انطباع لعدم الخضوع لنمط لغوي يتحدد كشكل متخلّف ومؤدلج أحياناً.

فمثلاً، تعبير السلام عليكم، أصبح مرتبط اعتيادياً بآلية دينية إسلامية، كتعبير سني مارسه الأوائل، وتم إلصاقه تدريجياً بالأنبياء والزهّاد والمتفقهيّن، دون أن نقف عند طبيعته اللغوية، بأنه ليس أكثر من تمني السلام للناس، لكنه ترسّخ في الأذهان أنه معبّر عن إيديولوجيا دينية قد توصف أحياناً بالمتشددة.

ومن المفارقات الساخرة التي يخضع لها هذا التعبير، بأن كثير ممن يعملون في الحقول المعرفية، والثقافية، والسياسية، قد يشعرون بنوع من الضغط النفسي عند سماع عبارة السلام عليكم، وهم أنفسهم أكثر الدعاة للسلام العالمي. بالتأكيد؛ لسنا ندافع عن أدلجة العبارة، وأخذها إلى المنحى المتخندق بحسب مسيّسي الدين، لكننا نتحدث عن مضمونها المعنوي وتفسيره. حتى اللغة أصبح يتم احتكارها من قبل الإيديولوجيات.

تماماً مثلما قد يتحسس البعض من صباح الخير، لكنهم يشعرون بأريحية عند سماع بونجور، وكأنّ من يقول بونجور هو أكثر ليبرالية من قائل صباح الخير، الذي يأخذ بعداً قومياً ينتمي إلى نمط عروبي وسياسي سلطوي. وحتى قائل صباح الخير يعاني مفارقة تهكمية، فهو من جهة لا ينتمي إلى المنسلخ القائل بونجور ليعبّر عن ليبرالية التفكير، ولا ينتمي من جهة ثانية لشخص يمارس السلام عليكم، كصورة متضمنة لثقافة مغرقة بسنيّة النبي. قائل صباح الخير منبوذ من جهتين، حتى وإن كان النبذ غير واضح، لكنه لا يلقى احتراماً كبيراً.

من الطبيعي في عصر منفتح كهذا أن يتم تلقيح لغوي شامل، ويصبح استخدام الأوك والثانكس والميرسي جزء عفوي في التعبير، لكن أيضاً في هذه العفوية هناك فوقيّة تضعنا عند تساؤل بأن ما نعانيه من اتساع عفوي وتلاقح ثقافي لا يختزل إلا لغتين أو ثلاث، وحتى الميرسي تتفوق على الثانكس. وبكل الأحوال نحن لا نتحدث عن العبارات الشائعة، بل المصطلحات المنتقاة لإظهار الذات المتمدنة.

هذه المصطلحات البسيطة والاعتيادية في اللغة، أضحت تعبّر عن شرخ ثقافي وعقلي بالنسبة للناس. فمن جهة لا أحد يمتلك قابلية التلذذ بتشكيل الأحرف ليدرك مدى جمالية المعاني المتضمنة في تلك العبارات. ومن جهة ثانية أصبحت اللغة نفسها محط اتهام ونكران غير واعي.

بالتأكيد؛ لسنا هنا في توجيه تهم انسلاخ أو تثبيت لأنماط معينة، لكننا في محاولة لاكتشاف جمالية المعاني لبعض العبارات التي تحولت بفعل التسييس، إلى رفض أو إغراق مطلق. محاولة لفهم أين نضع أقدامنا، فاللغة بطبيعتها تشكّل آلية وعينا بطريقة ما، لكن عندما نخرج من عباءة الاعتياد ونحاول اكتشاف مضامينها قد نصل إلى منطقة نصبح فيها قادرين على التلذذ بتفاصيلها، وبالتالي؛ إسقاط كل ما علق فيها من تاريخية الأدلجة.

في حادثة جرت مع أحد السوريين المقيمين في بلجيكا، في أحد الأيام زارهم معارف (رجل وزوجته) ومن ضمن الأحاديث، قالت الزائرة، وهي مسيحية سورية، بأنها في عائلتها لم تكن تمارس علاقات اجتماعية مع أشخاص يقولون السلام عليكم، لأنها نشأت على نمط البونجور. فالسلام عليكم تدلل على مرتبة اجتماعية أقل.

وكي لا يتم فهم الحديث كتطويف، فالمثال هنا لشرح الآلية، ولا علاقة له بدين أو مذهب، فحتى أكثر الإسلاميين يمارسون ذات النبرة.

بعيداً عن تفاصيل الحديث، لكن تعبير الرفض في مجتمع سوري، له دلالات تاريخية مرتبطة بآليات التخويف السلطوي. الانغلاق الاجتماعي للمسيحيين، وتنميط ثقافة لغوية غربية بديلاً عن لغة يومية، برغم أن المسيحية الشرقية بطبيعتها تمارس بالمعنى الديني لفظ الرب السلام، أي أن السلام عليكم له ذات الدلالات الموجودة في الرب السلام. لكن حالة تمكين الخوف لمجتمع أقلوي سوري من شراسة السلام عليكم فعل قطيعة ليس مع اللغة فقط، بل حتى مع الجذر الديني، الرب السلام، وأصبحت البونجور مثلاً هي بديل عن كل ذلك.

قد يبدو للبعض أن الأمثلة التي نتحدث عنها هي قليلة ونادرة، لكنها مع ذلك تأخذ مساحة أكبر، وربما أصبحت منتشرة بصورة أعمق مع حالات الانهيار والحروب التي تصيب الناس.

وكي نكون منصفين، ما سبّب هذا الانسلاخ اللغوي والتشنج إزاء بعض التعبيرات أو الإغراق فيه، سببه ليس سياسي فقط في الدرجة الأولى، إنه مرتبط بكمية من الانحدار الثقافي والتحليلي، والرغبة بعدم الفهم والتفكير الاجتماعي.

مختصر القول اللغات الأخرى، التي نشأت في الوعي كصورة لتاريخ استعماري سابق، والتصاق كلي مع مفاهيم النيوليبرالية من منحاها اللغوي، كلغات مرتبطة بالحريات المطلقة داخل المجتمعات الغربية، لا تخلق منا أشخاصاً أكثر حداثوية في ممارستها على حساب المعاني التعبيرية للغتنا الخاصة. وفي نفس المنحى، إغراقنا الكلي في الرؤية بأنّ تعبيراتنا هي نابعة لجذر إيديولوجي معين، سيضعنا أكثر في متاهة الانسلاخ عنها. ما نحتاجه فعلياً هو الفهم العميق؛ بأن اللغة التي نشأت في وعينا هي خارج أي بند ديني أو سياسي. إنها لغة مرتبطة بالتراث والثقافة، وليست حكراً على جهة ما. وليس الهدف نفي الآخر ولغته، بل عدم نفي الذات تحت مبدأ الحداثة.

والسلام علينا جميعاً.

قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!