كحل العيون

0
بقلم: محمد آق بيق

في 17 نيسان/إبريل 1946 جلا آخر جندي أجنبي عن سوريا الحبيبة، وعمّت الفرحة أنحاء الوطن.. إذ أثمر نضال ربع قرن واستشهاد ما يزيد عن مئة ألف في تحقيق أروع استقلال ناجز وبلا شروط ولا معاهدات.. وافتخر الشعب السوري بأنه أول بلد عربي حقق الجلاء التام والكامل، وهو يتذكر كيف وقف الجنرال غورو قبل ربع قرن من ذاك الوقت أمام ضريح صلاح الدين قائلا: “ها قد عدنا يا صلاح الدين”..

كنت في الثانية عشرة من عمري عندما كحلت عيوني بفرحة العمر، وكان لي الشرف أن أشترك في أول عرض عسكري أقامه شكري القوتلي (رحمه الله) عندما كنت مع “الكشّافة” في الفوج العائد لمدرسة التجهيز الثانية (ثانوية أسعد عبد الله لاحقا) ، سمعنا القوتلي يخطب قائلاً وهو يرفع العلم السوري: “لن يُرفع فوقك إلا علم الوحدة العربية”، وتعلمنا منه ومن زعماء سوريا المناضلين ومن أساتذتنا الذين نهلوا من أفكارهم ومبادئهم: أن الدين لله والوطن للجميع، وسمعنا قوله الشهير عن الأقليات “هؤلاء أبناؤنا”.

وعندما أديت الخدمة العسكرية في أعوام 1955 و 1956 كنت أنام في حرش عين زيوان في الجبهة في الجولان مع صديقي وأخي جميل مخول من صافيتا، ومن خلال عام كامل في أثناء إقامتنا في خيمة واحدة لم يحصل بيننا أي خلاف أو شقاق، وهكذا كنا في المدرسة الابتدائية، والثانوية، والجامعة، وهكذا ربينا ونشأنا، على أن هدفنا جميعا هو خدمة الوطن على طريق الاستقامة.

كانت مأساة فلسطين حافزا لنا كي تزداد لحمتنا ومحبتنا لبعضنا البعض، وتآلفنا وتعاوننا، وكانت طموحاتنا كبيرة سواء على الصعيد الشخصي أو الوطني، وحتى عام 1967 لم نكن نشعر أبدا أن إسرائيل تشكل أي خطر علينا.

كانت الوحدة الوطنية هي سلاحنا الأقوى بوجه الطامعين بوطننا، وعندما سيطر البعث على الحكم في أثناء شبابنا تألمنا ليس لأن البعث قادم من عالم آخر ولكن لأنه اغتال الحريات واحتكر الوطن.

نجم عن حكم البعث القائم-كما يزعم- على النظام العلماني أنه ألغى النظام الديمقراطي، وأغلق الصحف وعزل السياسيين، وحل الأحزاب، وعطّل الدستور، ونشر حكم المخابرات، وقضى على الوحدة الوطنية في كافة مرافق الحياة، خصوصا في الجيش الذي كان فخرنا وعزنا وسياج وطننا، وشجع المحسوبية، وكمّم الأفواه، وأمّم الاقتصاد فحطمه، وصادر الأموال فقضى على حق الملكية المقدس.

ومع تقدمنا بالسن؛ لم نكن نتصور في أي لحظة أنه سيأتي يوم تتوجه فيه الأسلحة التي اشتريناها بعرق جبيننا نحو صدورنا، ولم نكن نتصور أبدا أن يخرج من أبنائنا من يركب طائرة مقاتلة كي يقصف بقنابلها مدنا وقرى، ويدمرها على ساكنيها من رجال ونساء وشيوخ وأطفال.

ما كان يخطر على بال أحد منا نحن أبناء سوريا الأحرار أن يخرج من أبناء هذه الأرض من يملأ السجون بالمعتقلين والمعتقلات، ويعذّب ويقتل وكأنه خال من أي انتماء إلى الوطن والمواطن، وكأنه وقد ملأ الحقد قلبه على من سلمه الحكم طوعا، فأخذ يعذبه ويصيبه بالعاهات الدائمة، ويقتله ويشوهه بلا رحمة ولا وازع من ضمير أو وجدان.

كنت أتمنى لو لم يمتد بي العمر لأرى ما أرى وأسمع ما أسمع، فيملأ الحزن قلبي وروحي، وأدعو الله مخلصا أن يخرج شعبي من محنته.

إن الشعب السوري عندما حقق الجلاء لم يكن يقصد تحقيق الاستقلال المادي فقط، وإنما كان يقصد إعادة بناء شعب موحد مؤمن بالله وبالوطن، متمسك بمبادئ الأخلاق والقيم، يجمع بين الأصالة والمعاصرة، فيبرهن على أنه ابن لحضارة مشرقة عمرها عشرة آلاف عام.

إن شعبا ولّدته الحضارات المتعاقبة لن يزول ولن يفنى ولن يندثر تحت ركام الأبنية المنهارة أو القنابل العنقودية، ولن تقضي عليه الغازات السامة، ولن تفتّ في عضده آلات التعذيب الجهنمية، ولن يستسلم لقوى الشر مهما بلغ جبروتها وبطشها.

إن شعبا صمد أمام عاديات الزمن طوال تلك القرون، سيبقى بإذن الله متمتعا بالحياة لأنه من أبناء هذه الحياة.

وكما كحلنا أعيننا برؤية الاستقلال، سيكحل أبناؤنا أعينهم إن شاء الله برؤية وطنهم وقد تحرر من العبودية.

وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون.
وإنّ غدا لناظره قريب.


محمد آق بيق:  ولد في دمشق عام 1934 وعمل قاضيا في محاكم دمشق منذ تخرجه عام 1961 حتى عام 1978 حيث انتقل بعقد إعارة إلى محاكم أبو ظبي عاصمة الإمارات وبقي قاضيا حتى عام 1996 حيث انتقل للعمل مستشارا قانونيا في شركة “التميمي ومشاركوه” للمحاماة وأسس فيها قسم التشريع.

كان ممن مارسوا السياسة منذ نعومة أظفاره واطلعوا على كثير من أسرارها وكان واسع الاطلاع في التاريخ والاقتصاد. توفي عام 2014 بعد صراع مع المرض.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!