نوتردام.. حريق كاتدرائية أم حريق العقول؟

الأيام السورية؛ علي الأعرج

مليارات من البشر لم يشاهدوا نوتردام، وربما مليارات أخرى لم يسمعوا بها، ولم يدركوا وجودها يوماً، لكن هذا بطبيعة الحال لا يُلغي أن كاتدرائية نوتردام هي واحدة من المعالم الأثرية المهمة في هذا العالم. إنها تشكّل تاريخاً لإنسانيتنا.

في حريق نوتردام الذي جرى مؤخراً، وبعيداً عن الأسباب التي شكلته وأدّت إلى هذا الأمر، وقبل أن نتحدث عن ردود الفعل التي تناولت الموضوع، لا بد لي بشكل شخصي من القول، أن خبر الحريق أشاع في داخلي يأساً، وهو يأس له ما يبرره، بعيداً عن المتحذلقين أصحاب المؤامرات؛ الذين يمارسون اتهاماتهم للآخرين في الانصياع لجهة الغرب على حساب الشرق.

يأس جعلني أشعر بأن هذا العالم لم يعد يحتوي أي قيمة لأي إنجاز بشري وتراثي، حتى القدر يمارس مع السياسيين لعبتهم في تدمير أي شيء له قيمة (بخلاف إذا اتفقنا أو اختلفنا مع تلك القيمة). والسبب الثاني، هو شعوري الشخصي بأن إحدى قصص العدالة والجمال الإنساني التي ارتبطت باسم كوزيمودو (أحدب نوتردام)، قد تلاشت فجأة. هو ذات الإحساس الذي راودني قبل أعوام في حريق أسواق حلب. ذات اليأس بأن جزءًا من النوستالجيا انهار أمام وحشيّة الحق والعدل بأيدي المؤمنين بضرورة الصراع على السلطة.

هو ذات الإحساس الذي راودني قبل أعوام في حريق أسواق حلب. ذات اليأس بأن جزءًا من النوستالجيا انهار أمام وحشيّة الحق والعدل بأيدي المؤمنين بضرورة الصراع على السلطة.

بعد حريق نوتردام، انقسم البشر كعادتهم في الانقسام إلى طوائف يتبنون الرأي الذي يوافق قناعاتهم، فمنهم من اعتبر الأمر عادياً، وقابلاً للحصول، وبأن لا شيء يستحق الوقوف عنده. ومنهم من نظر للموضوع من زاوية الاستغراب السلبي كتضاد للاستشراق، أن بلاد بأكملها حرقت ودمرت دون أن يتعاطف أحد معنا. ومنهم من رأى أن المسألة تعاطفية، ويجب الوقوف مع حريق نوتردام، وهؤلاء أنفسهم لا يهتمون كثيراً لتراث سوري أو عمارة من الطراز القديم في بلدان الشرق.

بالطبع؛ لسنا بصدد محاسبة أحد أو الوقوف عند الآراء المتباينة، لكن تلك المواقف وعلى خلاف نزعاتها، جميعها تؤدي إلى نظرية مفادها، بأن من يتحكّم بمواقفنا هو انتماءاتنا الضيقة. إمّا قبول الآخر والانسلاخ عن الذات، وإما رفض الآخر والتقوقع في الذات، وإما رفض الجميع من قبيل أننا ننتمي إلى المريخ. لا أحد يقف ولو للحظة في ذاتية مطلقة اتجاه فكرة الانتماء إلى كوكب شكّل تاريخنا بأسره. الجميع يتخذ وجهاً قومياً أو عرقياً أو دينياً. لا أحد يستطيع أن يرى الانتماء كانتماء أرضي كامل.

هذا القيء الداخلي، ألا يُشعر البشر بالتخمة؟.

بالتأكيد؛ الموضوع هنا ليس حريق كاتدرائية، إنما إحساس بالقرف من النزعات البشرية القميئة، بالتطرف المؤسساتي الذهني. الانغلاق وتبويب الحقيقة بحسب الإيديولوجيا. وهنا لا نتحدث عن الخطاب الرسمي الذي بطبيعة الحال هو مضطر لقول شيء تعاطفي، بيانات دولية، وإنما موقف البشر العاديين من الأحداث الكبرى.

الذي لم يكترث لحريق نوتردام، هو ذاته لم يشعر بالسوء لدمار أي تحفة معمارية في سوريا أو بلدان الثورات العربية. والمُستغرِب المُتعاطف مع نوتردام لم ينتبه يوماً أن تراث عمره مئات السنين قد زال في ربيعنا العربي. والمتخندق بنظرته الضيقة كشامت لحريق الكاتدرائية، هو نفسه من يعتبر أي نوع من العمارة التراثية (ما عدا الجوامع)، شكلاً لا يجب أن يبقى.

لقد وصل بنا الحال فعلياً إلى مرحلة اللاعودة، مرحلة الانهيار أمام حقيقة انتمائنا الأرضي. إننا نعاني حريق عقول لم تعد تصلح لشيء سوى النظرة الفارغة اتجاه العالم.

المشكلة ليست بحريق مبنى، لقد تحول إلى حريق ذهني يأكل الجميع، ويحطم كل شيء عقلاني فينا. حالة من الانغلاق لا تنتمي لهذا الكوكب بقدر ما تنتمي لفكرة مهترئة في داخل عقل صاحبها.

في نفس السياق، بعد حريق الكاتدرائية بساعات، كان يمكن أن ينشب حريق مماثل في الأقصى، لكن تم السيطرة عليه بسرعة قبل أن يتحول إلى جحيم كما جرى في نوتردام. ومن حسن الحظ أنه لم يمتد، لكن لو كان قد جرى فعلياً فما هو الافتراض الذي يمكن أن نتخيله في الموقف الدولي والشعبي عن الأمر!. وإلى أي حد يمكن أن تنطلق أفواه التأمر!. وإلى أي مدى سيقف المُستغرب من حريق الأقصى! أو ما سيكون موقف اللامبالي!. وحتى موقف المتخندق من اعتباره أن حريق الأقصى ليس لأنه يشكل تراثاً إنسانياً، بل تعبداً دينياً.

لقد وصل بنا الحال فعلياً إلى مرحلة اللاعودة، مرحلة الانهيار أمام حقيقة انتمائنا الأرضي. إننا نعاني حريق عقول لم تعد تصلح لشيء سوى النظرة الفارغة اتجاه العالم.

بعد حريق نوتردام أصبح الإحساس متشنجاً إزاء البشر، بأن ما يمكث في الجماجم ليست عيون تستطلع وتفكّر ما يجري خارجاً، ليست سوى فراغات تمتلئ بحلقات زجاجية ملونة لا تؤدي أي غرض سوى الزهو الأجوف بجمالها.

سوق المدينة بحلب قبل وبعد الدمار -المصدر: البيان
قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل