في مجتمع ذكوري .. كيف تستطيع المرأة أن تتصالح مع الحياة؟

0
الأيام السورية؛ كفاح زعتري

توقف هطول المطر منذ قليل، وبدت خيوط الشمس الذهبية تملأ السماء مع إطلالة مشرقة لقوس قزح، من النادر مشاهدة قوس قزح هنا في ألمانيا، طالما كنت وأنا في حلب، أترقب ظهوره في الربيع، كان يشعرني بالفرح والتفاؤل.

هذه المرة شردت معه طويلاً حتى أني لم ألحظ اختفائه، رجعت بي الذاكرة اثنتي عشرة سنة، إلى هناك، حديقة كلية الآداب بجامعة حلب.

كنتُ خرجت تواً من الكلية مع صديقاتي، بعد أن توقف المطر، قوس قزح يلوّن السماء، وأزهار الربيع تجعل كل شيء أجمل ويدعو للفرح والتفاؤل.

لم لا؟ كنّ صبايا بعمر الورد، تدرسن في الجامعة وتتمتعن بإشراقة الصبا، وتحلمن بمستقبل واعد؛ عمل مهم بعد التخرج، عائلة بمشاركة شاب وسيم ومحب، أطفال.

رنّ جرس هاتفي، كان المتصل خطيبي، أراد أن يلفت نظري إلى وجوده على الرصيف المقابل، قال: اشتقت لك ورغبت برؤيتك. كعائلة محافظة وفقاً للعادات لا يسمح للخاطب بالزيارة، سوى مرة كل أسبوعين برفقة والدته؛ يقول بأسى: هذا غير كاف لمتيم بفتاته.

كل المقدمات كانت توحي بالثقة، لغة الخطاب، لباقة التصرف، الالتزام بالتقاليد الاجتماعية، إضافة لاسم العائلة ومركزها الاجتماعي والمالي؛ أعجبني وأحسست بالراحة والأمان بالحياة والمستقبل.

ها أنا أدرس في الجامعة وخطيبي شاب متفهم، ويشجع العلم والتعلم، أهله يبدون ودودين ومحبين، قدموا لابنهم كل ما يلزم من تكاليف وتجهيزات الزواج. كان يطرق سمعي أحاديث أمي وخالاتي بأن محبة الكنة من محبة الابن، باختصار كنت متفائلة.

وجود المطلقة ولو برفقة الأهل لا يغفر ذنبها، ثرثرة قذرة لا تنتهي، وطمع بالشابة من أشخاص يرون المرأة الوحيدة، سلعة رخيصة لرغباتهم الدنيئة.

يقال بالموروث الشعبي بحلب “بعد العرس ما في زردة”، المعنى المعروف أنه بإتمام الزواج يبدأ شكل آخر للعلاقة بين الزوجين تختلف عن تلك التي كانت في مرحلة الخطبة من دلال وهدايا.

لكن بوقتنا هذا أصبحت المتغيرات أشمل، لدرجة أحسست أني تزوجت رجلاً آخر غير الذي خُطبت له.

كان صعباً عليّ استيعاب ذلك التحول، بدأت بالتماس الأعذار حيناً، والعمل بنفس طويل على التغير بالتركيز على الجوانب الإيجابية والعاطفية، ووثقت بإرادتي وقوة تأثيري ومعرفتي “النظرية” من خلال دراستي.

قبل الخطبة كان موضوع متابعة الدراسة خطاً أحمر، وشرطاً للموافقة على الخطبة منذ البداية؛ بعد الزواج تتالت عليّ الالتزامات و”الواجبات الاجتماعية” لتستهلكني يوماً بعد يوم، كطريقة غير مباشرة لمنعي من الذهاب للجامعة وحتى الدراسة في البيت.

يجيب دون تردد على مواجهته بالتزامه، بأن عليّ التوفيق بين متطلبات الزوج والبيت والدراسة. بعد الحمل، أحسّ أني صرت ملك يمينه، ولم يبق من داع للتورية؛ صرح بصفاقة “لا داعٍ للتفكير بمتابعة الدراسة، طاعة الزوج من طاعة الرب، الطفل أهم دينياً ومن واجبات الأم التفرغ لتربية أولادها”.

كامرأة شرقية، مهما كان خذلانها، عليها المحافظة على بيتها وزوجها، هذا نصيبها، والرجل يتغير مع الوقت، “هي نصائح الأكبر سناً”. فرحت بابني، وتعهدت أمام نفسي أن أكرس عمري لرعايته.

الزوج يتغير فعلاً، لكن تجاه تحميل المرأة أعباء أثقل، وتنصّل أكثر من مسؤولياته بحجج واهية وبدون حجج، ونحو المزيد والمزيد من الضغوطات المادية والمعنوية، إلى حد حرماني من أبسط حقوقي كامرأة.

انكسر الحلم وغاب الفرح، ليحل محله حالة اختناق وكأنها متلازمة الزواج. لامرأة حديثة العهد بالزواج يعتبر من العيب مجرد التصريح بموضوع الطلاق، العبارة التي تكررها النساء “اصبري بصير، هاد حال كل الرجال، كلنا تحملنا وصبرنا.. ” إلى آخره من عبارات الاستسلام.

حملت بابنتي، فرحت جداً رغم اختلال العلاقة بيني وبين زوجي، أحب الأطفال، ابني يمنحني الفرح والحب والقوة والتمسك بالحياة.

كان عمر ابنتي سنة واحدة عندما بدأت تتعالى أصوات الحرية في بلدي، كانت لحظة المنى التي طال انتظارها، أحسست بتفجر طاقة غير معتادة داخلي، شعرت بالسعادة والشجاعة والقوة. بهذه اللحظة أيضاً، خذلني زوجي. بات حديثه استفزازياً وغير محتمل. ازدادت سلبيته وتنصل تماماً من مسؤولياته. وتفجرت كل دناءاته.

موقفه من المظاهرات والمتظاهرين كانت القشة التي قصمت ظهر البعير. فقدت قدرتي على الاحتمال والصبر، لا توجد قوة تجعلني أتحمل المزيد من القهر. لم أتحسر لأجله ولا للحظة، أسفت على سني عمري التي خسرتها معه.

تركت قصره المنيف، ومكثت في بيت أهلي الذي كان في منطقة طالها القصف بشكل كبير، سنة كاملة لم يبادر حتى بالسؤال عني أو عن أولاده، أو يرسل لهم ما يكفي احتياجاتهم، وليثبت المزيد من الكبر والعنجهية تزوج امرأة ثانية بعد أشهر قليلة.

كانت المرة الأولى التي يراود ذهني شريط الذكريات بدون توتر أو غضب، للمرة الأولى يترافق مع صورة فرح. يبدو أني تصالحت مع الحياة.

كنت بداية، أستغبي نفسي كيف خدعت به وصدّقته، بدا لي وكأنها نهاية العالم ولا يوجد ما هو أسوأ مما حصل.

مرت سنة شديدة القسوة بين مطرقة النظام وسندان داعش؛ تركنا خلفنا بيتنا وذكرياتنا وأرواحنا، ورحلنا إلى تركيا. عائلة من سبعة أشخاص وطفلين لامرأة عشرينية قدمت إلى تركيا دون زوج ودون مورد.

وجودها برفقة الأهل “لا يغفر ذنبها”، ثرثرة قذرة لا تنتهي، وطمع بالشابة من أشخاص يرون المرأة الوحيدة، سلعة رخيصة لرغباتهم الدنيئة.

كانت فترة إقامتي بتركيا فترة عصيبة، هربت من تضييق داعش لأغدو حبيسة مجتمع لم تثنه ظروف النزوح والتشرد والموت والدمار والجوع وكل الكوارث التي حلت بنا؛ لم تخرجه عن ذكوريته وعن تطرفه بنظرته للمرأة.

كنت أسمع وأرى الملامة في عيون القريب قبل الغريب والنساء قبل الرجال، كوني قررت الانفصال عن زوجي، كوني رفضت قصراً كنت فيه جارية. لم أستطع تقبل الأمر الواقع. وكان عليّ باستمرار أن أثبت أني مسؤولة وأتحمل مسؤولية نفسي وقراري وأطفالي. التحدي مزدوج، الزوج، العائلة، المجتمع، الظرف شديد التعقيد.

أسعدني جداً قرار أهلي بالسفر إلى أوربا. أتوق إلى تنفس الحرية، وودت جداً حمل طفليّ والهرب بهم إلى عالم أنقى، لا يعامل المرأة بدونية ولا يوجه إهاناته لها لكونها امرأة أولاً ولأنها ليست تحت مظلة رجل ثانياً. سوف يتاح لطفليّ الذهاب إلى المدرسة، سيتمكنان من اللعب كسائر الأطفال، وسأمتع عينيّ برؤيتهم يكبران، دون خوف من كل شيء.

ثلاث سنوات في ألمانيا، أشعر براحة وهدوء وأمان، أولادي في المدرسة دون تمييز أو تضييق، مستقلة مادياً، أعمل في بيتي كوني أم وحيدة مع طفلين بحاجة للرعاية، عملي يلقى احتراماً وتشجيعاً، لدي فرصة متابعة التعلم.

أستعرض أيامي بغربتي القسرية، التزامات كثيرة مترتبة عليّ من مراجعات إدارية وتعلم اللغة والعمل، متابعة الأولاد. تحدي نفسي وتحدي كل من أساء لي بسبب اختياري حريتي، يعطيني الدافع والقوة، أعطي أولادي الحنان والقوة والثقة وآخذ منهم بشكل أكبر.

الإنسان لا يحافظ على نفس الوتيرة من الطاقة والقوة، تمر لحظات انهيار، لكن تنتهي بقرار مع بداية يوم جديد.

طريقي اخترته عن قناعة ومستمرة به للنهاية.

“ماما! عبودة رمى علي الطابة ونزعلي رسمتي”.

“والله ماما ما قصدي بالغلط”.

حضنت صغيريَّ بحنان.

كانت المرة الأولى التي يراود ذهني شريط الذكريات بدون توتر أو غضب، للمرة الأولى يترافق مع صورة فرح. يبدو أني تصالحت مع الحياة.

قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!