التحديث والتطوير في مجال التسخير

0
بقلم؛ خالد نعمة

ومن جملة ما لفت نظري في كتاب (الحركة الشيوعية السورية – الصعود والهبوط) للمؤلـِّـف الدكتور (عبد الله حنا)، تكريسه فصلاً قد يبدو للوهلة الأولى خارجاً عن المضمون، الذي يوحي به عنوان كتابه، فقد أعطى للفصل العنوان التالي: (من السخرة الإقطاعية إلى السخرة البيروقراطية – إنـَّـها العبودية المقنـَّـعة بخدمة الوطن)، وقد سأل في متن الفصل المذكور السؤالين الهامين الآتيين: (هل زالت السخرة بعد القضاء على النظام الإقطاعي السائد في سوريا حتى صدور قانون الإصلاح الزراعي عام 1958؟ وهل ظهرت أنواع جديدة من السخرة مع حلول الفئات البيروقراطية والطفيلية مكان كبار الملاك السابقين على دفة الحكم)؟

وبعد بحثٍ وتقصٍّ، كانت الإجابة التالية:

مع تكوّن أجهزة حكم بيروقراطية مستغـِّـلة نتيجة الإصلاح الزراعي وتأميم الرأسمال الكبير والمتوسط في ستينيات القرن العشرين، ظهرت برجوازية بيروقراطية، اغتنت بالتعاون مع البرجوازية الطفيلية من خلال نهب القطاع العام خاصة والمال العام عامة، واستغلال فئات عديدة من الشعب، تسعى لتسيير مصالحها في أجهزة الدولة عن طريق الرشوة في ظل غياب القانون.

وقد ترسـَّـخت أقدام هذه الفئات في الربع الأخير من القرن العشرين. وبالتدريج، أخذت هذه البرجوازية الجديدة، وتحديداً الفئات البيروقراطية منها وخاصة جناحها العسكري، في ممارسة أنواع جديدة من السخرة، تشبه السخرة الإقطاعية من حيث المضمون، أي باستثمار الآخرين، وتختلف عنها في الإخراج من حيث الأساليب والشكل.

مع تكوّن أجهزة حكم بيروقراطية مستغـِّـلة نتيجة الإصلاح الزراعي وتأميم الرأسمال الكبير والمتوسط في ستينيات القرن العشرين، ظهرت برجوازية بيروقراطية، اغتنت بالتعاون مع البرجوازية الطفيلية

فعندما يعتزم البيروقراطي بناء بيت جديد، أو ترميم بيت قديم اشتراه بقصد السكن أو التجارة، فـإنـَّـه يستعين بـالشباب ممن يخدمون العلم للقيام بهذا العمل مجـَّـاناً، دون أن ينفق قرشاً واحداً. فهو يبحث، غالباً على الهاتف، عن هؤلاء الشباب الحرفيين المختصين بما يعرف بكساء البيت مثل: الحدَّاد، النجـَّـار، الطيـَّـان، المبلـَّـط، الكهربجي، الدهـَّـان وغيرهم، ممن يـُـقـَـدَّمون له كهدية لكساء بيته، وأحياناً بيوت أقاربه أو أصدقائه، إذا كان من ذوي السطوة والنفوذ.

ويشتغل هؤلاء الشباب القادمون لخدمة العلم في عملية السخرة هذه دون تذمـُّـر، لإنـَّـهم في فترة خدمة العلم، التي يسمـُّـونها إجبارية، والتي تستمر سنتين أو أكثر براتب لا يكاد يسد الرمق، ينظرون إلى هذا العمل على أنـَّـه استمرار للخدمة العسكرية، ويحققون من ورائه مكاسب شخصية لهم، إذ عندما يعملون في بيت البيروقراطي، الذي يطلقون عليه اسم المعلـِّـم، أو عند صديق معلـِّـمهم، أو معلـِّـم معلـِّـمهم، تنفتح أمامهم الأبواب للتهرُّب من الخدمة العسكرية الصارمة والحصول على وقت حر، يعملون به ما يريدون دون حسيب أو رقيب، فإذا عمل طيـَّـان مثلاً في إتمام بناء أحد بيوت المعلـِّـم مدة ثلاثة أسابيع، فإنـَّـه يهرب مقابلها ثلاثة أسابيع، ليعمل بها إمـَّـا مع أهله أو بأجر في بيت آخر. وهو في هذه الحالة لا يشعر أنه مسخـَّـر لدى المعلـِّـم، لأنـَّـه كسب وقتاً لصالحه الخاص، في الوقت الذي يكون زملاؤه يؤدُّون المهمات المطلوبة منهم، بينما هو حر طليق.

إذن، فالمسألة فيها عود على بدءٍ، ولربـَّـما انبغى على أولادنا وأولادهم من بعدهم أن يناضلوا بشدَّةٍ أيضاً ضد تلك الظواهر الاستغلالية، التي سادت منذ عقود طويلة بعد أن طوَّرت ذاتها، وارتدت شكلها المستحدث المناسب للفئات المستغلـَّـة الجديدة، التي تغلغلت أذرعها الأخطبوطية في عمق النسيج الاجتماعي السوري، وشوَّهته.

مصدر فيسبوك
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!