الحب اختراع أنثوي

الأيام السورية؛ علي الأعرج

هل يمكن لنا أن نفصح عن مكنون الفكرة التي تبدو للوهلة الأولى نوعاً من التصوّر الساذج، بأن الحب هو اختراع أنثوي!. في حقيقة الأمر، شخصياً لا أملك أي إثبات عقلي أو علمي لهذا التصوّر، إنه ليس سوى انطباعات اجتماعية، وأدبية تاريخية، وبالتالي إمكانية رفض هذا التصوّر أو تخطيئه جائزة بنسبة كبيرة. لكن لشرح هذه الانطباعات لا بد من السرد في بعض أشكال هذا التصور.

بداية، يمكن القول؛ بأن الحب هو عبارة عن مفهوم مجرد يتم تحميله الفعل المادي عبر تطور الحياة، إنه الشكل الفلسفي للجنس. يتمثّل الحب دائماً في نهايته بالفعل الجنسي، إن كان للاستمرار التناسلي أو للفعل الممتع دون أي معنى مبتكر، الفعل القائم بذاته ولذاته. فلا وجود لحب دون تتويج جنسي له.

لكن متى أصبح الحب هو الصورة المثالية للجنس؟. قد يبدو الأمر أنه نشأ مع بداية وعي الإنسان اتجاه العالم، لكن لا وجود لتاريخ واضح في ظهوره لأول مرة. فالجميع يعرف بأن الجنس هو أقدم من الحب، بل أن الجنس هو صورة الطبيعة، بينما الحب هو صورة الفلسفة الجنسية. أي أنّ ظهور الحب يحتاج مستوى من الوعي البشري لم يكن ليتوفّر في التاريخ القديم.

منذ 3300 عام، تم إخبارنا بالحدث الأسطوري الذي ما زال إلى اليوم يتردد، وهو حرب طروادة، وهي تقريباً أقدم ملحمة أدبية تجسّد الوعي الإنساني المتطور اتجاه مفاهيم العالم القديم. في الفصل الثالث من الملحمة يخبرنا هوميروس عن الخلاف الذي جرى لشن هذه الحرب، ودعوة هيكتور لحقن الدماء من خلال مبارزة فردية بين أخيه باريس الذي خطف هيلين، وبين مينلاوس زوج هيلين. وبأن المنتصر بينهما يحظى بهيلين، ويرحل وتعود الصداقة بمباركة زيوس بين المجتمعين.

في هذا الموقف؛ نستطيع أن نرى الجانب المميز لمفهوم الجنس، وعدم وجود الحب بمعناه المجرد، من ناحيتين.

خيانة الجنس بالنسبة للمرأة نوع من زلات شبقية قد تصدمها وتجعلها أكثر حساسية، لكنها تستطيع أن تمتلك قابلية المسامحة، لكن شعورها بأن الرجل قد أحبّ امرأة أخرى عليها، فتلك هي النهاية بالنسبة لإحساسها بالوجود

الأولى، عندما يُصيب مينلاوس درع باريس ويجرحه، تأتي الآلهة لإنقاذ باريس وحمله من ساحة المعركة، ووضعه في فراش الزوجية، فيعبّر باريس عن تلك الرغبة العميقة بالشبق اتجاه هيلين، ويمارس معها الحب. في هذه الصورة، هناك رؤية مجازية للحب الجامع بين هيلين وباريس، لكنه في الواقع إحساس جنسي للمتعة. فبينما مجتمع طروادة يدفع ضريبة حرب لتهوّر شاب يافع لرغباته الجنسية، كان باريس يغرق في لذة الممارسة. لم يكن الرابط بين هيلين وباريس هو رابط مفهوماتي للحب، باعتبار أن مفهوم الحب المجرد يحمل مقومات الفعل المسؤول لصاحب الفعل، مجتمع طروادة ينهار تحت غضب الآخيين بينما باريس يستمتع بجمال هيلين. مفهوم الحب غير مختمر في مجتمع اليونان، هناك انفتاح عقلي للجنس وليس للحب. هذا التعبير الأدبي الذي قدمه هوميروس، يضعنا فعلياً أن المجتمع البشري منذ 3000 عام لم يكن ليمتلك رؤية خاصة اتجاه المفهوم المجرد للحب.

في ناحية أخرى من نفس النص، نستطيع أن نفهم شخصية مينلاوس، الزوج المخدوع، الذي أراد استعادة هيلين، والذي علاقته معها تقوم أصلاً على المعنى الجسدي، فهو لم يكن ليهتم بعشقها لغيره، بل بممارستها الجنسية مع من هو أضعف منه فيزيولوجياً. مشكلة مينلاوس هو عدم قدرته على غفران خطيئتها الجنسية. استبدال الرجل الموصوف بالكبش كتعبير عن قوة جسدية وجنسية، استبدالها له مع شخص كباريس ضئيل الحجم وناعم الملمس. ورغبة الاستعادة هي لترقيع صورة الجنس المهترئة في عيون المجتمع اليوناني اتجاه مينلاوس.

وربما ما يبيح النظرة الساقطة تلك اتجاه المرأة كفعل جسدي جنسي، هو تصوير أغمامنون لزوجته سيدة المجتمع بتوصيفها أنها على ذات المستوى مع جاريته التي أخذها سبية من طروادة. المرأة التي لا تصلح إلا للجنس والعمل. مفهوم الحب في ذلك العصر هو أحادي الجانب مرتبط بفعل الجنس لدى الذكر.

منذ ثلاثين قرناً، كانت هذه الصورة السائدة للحب، إنها بالمعنى الدقيق الصورة المينلاوسية التي ما زالت لليوم حاضرة ليس في المجتمعات المتخلّفة فقط، بل حتى في مجتمعات متقدّمة.

إن تمعنّا جيداً في الانطباعات الاجتماعية كأشكال عامة، يمكن أن نختصر (دون توثيق أو إثبات علمي) صورة متعارضة للجنس والحب، (مع وجود استثناءات كثيرة بالطبع)، أنّ الرجل يمتلك قابلية المسامحة والصفح عن خيانة الحب، لكنه لا يمتلك قابلية الصفح عن خيانة الجنس.

أي أن الرجل ربما يشعر بالانزعاج والتعب إن شعر بأن امرأة ما أحبت غيره، لكنه لن يكترث كثيراً، وقد يعيش فيما بعد بشكل طبيعي، لكن في إحساسه بخيانة الجنس فالمسألة تدميرية، إنها بالضبط الصورة المينلاوسية. على الجانب الآخر، يمكن تلمُس انطباعات معاكسة لدى المرأة، فالمرأة يمكن أن تغفر للرجل خيانة جنسية، لكنها لا يمكن لها غفران خيانة الحب.

المرأة في العصر الحالي دخلت مجالات الحياة جميعها، السياسة والاقتصاد والدين والعلوم والفنون والآداب.. الخ. لكنه فعلياً دخول متأخر في تاريخ البشرية

خيانة الجنس بالنسبة لها نوع من زلات شبقية قد تصدمها وتجعلها أكثر حساسية وتعب في العلاقة، لكنها تستطيع أن تمتلك قابلية المسامحة، لكن شعورها بأن الرجل قد أحبّ امرأة أخرى عليها، فتلك هي النهاية بالنسبة لإحساسها بالوجود. لأن منظومتها المعرفية التي اخترعتها (الحب) تبدأ بأن تتهدد أمام سيطرة الذكر المعرفية على باقي مناحي الحياة، لم تعد تملك العنصر الأساسي لقوتها، التي تنافس بها المجتمع الذكوري.

قلنا إنّ هذه الانطباعات لا دليل عليها، لكن إمكانية حضورها يوصلنا إلى اكتشاف أن الحب فعلياً هو اختراع أنثوي ضد السيطرة المعرفية للذكر. اختراع من خلاله يمكن أن يكون لحضورها التاريخي والواقعي مكان خاص ومنافس ومسيطر أيضاً.

لنكن واقعيين، المرأة في العصر الحالي دخلت مجالات الحياة جميعها، السياسة والاقتصاد والدين والعلوم والفنون والآداب.. الخ. لكنه فعلياً دخول متأخر في تاريخ البشرية، يمكن أن نقول؛ إنه حصل آخر ثلاثمائة عام، ومع ذلك حتى الآن في جزء كبير منه ما زال دخول غير مكتمل، ما زالت السيطرة المعرفية رغم كل التطور هي سيطرة ذكورية.

في التاريخ القديم عبر العصور كان للمرأة حضور لكنه فردي بشكل مطلق، ويمكن حصرها بعدد معين. هذا الإحساس النسائي بالتهميش التاريخي، افترض على ذهن المرأة اختراع شيء يُضاهي سيطرة الذكر المعرفية، فكان الحب، واليوم أصبح الحب هو التتويج الفلسفي للجنس لدى المرأة، لكن ليس لدى الذكر.

إلى اليوم نسب كبيرة من الذكور لا يهتمون كثيراً بالمعنى العميق لمشاعر الحب مقارنة بالجنس، ما زالت الرؤية التاريخية لسيطرتهم المعرفية في أصقاع أخرى من الحياة حاضرة، إنهم يشعرون بإمكانية امتلاكهم العقلي لأي شيء وممارسة تلك الأشياء بأريحية، بينما الحب هو المنجز الأنثوي النفسي الذي أصبح يضاهي كل مجالات العقل الأخرى، وربما أصبح المسيطر على المعرفية الذكورية. يمكن اختزال المسألة على نحو بسيط، اختراع الحب هو العنصر التنافسي للسيطرة المعرفية.

في النهاية كل ما قيل؛ هو عبارة عن افتراض انطباعي يمكن أن يكون حقيقي أو خاطئ، لكن الحقيقة الوحيدة المؤكدة أن الحب بمفهومه المجرد طوّر الرؤية البشرية في السعي المطلق لإنشاء منظومة الخير.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل