قراءة وحوار في كتاب: عطب الذّات (القسم الثالث)

وقائع ثورة لم تكتمل.

تأليف: د. برهان غليون.

قراءة: أحمد العربي

إصدار: الشبكة العربية للأبحاث والنشر.

ط ١. ورقية . ٢٠١٩م

الثورة والمعارضة: إفلاس النخبة السياسية.

في هذا الفصل يتحدث د. برهان وبكثير من الشفافية عن البنية الداخلية للمجلس الوطني الذي بُني وكان أول رئيس له، التكتلات والصراعات والمواقف، وكأنه يقدم شهادة للتاريخ. بعد سبعة أشهر على حراك الثورة السورية تأكد حصول شقاق بيني ممن أعلن انتماءه للثورة السورية؛ صراع علماني إسلامي، كان طاغيا على الصراع مع النظام، تم طمس حقيقة التوحد الوطني الديمقراطي لكل مكونات الشعب السوري وقواه السياسية بغض النظر عن خلفياتها العقائدية في مواجهة النظام المستبد المجرم، لصالح صراعات بينية طاغية، بين الإسلاميين والعلمانيين، وداخل معسكر العلمانيين أنفسهم وكذلك داخل الإسلاميين، كانت تغلب على حقيقة الصراع المصالح الخاصة الذاتية والفردية والفئوية. اختلفوا حول سلمية الثورة وتسليحها، لم يبحثوا في الشروط الموضوعية، اعتمدوا الصراع البيني الذي سيضرب العمل المشترك لمصلحة الثورة السورية.

إعلان دمشق ودورة في المجلس الوطني السوري.

استطرادا من د. برهان في تنوير وتعرية مواقف كل الأطراف في المجلس الوطني السوري حديث التشكيل، والذي اعتمد في تشكيله على نسب عددية لمكوناته ومنها إعلان دمشق الذي سيكون استمرارا لتكتله السابق ما قبل الثورة وهيمنة حزب الشعب (المكتب السياسي سابقا) عليه، وتفرد رياض الترك بشخصيته وفرادته وإلزامية مواقفه على كل كوادره، لقد استمر بالتواجد في الداخل السوري، كان يبعث قراراته ومواقفه إلى ممثل إعلان دمشق في المجلس الوطني، وكأنه مجرد رسول وليس شريك له حق اتخاذ المواقف وتطويرها وتعديلها حسب مقتضيات الحال، كان محكوما بتعبير: (هكذا قررت القيادة). هذا من الجانب الإجرائي.

أما من الجانب العملي فقد أظهر ممثل إعلان دمشق تذمره من وجود د. برهان في قيادة المجلس، لاعتبار أنه أكاديمي وليس سياسي، ولأنه لم يكتو بنار الاعتقال السياسي الذي عاشته أغلب كوادر الإعلان ولسنوات طويلة. وعندما ناقشوا فترة الرئاسة للمجلس الوطني كان موقفهم متشنجا عند فترة شهر تتغير دوريا، وهذا مستحيل واقعيا، كيف يستطيع أي رئيس مجلس أن يقوم بدوره بعلاقات دولية وإقليمية في فترة شهر واحد؟. والأسوأ عندما تم السؤال عن المبرر في قصر المدة؛ أن الجواب كان بأن أيام النظام السوري معدودة، وسيسقط لذلك حقهم وحق الآخرين أن يصلوا لهذا المنصب، ويمارسوا قيادتهم للمجلس.

لم يكن للثورة والشعب أي اعتبار في ردهم، لم يفكروا بالفاعلية والاستمرارية وخلق قنوات التواصل الإقليمية والدولية وتفعيلها، وهذا يعتمد أولا على الشخصية المتفاعلة واستمراريتها لوقت يسمح بخلق الفعالية واستمراريتها. لكل ذلك كان دور جماعة إعلان دمشق معطل ومثبط لد. برهان خاصة إنّ جماعة الإعلان هم الأقرب فكرياً وسياسياً ل د. برهان، لكن المصالح الخاصة والفردية والفئوية كانت الحاكمة في سلوكهم، وهذا أكثر ما جرح د. برهان .

الإخوان المسلمون ودورهم في المجلس الوطني السوري.  

ينتقل د. برهان للتحدث عن وجود ودور الإخوان المسلمون في المجلس الوطني. كان للإخوان المسلمين سمات عامة أصبحت تميزهم: فهم حاضرون بكثافة في كل مناشط الثورة، يعملون وفق أجندتهم الخاصة غير المعلنة، يعيشون عقد الإقصاء والاضطهاد التي مورست عليهم تاريخيا، يتميزون ببنية تنظيمية راسخة وقوية وعملية، يتفاعلون مع كل معطى أمامهم، يتصرفون للاستحواذ على كل شيء.

اكتشف د. برهان أنّ هناك اجتماع ل٧٠ شخصية في إحدى القاعات على رأسهم كمال اللبواني وفواز تللو والبني، اجتمعوا على الإساءة له

كانوا قد طوروا موقفهم العقائدي من الواقع السوري، بحيث أعلنوا في مشروعهم الحضاري بعد ٢٠٠٥م و٢٠٠٧م، عن قبولهم الخيار الوطني الديمقراطي المدني لسوريا، لكن سلوكهم بقي فئوي ويعيشون حالة ارتياب دائم من الآخرين، عذرهم أنهم ضحية هجمة شرسة من بعض العلمانيين السوريين، كما أنّ الهوى الدولي يومئ لهم بصفتهم الحالة السياسية المولدة لكوادر الإرهاب (الإسلامي) مثل القاعدة، وداعش، والنصرة، لاحقا. كانوا متحالفين مع إعلان دمشق في المجلس الوطني كاستمرار تحالفهم منذ الثمانينات أيام تحالف رياض الترك مع الأخوان وآخرين تحت المظلة العراقية وجبهة تحرير سوريا.

كانت لهم أجندة موازية يعملون عليها أيام إعلان المجلس الوطني، حيث جمعوا عددا من الناشطين تحت مظلتهم في قاعة أخرى في الفندق الذي حصل به مؤتمر المجلس الوطني وفرضوا على المجلس أن يتقدم بتوسعة لشخصيات إخوانية رديفة له، أو شخصيات تسترت بهم والتحقت بالمجلس مثل رندة قسيس، كان هدف الإخوان أن يحصلوا على أكبر حضور في المجلس الوطني.

وغير ذلك عملوا لتشكيل هيئة حماية المدنيين لعمل موازٍ لنشاط المجلس الوطني، يقوم بأعمال إغاثية ودعم للشعب السوري على حساب المجلس الوطني وتجاوزا له، بحيث ظهر المجلس وكأنه دون فاعلية ولا دور إيجابي له، وهذا ساعد في ضرب مصداقيته. وحصل نفس الشيء في العمل العسكري للكتائب التي بدأت تتشكل حديثا، حيث قدّم الأخوان لها الدعم، وهذا انتهى عند هذه المجموعات إلى تغييب الأجندة الوطنية الديمقراطية لصالح أجندة دينية إسلامية، ستنتهي عند البعض لمواقف طائفية، وعند آخرين ليكونوا رصيدا للجماعات التي صُنّفت إرهابية، وعملت فعلا ضد الشعب السوري وثورته، مثل داعش والنصرة على تغيير مسمياتها.

كل ذلك جعل الإخوان يعملون مع المجلس الوطني كأمر واقع وبسلبية، لهم أجندتهم الخاصة لا يعرفون التحالفات ولا التوافقات ولا العمل المشترك، يستخدمون أي علاقة أو مجموعة كمركب لهدفهم الخاص، وسرعان ما يتخلون عنه عندما يجدون ذلك من مصلحتهم. لذلك كانوا في المجلس الوطني عبئا وليسوا رافعة وطنية إيجابية.

مجموعة العمل الوطني ودورها في المجلس الوطني السوري.

يتحدث د. برهان عن مجموعة العمل الوطني أو (مجموعة ٧٤)؛ هم مجموعة ذات خلفية إسلامية، بعضهم إخوان مسلمين سابقين، لا يعرف إن كانوا مستقلين فعلا أو إحدى تشكيلات الإخوان المعتمدة ليوسعوا حضورهم في المجلس، وبالتالي مكتسباتهم، من رموزهم أحمد رمضان، وعماد الدين رشيد، يتعاملوا مع المجلس الوطني الجديد وكأنه ملكيتهم الخاصة، لأنهم هم من سعى سابقا لتكوين المجلس الوطني المؤقت الذي تم تجاوزه، كان همهم المباشر مصالحهم الخاصة كأفراد وكمجموعة، متجاوزين مصلحة المجلس ومصلحة الثورة السورية والشعب، لم يقوموا بالأدوار المنوطة بهم، أحمد رمضان كان المسؤول الإعلامي للمجلس ولم يقم بالدور المطلوب منه، وكذلك بعضهم الآخر المسؤولين عن التواصل الدولي، كان هناك إهمال متعمد يضر قطعا في مصلحة الثورة والشعب السوري، تحكمهم عقلية المحاصصة والمنافسة والمكاسب الذاتية، أغلب رموزهم يتصرفون أن الثورة السورية كعكة مصالح يعمل الكل ليجعل حصته منها أكبر ما يكون.

ينهي د. برهان التحدث عن الإخوان المسلمين وإعلان دمشق ومجموعة العمل الوطني، بأن أدوارهم تناغمت لتفشيل المجلس الوطني عموما، وإدارة د.برهان ولكل أسبابه الخاصة. يعملون لتحقيق مصالحهم الذاتية على حساب كل شيء بدءاً بالمجلس الوطني نفسه، وانتهاء بالثورة والشعب السوري.

الجيش الحر والمجلس الوطني السوري.

تحدث د. برهان بمرارة عن علاقة المجلس الوطني مع الضباط المنشقين، منهم العقيد مصطفى الأسعد الذي كان سباقا للانشقاق، والذي تواصل معه د.  برهان. كان الأسعد قد أعلن نفسه الأب الشرعي للجيش الحر، عاش إحساسا بملكية الجيش الحر، وهو مصدر الشرعية، رفض أي شكل من أشكال التفاهم مع المجلس الوطني، ومحاولة الانتقال إلى عمل منظم ومهيكل ومضبوط وفق قواعد عسكرية، ليتمكن المجلس من جعله عنوانا للعلاقة مع الأطراف الإقليمية والدولية المساعدة للثورة السورية، كان تصرف الأسعد مصلحيا فرديا متعاليا. وسرعان ما تفاقمت المشكلة عندما التحق العميد مصطفى الشيخ في الضباط المنشقين، وله الأقدمية العسكرية على الأسعد، واختلفوا حول من يقود الجيش الحر، كان مصطفى الأسعد قد طلب من د. برهان بصفته رئيس المجلس أن يعطيه رتبة لواء ليكون قائدا لا ينازعه أحد في الجيش الحر، لم يستجب د. برهان لذلك لعدم صحة الحالة، ولأنها ملكية للثوار والثورة.

اصطدم العميد الشيخ مع العقيد الأسعد على الشرعية والمشروعية، بحيث تورط المجلس الوطني بالعمل لحل الخلافات، مما أضرّ بالثورة ومحاولة بناء بعض القوى العسكرية التابعة للمجلس الوطني، وترك الموضوع لمجموعات مدنية تكوّن قوى مسلحة بدعم فردي أو من دول، وتصبح محكومة بأجندة تلك الدول، أو تتكون مجموعات إسلامية ذات أجندات غير وطنية، ستؤدي على المدى المستقبلي إلى التشتت والضعف والانحراف في العمل العسكري للثورة السورية.

كل ذلك كان سببا في مزيد من ضياع الاستقلالية في التوجه العسكري لقوى الثورة السورية. إضافةً لغياب توحدها وغياب الأجندة الوطنية عنها، كان حسابها الختامي ضررا على الثورة والشعب السوري.

خيبة الأمل بالمثقفين.

يتحدث د. برهان عن جبهة المثقفين السوريين الذين يعول عليهم كثيرا كرديف لمناشط الثوار في كل الميادين. كان إدراك د. برهان الموت السياسي، والاجتماعي السوري في فترة الأسد الأب والابن، قد جعلت وجود وحضور الكوادر السياسية والمثقفة الواعية قليلا، لذلك كان رهانه على ما أفرزته مرحلة الحراك في ربيع دمشق في بدايات حكم بشار الأسد، هؤلاء الناشطون الذين اعتقل بعضهم واستمر الأغلب منتميا إلى الخيار الوطني الديمقراطي.

اصطدم د. غليون أنّ أغلب هؤلاء السياسيين والمثقفين محكومون بعقدهم السابقة الناتجة عن سجنهم وعدم تواصلهم وتفاعلهم وغياب ثقافة الحوار والتفاهم وخلق توافقات عملية مرحلية

اصطدم د. برهان أنّ أغلب هؤلاء السياسيين والمثقفين محكومون بعقدهم السابقة الناتجة عن سجنهم وعدم تواصلهم وتفاعلهم وغياب ثقافة الحوار والتفاهم وخلق توافقات عملية مرحلية في حركية سياسية كانت منعدمة إطلاقا. كان ينتظر أن يكونوا الفاعلين مع المجلس الوطني وأجندته الوطنية الديمقراطية المنتصرة للثورة والشعب السوري؛ لكنهم لم يحضروا إلا ما ندر.

كانوا قد تورطوا وأغلبهم علمانيين في الصراع العقائدي مع الإسلاميين بدل أن يوجهوا طاقتهم لدعم ثورة الشعب وأجندته في مواجهة النظام وإسقاطه، كما أن أغلبهم اعتبر أن المجلس الوطني قد استحوذ عليه الإسلاميون، فقرروا الالتحاق بهيئة التنسيق الوطنية، بما يعنيه من موقف رمادي سياسيا ومتذبذب حيال الشعب والثورة واتجاه النظام. كما أنّ أغلب المثقفين أخذوا موقف المتفرج السلبي من تداعيات الثورة والعمل مع المجلس الوطني.

تارة يتهمونه أنه يستدعي التدخل الخارجي، وتارة بأنه يجب أن نتفاهم مع النظام رغم كل أفعاله بحق الشعب السوري، أو تشويه المجلس وأنه موقع للسرقة والنهب وبيع القضية السورية. تحول أغلب المثقفين لقوى ضاربة ضد المجلس دوليا وإقليميا وبكل الوسائل الممكنة. اقتنع أغلب الإيجابيين منهم أنهم عاجزون عن فعل أي شيء، لقد أقنعوا أنفسهم أنّ المجلس الوطني محتل من الإسلاميين ولا أمل، وآثروا السلبية.

وتورط الأغلب في شن حرب على المجلس وعلى الدول التي اعتبرت داعمة له خاصة تركيا، وقطر. كما اعتمد البعض حملة تشهير بالمجلس ورئيسه بالذات د. برهان. مع ذلك كان لالتحاق البعض منهم بالمجلس دور إيجابي مثل هيثم المالح وغيره.

يتحدث د. برهان واقع حال المجلس الوطني وما وصل إليه من طريق مسدود، فبعد ثلاثة أشهر انقطع تواصل د. برهان مع مكونات المجلس، قرر كمخرج أن يدعو للجمعية العامة للمجلس، تحدث مع المنصف المرزوقي رئيس تونس المؤقت بعد ثورتها. وحصل المؤتمر في تونس طرحت فكرة تمديد فترة الرئيس إلى سنة، واختلفوا، حصل التصويت ووافق الأغلب رغم اختلافهم صراخا وضربا بالأيدي والكراسي، أعيد التصويت على ستة أشهر، وافق الأغلب ولكن اختلفوا بالأيدي والكراسي.

كان ذلك صادما ل د. برهان فقرر إلغاء التصويتين. ومع ذلك اكتشف د. برهان أنّ هناك اجتماع ل٧٠ شخصية في إحدى القاعات على رأسهم كمال اللبواني وفواز تللو والبني، اجتمعوا على الإساءة بال د. برهان وكان ذلك مؤلما له. أين هم وأين المجلس وما درجة الارتباط بين هذه الكوادر والشعب المستباح من النظام في سوريا كلها.

كان إحساسه بخيانة الكل للدم السوري قويا وقاسيا.

الشرعية العربية والدولية للثورة السورية.

عمل د. برهان في ذات الفترة على ضرورة تفعيل الحضور العربي والدولي للثورة السورية، التقى رئيس الجامعة العربية بصفته رئيس المجلس الوطني، طالبهم بتوحيد المعارضة السياسية للنظام، لأنه سيكون مقدمة للحصول على مقعد سوريا في الجامعة العربية، وكان هذا مقدمة للاعتراف الدولي. بعث د برهان بعض الكوادر من المجلس الوطني المتواجد في إسطنبول إلى القاهرة التي كانت مركزا لهيئة التنسيق الوطنية، حصلت الاجتماعات وطالت لمدة شهرين تمخضت عن رسالة توافق سياسي قدمت للجامعة العربية.

لكن تقديمها اقترن مع خروج شخصين بموقفين مختلفين أساءا للاتفاق وحقيقته. خرج أحمد رمضان وهو ممثلٌ للمجلس الوطني، وكان مشاركا في إعداد الاتفاق، مع ذلك يندد به ويعتبره تراجعا عن ثوابت المجلس الوطني. كما خرج هيثم مناع ليؤكد على أن الاتفاق تاريخي بين المجلس والهيئة، وبالحالتين إساءة للاتفاق وحقيقته، وأنه مجرد ورقة تفاهم أعدت للجامعة العربية. خرج د. برهان للإعلام ووضح الأمر وتم تجاوز الالتباس، بعد ذلك تم الإعداد لمؤتمر القاهرة لقوى المعارضة والثورة السورية في تموز ٢٠١٢م، حصل المؤتمر وأكد على ذات المواقف والإشكالات والاختلافات، لم يستطع للأسف صناعة الهيئة الواحدة للثورة السورية سياسيا وعسكريا. هذا يعني أنّ حالة الثورة السورية ومن يمثلها يدخل المجهول والتشتت والضياع أكثر، والأيام القادمة أكثر سوءا.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل