الموال

أشكال الأغنية الشعبية في سوريا /2/

الأيام السورية؛ سلام محمد

يرى شوقي ضيف في كتابه” الفن ومذاهبه”؛ أن الموال محرّف من الموليا، كما يشير ابن خلدون في مقدمته إلى نوع من الشعر تغنّيه العامة يسمى “الموليات”.

وأول ظهور له كان في “واسط” بالعراق، وإلى الآن، يسمّى الموال السبعاوي منه بالبغدادي أو الشرقاوي؛ أي الذي وفد إلى بلاد الشام من الشرق.

والموال من القوالب الغنائية التقليدية، ويعتبر من الفنون الملحونة التي انحرفت عن الفنون القولية، ويعيش الموال ويزدهر على ألسنة الناس المتفكهين والظرفاء، وعلى ألسنة الشعراء الذين ينظمون الشعر الفصيح.

والموال فن غنائي شعبي قديم، بل هو أقدم أشكال الغناء على الإطلاق، وقد حفظت المصنفات الأدبية القديمة نماذج مميزة، مثل:

أنتم أساس بلائي في الهوى أنتم

آذيتم الجسم من بعد النوى أنتم

ما لي طبيب يداويني سوى أنتم

بالله.. هذا الجفا ممن تعلمتم؟

وشاع الموال في أغلب البلاد العربية، فهو لون من الأدب الشعبي، يظهر قدرات المغني ومساحته الصوتية، وإمكان التطريب، والقدرة على الابتكار.

ويؤدى الموال عادة إما بطريقة السرد الإلقائي Parlando   أو بطريقة السرد الغنائي Recitative وكلاهما يؤدى منفردا، ويعتمد على الارتجال والبراعة في استعراض الانتقالات اللحنية.

والموال يبدأ عادة بعبارة “يا ليل يا عين” لتحضير جو التآلف والتعايش مع المستمعين، والانسجام مع الطابع المقامي الذي سيغني منه المطرب.

ومن الناحية الشعرية، فالموال غناء بالعامية يستخدم اللغة الدارجة الواردة على ألسنة العامة بما في ذلك اصطلاحاتها وأمثالها وحكمها.

وهو غناء فردي حر، لا يتقيد بأزمنة أو إيقاعات، وإن بدأ المطرب غناءه بمقام موسيقي، فإنه قد يتفنن في التنقل إلى مقامات أخرى، بطريقة تمكنه من العودة إلى المقام الذي بدا به، وبما أن الأصل في الموال، هو الارتجال النغمي فإن الموال قد يغنى من مقامات مختلفة، ولا يشترط غناؤه من نفس المقام كل مرة.

الموال فن غنائي شعبي قديم، بل هو أقدم أشكال الغناء على الإطلاق، وقد حفظت المصنفات الأدبية القديمة نماذج مميزة

وينظم الموال عل أشكال مختلفة من حيث

عدد الأبيات والشطرات من مثل:

المفـــرد: ثلاثي، خماسي، سباعي أي 3 أو 5 أو 7 شطرات

الزوجي: رباعي، سداسي، ثماني أي 4 أو 6 أو 8 شطرات

وقد يحتوي الموال على أكثر من مقطع على نفس النظم، وتتنوع القوافي بحيث تكسر رتابة القافية الواحدة، ويمكن أن تختلف القافية داخل المقطع الواحد، كما يمكن تكرار قافية بعينها في نهاية كل مقطع، إما مشابهة لختام المقطع الأول أو مختلفة عنه.، فالثلاث الأولى “الفرش” ثم تليها “العتبة”، ثم “الطاقية”. ويعتمد النص دائماً على المجاز والتورية والمحسنات البديعية الأخرى كالترصيع والطباق:

يا واخد القرد إوعى يخدعك مالُه

تحتار فى طبعه وتتعذب بأحوالُه

حبل الوداد إن وصلته يقطعِ اِحْباله

تقضّى عمرك حليف الفكر والأحزان

ويذهب المال ويبقى القرد على حاله

وأشهر أنواعه من حيث الشكل ثلاثة: “الأربعاوي، والخمساوي، والسبعاوي”، أما الموال الأربعاوي فهو الشكل الأول للموال، تتغير فيه القافية في الشطر الثالث فقط، ويحتمل الإعراب واللحن، وهو، مؤلف من بيتين من البحر البسيط أشطرهما مقفاة ولذا سمي بالموال الأربعاوي ومنه:

“عني تسليت وأسياف الجفا سليت

عني تخليت في قلبي غصص خليت

قتلي استحليت قيد الهجر ما حليت

في القلب حليت مري بالوصال حليت”».

وأما الموال “الخمساوي” فيعرف بالأعرج، حيث تقفى الأشطر الثلاثة الأولى بقافية واحدة، ثم تتغير في الشطر الرابع وتعود إلى التطابق في الخامس، ومما نظمه الحلبيون وغنوه في “الخمساوي”:
“الدهر إن جاد يمنى يرد يسراها

عالدوم تلقي يسرا حال يسراها

دأبه يهين السبه والدون يسراها

والوغد علا واخفض للرفيع جناب

كم نوب أدعى الشهم بقيود يسراها”».

تفنن شعراء حلب الشعبيون في نظم السبعاوي الشرقاوي، حتى بلغ على أيديهم غاية الكمال والبيان، وألزموا أنفسهم بما لا يلزم في الصنعة البديعة، ومن شروطه الجناس التام في قوافيه

وأما السبعاوي فيتألف من سبعة أشطر: الثلاثة الأولى بقافية واحدة وتسمى المطلع، والثلاثة الأخرى بقافية أخرى، الشطر السادس منها أو الثلاثة معاً يدعى العرجة، ثم يأتي الشطر السابع مطابقاً في قافيته للأشطر الثلاثة الأولى ويدعى الطباق.

ولقد تفنن شعراء “حلب” الشعبيون في نظم السبعاوي (الشرقاوي)، حتى بلغ على أيديهم غاية الكمال والبيان، وألزموا أنفسهم بما لا يلزم في الصنعة البديعة، ومن شروطه الجناس التام في قوافيه، واشتهر منه ثلاثة أنواع، وهي: “العادي”، وغالباً ما تتحقق فيه شروط الجناس السابق من مثل:

كيف اصطباري بلاكم سارت أحبابي

وبكيت لما تليت جواد يا احبابي

لما نووا عالسفر هاج البكا احبابي

أبات منهان ارقب لبنات  النعش

من دنية الما دعتني بي سرور ونعش

ناديت روضوا بنا ياحاملين النعش

حتى أودع عزيز الدار واحبابي”.

ومن أنواعه، ما يسمى “المحبوك”، وهو أن تحبك أشطر الموال بحرف واحد يبتدئ به الشاعر كل شطر، مثل:

“دأبك بمدح النبي، زيد المديح وجود

دروة المساكين حادي كل فخر وجود

داعي الخلق للهدى شرف ونار وجود

داني على دينه موتي وحياتي برد

دوم الكرم شيمته ما يوم قاصد برد

داءك إذا ما شفى وظماك منه برد

دونك وبحر السخا املا الروايا وجود

وأما أنواعه من حيث المضمون أو (التصنيف الوجداني)، فتقوم على تصنيف شائع بين فناني الغناء الشعبي ومحبي الموال الشعبي يقوم (التصنيف)، على أساس ما يحدثه الموال من حالة وجدانية لمن يسمعه.  وقد استخدمت الألوان للإشارة إلى الموال باعتبار أن تأثير الألوان أكثر وضوحا على النفس البشرية، وأشهر هذه الأنواع:

الموال الأخضر: وهو الموال الذي يتناول حالة المحبين من عشق وهيام وغرام وتغزل في الجميلات من النساء.

والموال الأحمر: وهو الموال الذي يتناول المضامين التي تتعلق بالفخر والحرب والخمر وغير ذلك من المضامين المثيرة كالجنس مثلا.

والموال الأبيض، ويختلف الناس حول سبب هذه التسمية، فبعضهم يقول: وُصف الموال بالبياض لأنه يخلو من التعقيد البلاغي، فالموال يكون أبيض حين يكون واضح المعنى وقوافيه عادية غير مركبة، ويقول البعض الآخر؛ أنه سمي كذلك لحياده، فهو يتناول مضامين تتعلق بالحكمة وتأمل الطبيعة والنصح بفعل الخير.

ويتميز الموال عامة بأنه ينظم عروضياً، من وزن البحر البسيط “مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن”.

وينتشر الموال في المجتمعات العربية جميعها، حيث تفننت كلها في تكييفه وتفصيله بما يناسب أذواق الناس وأمزجتهم، بل أصبح “الموال” في كثير من الأحوال بوابة رئيسية للغناء الشعبي في سوريا، ولبنان، والعراق، ومصر، والحجاز، وغيرها.

مصدر عبد الفتاح قلعجي، دراسات ونصوص في الشعر الشعبي الغنائي، الهيئة العامة للكتاب، دمشق مجلة الثقافة الشعبية، البحرين
قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل