ما أجمل الحياة

قصة مترجمة من الأدب التركي

0

تأليف: ممدوح شوكت أساندال

التّرجمة عن التّركية: نور عبد الله

تمّوز، ساعة الظّهيرة، صوت امرأةٍ من بيت الجيران، لا يُعْرَف سبب صراخها، ربّما كانت توبّخ ابنها، قفزت قطّةٌ من حائط بيت المؤذّن إلى منشر الغسيل، على مسافة عدّة بيوت هناك دجاجةٌ تقاقي بصوت متقطّع، وبقربها ديكٌ وكأنّه يساعدها، ويردّد خلفها.

أمّه تجلس تحت مع جارتيها، منرفزةٌ لسبب ما، تتكلّم بعجالة، الظّاهر أنّهنَّ يمارسنَ النميمة القط المبرقع متمدّدٌ يتمطمط بأرجله الأربعة وهو نائم على الوسادة فوق الكومودينو المكسورة، تحت الفوانيس المكسورة وزوج من الكؤوس الحلزونية وذات النّجوم الباقية من جهاز عُرس أمّه، كتاب “حيلة السعادة” في الزاوية تحت الغطاء الأسود، كل شيءٍ في مكانه، والحياة كما كانت في كل وقت.

أخذ الحافظ نوري أفندي شمسيته من خلف الباب، وخرج إلى الشارع بتمهّل، لماذا!؟ هل كان لديه عمل في الخارج!؟ هل كان سيقابل أحداً!؟ ليس لديه أيّ شيء، كان يمكن ألّا يخرج، لكنّه خرج.

قادته رجلاه إلى مفرق الطرق الأربعة، على جانبه البقّال وعلى جانبه الآخر حائط مقبرة التّكيّة، ظهرت له سكّة الحديد في فسحة الأرض الخاوية المرئيّة من بين البيتين مقابله، هناك أرجوحةٌ مقلوبةٌ على الأرض في هذه الفسحة الخاوية، وبيتٌ جلّسوا ظهره المحني بثلاثة أعمدةٍ طويلة، مرّت عربة ترامواي مصنوعة من التنك الأصفر مهتزّةً مرتجفةً، واتّجهت صوب “يدي قولا”. الشوارع خالية، مرَّ رجلٌ معلولٌ بثياب درويشٍ يهزُّ إحدى يديه أمامه، ويجرُّ إحدى رجليه. عاد الشارع خاوياً من جديد.

فجأةً سُمِعَ صوت ضجيجٍ عالٍ، القطارُ آتٍ، قطارُ أحمالٍ آتٍ من “آدرنة” مرَّ بسرعةٍ مروراً باهراً جعل الأرض والبيوت تهتز، مرور العربات يرى من بين البيتين، مرّت الواحدة تلو الأخرى، وانتهت، أوووه.

كان نوري أفندي منزعجاً، الترامواي قادم من أدرنة وقد وصل إلى اسطنبول، لم يبقَ ليصل “سيركه جي” إلّا عدّة خطوات، لم لا يسير بتمهّل، وكمال!؟ مثل المجنون، وكأنّه هارب.

كان الحافظ نوري أفندي واقفاً في زاوية الشارع، فجأةً أحسَّ بأحدٍ بجانبه، إنّه شكري القوّاف، هل جاء من الشارع الخلفي؟ توجّه إلى نوري أفندي:

-هل تنتظر أحداً ؟

-لااا..

-هل ستظلُّ واقفاً إذاً؟

-لا أعرف، إنّي واقف الآن.

-إذن فلديكَ عملٌ خاص.

-لا، أيُّ عمل

-هكذا هي الحياة، لمَ لا!

لم يَرُدّ نوري أفندي، وبعد صمت قصير عاد وسأل:

– هل ستظلّ واقفاً هكذا؟

-لا أعرف إنّي واقف الآن.

-تعال معي إن أردت، نذهب إلى “كوم كابي”

طأطأ نوري أفندي رأسه:

-آتي إن أردتَ

-هيّا، تكونُ قد تجوّلتَ قليلاً.

سارا، وعبرا الشارع إلى الرصيف المقابل، دخلوا الزقاق على اليمين، ووصلوا إلى السّكة الحديديّة، فقال شكري:

-أكمل مسيرك أنت وأنا سألحق بك.

ودخل مخزناً للحطب، سارَ نوري أفندي مستنداً على شمسيته، متفرّجاً على بساتين الخس والخيار على جانبي الطريق، يستدير ويقف عندما يسمع صوت القطار، ثم يعاود سيره وهو يهزّ شمسيته.

الجوّ حار، معطفه الطويل معلّق على كتفيه، طربوشه يكاد يلصق برأسه من العرق، لكنّه غير مهتم، يمشي.

مع أن الوقت كان باكراً إلّا أن حمامات السباحة في “قوم قابي” كانت مزدحمة، بائعتا أغطية الرأس نشرتا الأغطية على الصخور لتجف، مشى نوري أفندي، وعبر الممشى، ودار خلف المحطّة من طريق داخل الحارة، وبينما هو يجتاز الطريق إلى السّكّة الحديديّة، صادف بائع الفحم خليل:

-خير يا نوري أفندي، إلى أين؟

-والله لا أعرف، ذاهبٌ هكذا… كما ترى…

ألقى نظرةً خلفه واستدرك:

-كان شكري آتٍ ورائي.

-أيّ شكري؟

-شكري القوّاف!

-هل أنتم ذاهبون إلى مكان ما؟

-لا، هكذا… كان قد قال لي لنذهب، لكنه لم يلحقني.

-دعك منه! وهل تنزل البئر بحبلِ شكري! وحده الله يعلم أين هو الآن، ومع من! أنا عائدٌ إلى الحيّ الآن، تعال لنعد سويّةً.

طأطأ نوري رأسه:

-حسناً، لنعُدْ

-هيّا هيّا، امشِ

سارا، وبدأ خليل يحكي لنوري أفندي كيف أنه جاء لشراء الفحم، لكنه لم يتّفق على السّعر، لم يكونا قد سارا أكثر من خمسة عشر خطوة، عندما نَدَهَ صاحب مخزن الفحم لخليل، فهم خليل أنَّ هذه الصفقة سوف تتم، وقال لنوري أفندي:

-تابع أنت المسير وأنا سوف ألحق بك.

سار نوري أفندي وسلك الطريق الذي جاء منه لوحده، ووصل إلى باب مقهى الحي.

رجلان جالسان قبالة بعضهما على كرسيين واطئين من الحصير، يلعبون الطّاولة، اقترب وجلس على الكرسي الثالث الفارغ، وأسند كوعيه على ركبتيه، وعصا الشمسية على فمه، وبدأ يشاهد لعب الطاولة.

أحد اللاعبين خسر اللعبة مرّةً، عاد وخسر اللعبة مرّةً أخرى، فغضب وألقى خسارته على النحس الذي جلبه نوري أفندي، وفكّر بأنه” جاء ونحس له زهره” لكنه لم يقلها صراحةً،

– نوري أفندي، الآن عندما ننهِ هذه اللعبة سألعب معك.

أخرج الحافظ نوري أفندي عصا الشمسية من فمه:

-أنا لا أعرف لعب الطاولة!

-لا تعرف لعب الطاولة!

-لا أعرف…

-ما دمت لا تعرف اللعبة، لماذا كنت تشاهدنا نلعب؟!

رفع نوري أفندي كتفيه:

-هكذا، كنت أشاهدكم.

رتب الرّابح في اللعبة أحجاره وأخذ الزهر بيده:

-غريب! أنت ترتاد المقهى منذ أن كنت في الخامسة عشرة، كيف لم تتعلّم لعبة الطاولة؟

بدأ اللعب من جديد، وخسر اللاعب نفسه من جديد، فلم يتمالك نفسه:

– نوري أفندي والله جئت ونحست زهري، اذهب واجلس بعيداً قليلاً من هنا، انزعج نوري أفندي من هذا، وكان سيقول:

-وبماذا يضرّك جلوسي هنا؟! لكنّه لم يقل، وقف وتوجّه إلى باب المقهى، وفكّر: هل أعود إلى البيت، الوقت بعد الظهيرة، وقد اقترب المساء، اشترى خبزاً من البقّال أثناء مروره من أمامه، وذهب إلى البيت، فتحت أمّه الباب، كان البيت مشبعاً برائحة الطّبيخ، صعد إلى غرفته، ولبس سترته الشّاميّة، وجلس أمام النّافذة، مرَّ البائعون المتجوّلون، وهبط لون المساء على الحي، صاح ولدٌ في زاوية الحي:

-خيري، تعااال، أمّي تريدك،

فتاةٌ صغيرة تحمل باقة من البقدونس مرَّت وهي تطقطق بقبقابها. ابن الجّار غفّار، يجاهد لإدخال سلّتي ظهرٍ كبيرتين من باب البستان. امرأتان تسيران بسرعة إلى البيت، من الواضح أنهما كانتا في مكان ما وتأخّرتا، صوتُ طقطقة قبقاب أمّه آتٍ من المطبخ، فكّر نوري: ما أجمل الحياة، لا يلزم الإنسانَ إلّا عمراً ليعيشها.


ممدوح شوكت أساندالولد في اسطنبول، لم يستطع الدراسة لأسباب عائليّة، دخل حزب الاتحاد والترقي عام 1906، وعمل بالزراعة بعدها، شغل بين عامي 1920-1950 منصب عضو في البرلمان، وسفير، نشر كتبه بتوقيع: م .ش. أ. بسبب مهامه الرّسميّة، يعدّ مؤسسي القصة الحديثة في تركيّا، له العديد من القصص والروايات: من مجموعاته القصصية: الحكايات: الكتاب الأوّل 1946- الحكايات: الكتاب الثاني 1946- فيصل جاويش 1984- زهرة صغيرة 1984- ثمن الهواء 1984- النجّار العجوز 1984- نسيبة 1985- القلب يلاحق الهارب 1993.


نور عبدالله: مترجمة وصحفية سورية، من حلب، تقيم في مدينة إسطنبول التركية.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!