الاغتراب الثقافي… يهيمن على الطلاب السوريين في تركيا

0
الأيام السورية؛ خالد محمد

الابتعاد عن الوطن الأم وما يخلقه من ابتعاد عن اللغة الأم، ونسيان لتاريخ وجغرافية الوطن تشكل أهم العوامل التي تخلق حالة من الاغتراب الثقافي وضياع الشخصية للجيل، فما حال الجيل السوري في ظل الغربة التركية؟

ربما لا يشك أحد ما أن أبرز الضحايا للحروب والأزمات هم الأطفال، فكيف بأزمة وحرب استمرت لسنوات كما هو الحال في الثورة السورية وتفرعاتها، التي ما انتهت بعد ثمان سنوات، ولا بوادر لقرب حل.

في تركيا قارب عدد النازحين السوريين فيها أربعة ملايين إنسان، توزعوا في ولايات متباعدة، ومع مرور تواجد البعض لسبع سنوات، نشأ جيل لم يولد في سوريا ولم يعرفها، ناهيك عن جيل غادرها صغيراً ولا يذكر منها شيئاً.

هذا الجيل يتكلم العربية “وراثة” وهو لا زال يعرف بأن له بلداً يكمن خلف حدود إقامته، ولكن ما حدود معرفته لهذا البلد؟.

جيل المدارس اليوم، وبعد قرارات دمج الطلاب السوريين في المدارس التركية، ابتعد كثيراً عن ثقافة المجتمع السوري ولغته، وأصبح ضحية انفصامٍ في حياته ما بين بيتٍ يعيش فيه ويأخذ عنه عادات ولغة، وما بين مدرسة ومجتمع تعطي له لغة وثقافة أخرى.

اليوم هذا الجيل وبمعظمه، وخصوصاً ممن هم دون الثانية عشرة من عمرهم، لا يجيدون القراءة والكتابة باللغة العربية، وينصبُّ كل اهتمامهم باللغة التركية التي أضحت بالنسبة لهم لغة التعليم ولغة الشارع والمجتمع، وسط ظروف عائلية واقتصادية لا تسمح لهم بتعلم اللغة العربية قراءة وكتابة، حتى بات اليوم الكثير من طلابنا يقرؤون القرآن بلكنة تركية تلفظ كثيراً من الأحرف بطريقة خاطئة، متبعين بذلك لكنة أساتذتهم الأتراك، ويكتبون العربية (هذا إن أجادوا كتابتها) كما تُلفظ وبأخطاءٍ إملائية تتجاوز 80%.

تشكل اللغة العربية واستيعابها وإتقانها؛ قراءة وكتابة، وليس محادثة فقط، البوابة المستقبلية التي يستطيع من خلالها هذا الجيل تعويض ما سيفوته، وهي الرابط الأهم الذي يربطه بماضيه ومستقبله.

تشكل اللغة العربية واستيعابها وإتقانها؛ قراءة وكتابة، وليس محادثة فقط، البوابة المستقبلية التي يستطيع من خلالها هذا الجيل تعويض ما سيفوته، وهي الرابط الأهم الذي يربطه بماضيه ومستقبله، فكما أنّ إتقان لغة البلد المستضيف تتيح له الاندماج والتفاعل مع البلد الجديد، كذلك هي اللغة العربية تساعده بالمحافظة على شخصيته وهويته وارتباطه ببلده.

أما الجانب الآخر للشخصية الثقافية؛ تاريخ وجغرافية الانتماء، فيكاد جلّ الطلاب لا يعرفون من سوريا إلا شكل خارطتها العام، فبعضهم لا يحفظ اسم مدينته ولا يعرف بأي محافظة سوريّة تقع، ولا تسعفه معرفته أن يحدّد على خارطتها المدن الرئيسية.

وكذلك لا يكاد يُلمّ من أحداث ووقائع الثورة السورية بأي معلومة، وغير مطلّع أيضاً على تاريخ سوريا، وتاريخ الإجرام الأسدي فيه وأفعاله عبر العقود الماضية، ويجهل أحياناً تفاصيل أسباب قدومه إلى تركيا.

يضاف إلى ذلك حالة كبيرة من التسرب الدراسي، نتيجة وطأة الظروف الاقتصادية التي تدفع الكثير من الأبناء لترك المدرسة والعمل، عدا عن ظروف التنقل وعدم الاستقرار والزواج المبكر للفتيات، مما أوجد جيلاً كاملاً خارج المدارس، هذه الفئة بمعظمها أميّة أو شبه أمية، فبحسب تصريحات لوزير التعليم التركي نقلتها وكالة الأناضول “هناك /700/ألف طفل سوري فقط ضمن التعليم من أصل /1.47/ مليون ممن هم في عمر التعليم”

هذا الاغتراب الثقافي وضياع الانتماء، الذي يعيشه جيل كامل بما يقارب مليوناً ونصف مليون طفل سوري في تركيا وحدها، والأمر لا يبتعد كذلك في بقية دول اللجوء وخصوصاً أوربا، تجعل هذا الجيل بلا هوية مستقبلية فلا هو حافظ على هويته الأصلية كما تفعل الكثير من القوميات والمغتربين، ولا هو استطاع ركوب الثقافة الجديدة واستيعابها كاملاً، بالطبع هذا بعيداً عن حالة عدم التقبل والرفض التي يعانيها من قبل الشعوب المستضيفة.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!