شمس الحرية تشرق على سورية

خطاب الرئيس شكري القوتلي بمناسبة الجلاء

0
شكري القوتلي- المصدر: تاريخ سوريا

بني وطني..

هذا يوم تشرق فيه شمس الحرية الساطعة على وطنكم، فلا يخفق فيه إلا علمكم، ولا تعلو فيه إلا رايتكم. هذا يوم الحق تدوي فيه كلمته، ويوم الاستقلال تتجلى عزته، يوم يرى الباطل فيه كيف تدول دولته، وكيف تضمحل جولته. هذا يوم النصر العظيم والفتح المبين.

بني وطني..

أهنئ اليوم هذه الأمة، شباباً وشيباً، هلالاً وصليباً. أهنئ ذلك الفلاح، دعاه داعي الوطن فلباه، هجر مزرعته وتنكب بندقيته، وراح يذود عن أمته ويثأر لكرامته. أهنئ العامل الكادح، يجعل من نفسه لوطنه الفداء، وهو فيما يصيبه لمن السعداء. أهنئ ذلك الطالب، تتأجج روحه حماسة، ويغلي مرجله إباء. أهنئ الأستاذ يبث العزة القومية، والشاعر يهز الروح الوطنية، والكاتب ينافح عن الحق ويشدد العزائم. أهنئ ذلك التاجر طالما غادر متجره احتجاجاً على ظلم صارخ، ودفعاً لعدوان نازل. أهنئ رجل الأحياء تثيره النخوة ويستجيب للحمية. وأبارك للسيدة تؤدي واجبها جهداً وثباتاً وصبراً.

وأحيي بقية السيوف من الأحرار الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فذاقوا حياة النفي والتشريد، وهبطوا السجون كراماً أعزة، وبذلوا الأنفس والأموال والثمرات، وصبروا وصابروا، “فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله، وما ضعفوا، وما استكانوا، والله يحب الصابرين”.

أحييهم جميعاً في شخص الشهيد المجهول، يعمل لوطنه صامتاً أريحياً، ويلقى وجه ربه راضياً مرضياً.

ولكن الحرية كانت لا تزال تتطلب المهر الغالي والثمن الرفيع، فما أسرع ما اجتاحت جيوش الطامعين الغاصبين هذا الوطن العزيز. وعلى أشلاء يوسف العظمة ورفاقه الشهداء الميامين في ميسلون، دخلوا هذا البلد الأمين. لقد قوضوا بنيان الدولة الفتية، ونكسوا رايتها، ومزقوا وحدتها، وفرضوا الانتداب البغيض عليها، وافتنوا في التنكيل بأحرارها. وكانوا كلما أمعنوا فيها أذى وعتوا، وساموها خسفاً واضطهاداً، ازدادت على الإرهاق والبطش ثباتاً وشجاعة وإباء، حتى برهنت هذه الأمة العزلاء إلا من حقها أنها أمة لا تكل من التضحية ولا تمل الفداء. أجل، إنها مضت في جهادها، واثقة بأن إيمانها سيصهر حديد الطغاة، وأن قوة عقيدتها وصلابة إرادتها ومضاء عزمها سيجعل من ظلم الظالمين هباء.

تتابعت مواكب الشهداء، وخضب كل شبر من أديم هذا الوطن بالزكي الطاهر من الدماء. وكانت ثورات، لا يكاد يخمد أوار الواحدة حتى تتلظى نار الأخرى. ولم يكن تراجع، إلا أعقبه إقدام، ولا فر إلا تلاه كر.

سلوا هذه الغوطة الفيحاء عن معاركها الشعواء. سلوا جبل العرب الأشم تنطلق منه الثورة الكبرى، يقودها سلطان الأطرش. سلوا ربوع الشمال وجبل الزاوية عن ثورة هنانو، وجبال العلويين عن ثورة صالح العلي. سلوا سهول حمص ووادي حماة، وتلكلخ والمزرعة وحوران. سلوا راشيا والقلمون. سلوا هذه البيوت التي دمرت، والمزارع التي أحرقت، والمتاجر التي نهبت. سلوا المنافي والسجون. سلوا دماء الشهداء أي ثمن دفعناه لاستقلالنا، وأي جهد بذلناه لبلوغ أهدافنا. أجل سلوها: هل ونينا عن دفع الثمن، وهل قصرنا في أداء المهر، وهل خططنا في سفر الجهاد والتضحيات إلا صفحات باهرات نيرات يشع منها نور الحق المبين ويتعالى منها تكبير المجاهدين المؤمنين؟

كان الغاصب كلما آنس من هذه الأمة اندفاعاً في الزياد عن حقها، وكلما أخفق في إدخال الفزع إلى قلوبها والوهن إلى عزائمها، تظاهر باللين تارة وبالجنوح إلى الحق تارة، ثم لا يلبث أن يعود إلى أصل فطرته ويخيس بكلمته. رأيناه يدعو إلى جمعية تأسيسية، حتى إذا رآها تجهر بإرادة الأمة، أغلقها وقضى عليها. رأيناه يعترف للأمة بحق دستورها، حتى إذا ما أشرعته جاء ينتقض بنوده ويعطل أحكامه. رأيناه يدعو إلى الانتخاب الحر، ثم يملي إرادته ويفرض سلطانه. ثم رأيناه سنة 1936، بعد ذلك الإضراب المستطيل، يتظاهر بالصداقة ويعاهد على الاعتراف بالحق، ثم لا يلبث حتى يثير الفتن ويورث العداوات ويروج المفاسد، غير خافر بذمته ولا واف بوعده. ومن فضل الله على هذه الأمة أنها لم تكن في أثناء ذلك كله ترضى بالدون، ولم تكن تؤخذ بالخداع، ولم تسجل على نفسها أنها ارتضت عن كامل حقها بديلاً، وقد عجز الاستعمار عن حملها على قبول وضع يثلم كرامتها والارتباط بعقد يمس عزيمتها.

لقد كان العمل في الحقل الوطني ـ والحرب حامية الوطيس ـ محفوفاً بالمكاره، مليئاً بالصعاب. وكان الناس يؤخذون بأدنى الشبهات، ويحاسبون حتى على اللفتات؛ ومع ذلك فإننا لم نغفل عن أداء واجبنا في ذلك الآن العصيب والظرف الرهيب، رغم امتلاء السجون واكتظاظ المعتقلات. فقدمنا المذكرات وأذعنا البيانات، ووجدنا في الدول العربية الشقيقة، التي ربطت مصيرها بمصير الديموقراطيات، أصدق العون، وفي الدول المتحالفة الصديقة أقصى النصرة، فاستعادت الأمة وضعها الشرعي، واختارت نوابها، وانتخب رئيس جمهوريتها. على أن الظروف وتطوراتها، والحرب وما رافقها من دعوة إلى الحريات ومبادئ المساواة، وما أصاب فرنسا نفسها من ويلات، لم تبدل يومذاك من ذهنية ساستها وكبار موظفيها، فوجدنا أنفسنا أمام صعاب شاقة وعقبات كأداء، فصرفنا همنا إلى جعل الاستقلال حقيقة راهنة، باستلام الصلاحيات واستخلاص الحقوق التي استمسكت بها فرنسا وعضت عليها بالنواجذ.

بني وطني..

إن هذا الاستقلال الذي ظفرنا به بفضل جهاد الأمة وقوة عزمها واتحادها، هو أمانة الشهداء في أعناقنا، لنورثه أبناءنا سليماً قوياً محترماً. فعلينا ألا نفرط فيه وأن نتفانى دونه، وأن نحيطه بسياج من دمائنا وأرواحنا، فالاستقلال ملاكه التضحية وقوامه الفداء.

يا أبناء الوطن..

إننا نطوي اليوم صفحة الجهاد في سبيل استقلالنا لنفتح صفحة الجهاد لصيانته وجعله واسطة لإسعاد الأمة ورقيها. وقد تكون صيانة الاستقلال أشق من الظفر به، وليس السبيل إذاً بهين ولا بيسير، وما هو أمام إرادة الأمة بالأمر العسير، فلندرع إذن بالعزم الماضي والإرادة المتينة.

لقد أورثنا فقدان السيادة الوطنية أجيالاً وتحكم الأجنبي فينا قروناً طوال، أمراضاً ثقالاً، فواجبنا أن نعمل على تقوية أنفسنا وإصلاح ما أفسده الاستعمار، واجتثاث بذور السوء التي بذروها في تربة الوطن الغالي. وإذا كنا قد جاهدنا حتى زال الاستعمار، فعلينا أن نجاهد حتى نعفي أثره ونقضي على ما خلفه من أسواء ومفاسد.

إن مثلنا الأعلى الذي نتطلع إليه ليدعو اليوم أبناء هذه الأمة إلى التجرد عن الهوى والترفع عن الصغار، وإيثار المصلحة العامة على الخاصة، والتفاني في رعاية القانون واحترام النظام والولاء للدولة، ومعرفة أن لقاء كل حق للفرد لا بد من واجب عليه.

وتقوم قواعد المجد الآتي من ناحية أخرى على تحلي الحكومة بالعدل مقروناً بالحزم، وبالسهر على مصالح الشعب وتغليب سلطان القانون العادل على كل سلطان، وتنمية الكفايات ومعرفة أن ما كان يجوز في عهد الانتداب والاحتلال قد لا يجوز في عهد السيادة والاستقلال.

وإني لأرجو، على ضوء ما أسلفت، أن نمضي في عهدنا الإنشائي في مساواة لا تفرق بين الأديان والمذاهب، ولا تقيم وزناً لعصبيات الأعراق والطوائف. فنحن حقاً أمة واحدة موحدة، لا أقليات فيها ولا أكثريات.

يا أبناء الشام..

لقد بشرنا برسالة الاستقلال، وحملنا أمانة الجهاد لتحقيقه، فتجشمنا كل صعب، ورحبنا بالخطب يتلوه الخطب، ولم يتزلزل إيماننا بحقنا وثقتنا بنصر الله، وبأن المستقبل لنا. ولقد قلت في كلمة وجهتها إلى الشعب في أشد أيام الظلم حلكة وأوغلها اعتسافاً: “إنه مهما كانت الشدائد التي يغالبها القطر الشامي، فإن زماناً أسعد وأهنأ لا بد من أن يدركه ويحيا في ظلاله حياة طيبة”. وقد بلغنا الله هذا الأمل، واحتفلنا اليوم بتحقيقه، وجئنا نتقدم من أمتنا ومن الأجيال القادمة، وكتابنا بيميننا، نعلن أننا قد أدينا الرسالة ورعينا العهد وحفظنا الأمانة.

يا شباب الأمة..

إنكم أمل الوطن المرجى لإسعاده، وعلى سواعدكم وهمتكم يعتمد في تحقيق غايته واستعادة أمجاده. لقد قضينا شبابنا وبذلنا رونق أعمارنا في أداء أمانة تحرير هذا الوطن، حتى منّ الله علينا بالتوفيق وأقر عيوننا بالنصر. وإنا لنرى من مقتضيات هذا العهد الاستقلالي والدور الإنشائي أن نسعى لتشجيع كفاياتكم، وإعدادكم للاضطلاع بأعباء النهوض بوطنكم. وليس أقر لعيوننا وطمأنينة نفوسنا من أن نرى هذا الوطن غنياً بشبابه العاملين، ذوي العزم الماضي والخلق المتين. فأعدوا أنفسكم لتلقي أمانة النهوض بوطنكم والسمو بأمتكم، وبرهنوا بالعمل المجدي والدأب عليه، الترفع عن الصغير التافه، والتطلع إلى الجيل السامي، إنكم خير من ائتمنه الوطن، وإنكم أهل لاعتزازه بهممكم واعتداده بعزائمكم واستناده لسواعدكم.

17 نيسان 1946

مصدر سيريا نيوز
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!