الموليّا

أشكال الأغنية الشعبية في سوريا (1)

0
الأيام السورية؛ سلام محمد

تعد الأغنية الشعبية قصيدة غنائية، يتداولها الناس في الوسط الشعبي، ويتوارثونها في مناسباتهم الاجتماعية.

وتأخذ الأغنية الشعبية لونها الخاص، بحسب المنطقة التي تظهر فيها، لكنها تنتقل، كما كل التراث الشفوي، من مكان إلى آخر، فيضيف الموقع الجديد نكهته الخاصة عليها، ولكن البنية الأساسية تبقى هي المسيطرة، وذلك على مرّ الأزمان.

والأغاني الشعبية وثائق اجتماعية على قدر كبير من الأهمية، لأنها تصور عادات الناس وتقاليدهم في المناسبات، فرحاً أو حزناً، كما تقوم بدورها الفني والجمالي في حياة المجتمع.

ويعكس الإرث الموسيقي لسوريا تاريخا حيا، وثقافات متنوعة تتجاوز السياسات والحروب الراهنة، فهذا البلد العريق ربما أعطى العالم أولى أغنياته، ويزخر التراث الشعبي السوري بأشكال كثيرة ومتعددة من القول الغنائي الشفاهي، والتي ما زالت مستمرة في حناجر الناس، مغنين وسامعين.

سوف نقوم في سلسلة مقالات بالتعريف بهذه الأشكال، من حيث التاريخية، ومكان الانتشار، وكذلك من حيث بنيتها الفنية، وذكر الأمثلة والنماذج عن هذه الأشكال الغنائية..

1/ الموليّا

يقول كثير من الباحثين بأن نشأة الموليا كانت في العراق، ثم بدأت تشيع في البلاد العربية منذ القرن السابع، ويقال؛ إنّ سبب ظهورها، هو أن الرشيد منع الناس من رثاء البرامكة، فلم يجرؤوا على رثائهم، ولكن جارية لجعفر بن يحيى البرمكي بكته في أشعار نظمتها من هذا الوزن بالعامية، وكانت تختمه بكلمة “يا مواليه”، ولكن شوقي ضيف يرى أن هذه القصة أسطورة؛ لأنه لم يثبت أنّ الرشيد منع الناس من رثاء البرامكة.

يقول كثير من الباحثين بأن نشأة الموليا كانت في العراق، ثم بدأت تشيع في البلاد العربية منذ القرن السابع

وما يعزز أصل كلمة المواليا أن المولى في اللغة من الأضداد (كلمة واحدة تعطي معنيين متضادين) إذ تعني؛ السيد والعبد، وبما أنها جاريته فهو مولاها، ولما رثته كانت تخاطبه “يا مواليه”. ومنهم من يرى؛ أن المواليا ربما تكون من الموال؛ وهو فن غنائي شعبي شائع في أغلب البلاد العربية، وهو لون من الأدب الشعبي، إذ يُظهر فيه المغني قدرته على الابتكار والتجديد، وإبراز مساحته الصوتية.

ويكاد يجمع الباحثون على أن الانتشار الأول للموليا في سوريا، كان في منطقة وادي الفرات، ومنها انتشرت إلى مناطق أخرى، ولكنها أخذت ألحانا مغايرة أسرع من الموليا الفراتية، فقد أوجد هؤلاء مطالع خاصة بهم مثل:‏

هيهات يا بو زلف عيني يا موليا‏

يشرب حصانك هنا ولو عكّر الميه‏

والموليا، هي قصيدة موزونة على البحر البسيط، تتألف من أربعة أشطر تنتهي الأشطر الثلاثة الأولى برويّ واحد، في حين ينتهي الشطر الرابع (القفلة أو الرباط) بالياء المشددة أو التاء المربوطة. .
وتشتهر بنيتها اللغوية بشكلين: الأول، وهو الشكل التقليدي لبيت “الموليا” أي البيت الإفرادي من مثل قول أحد الشعراء:

“يا سايجين الضعن بالله تعيجونـــوا

معكم حبيب القلب محد خطم دونه

لقعد على المنهـلة الكل يـوم تردونوا

وارجاك يابو زلف لـــــــمن تجي ليّـه”.

الموليا موسيقاها متكررة عند الغناء، وتغنى بشكل إفرادي بمصاحبة آلات تراثية بسيطة كالزمارة والدف والربابة، وحاليا مع الآلات الموسيقية الشرقية

حيث بدت فيه الأشطر الثلاثة الأولى موحدة القافية، فقد ختم الشاعر الشطر الأول بكلمة “تعيجونوا”، والشطر الثاني بـ “دونو”، والثالث بـ “تردونوا” بينما اختتم الشطر الرابع بـ “ليّه”، وهو مخير بالروي الذي يريده في الأشطر الثلاثة الأولى، شريطة أن تكون موحدة، إلا أنه ملزم باستخدام الياء المشددة والهاء المتروكة في نهاية الشطر الرابع، وعلى الأغلب تستخدم الكلمات التالية في نهاية الشطر الرابع (بنيّه ـ بيّه ـ جمريّه ـ عليّه ـ بريّه ـ شرقيّه ـ ميّه)، لكونها الأقرب إلى لفظ الموليّــا.

والثاني: ويسمى المِصْرَع بكسر الميم، وتسكين الصاد، وفتح الراء، وتستخدم هذه الكلمة للدلالة على التماثل والتوازن، وهي مأخوذة من حمل البعير، أو الدابة، حيث يتوازن ويتماثل الحمل حتى لا يتداعى، وهو( أي المصرع) أبيات إفرادية متتالية، ثلاثة أشطر موحدة الروي، وشطر رابع مقفل بياء مشددة، وهاء متروكة، ثم ثلاثة أخرى موحدة الروي، وشطر رابع مقفل بياء مشددة، وهاء متروكة، وهكذا لتبدو كالسلسلة المترابطة، يلتزم خلالها الشاعر في بدء بيته الثاني بالكلمات الأولى من الشطر الرابع الذي يسبقه، وهكذا فالثالث والرابع حتى اختتام القصيدة ـ إن جاز التعبير ـ كقول الشاعر:

“لي سار نجم السما تيسر وساري

أمشي واخف بالجدم وآخذ باليساري

ليّ حبيبٍ مـــــــــضى اسمه باليساري

يــهلن دموعــــي على لــــــذة معانيـــّـــه

يهلن دموعي بقيت أندب على حالي

سريت وأصبحت أنا بسعون وجبال

شكيت أمرٍ جرى لمدبر الحالــي

يشيب راســي عـــــــــــــــلى فراق الرداحيّة

ويغلب على مطالع الموليا استخدام عبارات محددة، من مثل:

أكتب وادز بالورق

أو يا ريمتي فرعي

والموليا موسيقاها متكررة عند الغناء، وتغنى بشكل إفرادي بمصاحبة آلات تراثية بسيطة كالزمارة والدف والربابة، وحاليا مع الآلات الموسيقية الشرقية، وتغنّى الموليا في كافة المناسبات ماعدا مناسبات الأحزان.‏

مصدر محمود الموسى الحمد شعراء الموليا في القرن العشرين دار الغدير2000
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!